أثر البعد الثقافي في عملية التفاوض

 

الخبرة المشتركة Common Experience من أهم أسس أي عملية اتصال، وما لم تكن هذه الخبرة متوافرة، فإن كل طرف في الاتصال كمن يغني على ليلاه. ولعل أبسط مثال على أهمية الخبرة المشتركة أن "النكتة"، التي تجعل أحدهم يستلقي على قفاه من فرط الضحك، قد لا تجد من آخر حتى ابتسامة صفراء. ولا تمثل اللغة وحدها أساس هذه الخبرة، وإنما تؤثر الثقافة بكل مكوناتها والتعايش الاجتماعي بكل أبعاده، في إيجادها وتعميقها.

      وعملية التفاوض لا تتم إلا من خلال الاتصال، بل إن الاتصال المباشر من أهم أنواع الاتصال، الذي يتم في هذه العملية. ومن الأمثلة الشائعة على مستوى التعامل الدولي، الذي يؤكد أهمية الخبرة المشتركة في تحقيق التفاهم بين الأطراف، وأهمية فهم الخلفية الثقافية، التي ينطلق منها المفاوضون؛ ما أورده عالم اللغويات الإيطالي "أمبرتو إيكو " أنه عند تحليل الوثائق الخاصة بإلقاء القنبلة النووية على اليابان، قامت الولايات المتحدة، وقبل اتخاذ آخر الخطوات لتنفيذ عملية ضرب اليابان، بمحاولة للتأكد من إمكان استسلام اليابان، من دون الاستخدام القنبلة، وهنا استعانت الولايات المتحدة بالاتحاد السوفيتي؛ ليقوم بجس نبض اليابان بخصوص الاستسلام الكامل والنهائي. إلا أن رسالة اليابانيين، التي نقلها السوفييت اتسمت بظاهرة حوارية يابانية حيث تضمنت استخداماً متعدداً لأدوات النفي، مع أفعال التوقع والاستنكار والاستثناء، والتي فهم منها طرف الحوار الأمريكي رفض اليابان للاستسلام، بينما قصد الطرف الياباني من توظيف هذه الظاهرة الحوارية القبول بالاستسلام مع التفاوض، وليس الرفض".

ولعل صعود نجم اليابان مع تطورها اقتصاديا، دعا علماء الغرب إلى أن يعكفوا على دراسة المجتمع الياباني والتأثيرات الثقافية، التي تحكم سلوكه، وبخاصة أن هناك اختلافاً كبيراً بين الثقافة الغربية والثقافة اليابانية، كما أن الموازنة بين اليابان والبلاد الغربية يوضح اختلاف المنطلقات الثقافية، التي تنعكس في الإدارة وأساليب التفاوض، "فالإدارة في الشركة اليابانية تقوم أساساً على المشاركة في اتخاذ القرار، وينشأ عن هذا، أن سلطة اتخاذ القرار تتوزع على جماعات عمل كبيرة تنتشر رأسيا وأفقيا في التنظيم الياباني كما أن المسؤولية الجماعية أكثر تقديراً، بعكس الحال في التنظيم الغربي، الذي يحدد المسؤولية دائما عند شخص واحد".

  وهذا التقدير لروح العمل الجماعي، لا شك، ينعكس على أسلوب اتخاذ القرار، إذ يقتضي الوصول إلى قرار ما، إلى وقت قد يبدو طويلاً لمن لا يعرف طريقة تفكير اليابانيين، فيفسره على أنه نوع من التسويف والمماطلة، ومن ثم لا يستطيع أن يدخل معهم في عملية تفاوضية ناجحة.

 ولا تأتي أساليب التفاوض من فراغ، وإنما ترتكز على خلفيات ثقافية تكونت من خلال تراكم الخبرات والتجارب، فعلى سبيل المثال "يرجع كره اليابانيين للعقود التفصيلية إلى عوامل تاريخية واقتصادية ونفسية. فمن ناحية تاريخية، ظلت اليابان لقرون طويلة تقدس السلام في الهيكل الاجتماعي، مهما كان الثمن، وكانت القوانين السائدة تعاقب الشاكي والمشكو منه بنفس العقوبة، حتى يتعود الجميع على حل مشاكلهم، من دون إزعاج للهيكل الاجتماعي".

وتأثير البعد الثقافي في عملية التفاوض له جوانبه الكثيرة، عددها الخبراء، ونالت منهم قدراً كبيراً من الاهتمام، ومن ذلك، هل هدف التفاوض عقد أم علاقة؟ فالأمريكيون، على سبيل المثال، يفضلون الوصول إلى عقد يحدد الحقوق والواجبات، بينما العرب واليابانيون ينظرون إلى هدف المفاوضات، على أنه علاقة بين الجانبين في المقام الأول.

أما الجانب الثاني، الذي يبدو فيه تأثير البعد الثقافي، فيتمثل في السؤال التالي: موقف التفاوض:فوز /خسارة، أم فوز / فوز؟، وهو يعني هل الطرفان يريان ضرورة أن يكسب كل منهما من عملية التفاوض، أم أن أحدهما يريد أن يكسب كل شيء، ويجعل الآخر يخسر كل شيء، ومن ذلك أن الدول النامية ترى، في علاقتها مع الشركات الكبرى، أن أي مكسب للمستثمر هو خسارة للدولة، مما يجعلهم يركزون في المفاوضات على تحديد أرباح المستثمر، بدلا من اكتشاف كيف يمكن الحصول على أقصى حد من الفوائد من المشروع، لكل من المستثمر والدولة المضيفة.

ويبدو استخدام الألقاب والميل إلى الرسمية أو عدم استخدامها، من المؤثرات في سير العملية التفاوضية، فقد يكون استخدام الألقاب في ثقافة ما دليلاً على الاحترام، بينما يكون لدى أصحاب ثقافة أخرى تكلفاً، وسبباً في عدم التواصل الإيجابي. واحترام مثل هذه الشكليات من الأمور المهمة في التفاوض؛ تفادياً لسوء التفاهم، الذي ينشأ بين الأطراف، فعلى سبيل المثال يفضل الخليجيون استخدام الكنية، بينما يميل المصريون إلى استخدام الألقاب، أما السودانيون فلا يرون بأساً في التخاطب من غير ألقاب، بل يرون أن من الحميمية عدم استخدام اللقب.

وهناك من يفضل استخدام الاتصال المباشر والردود الواضحة في عملية الاتصال، كالألمان، ولكن، في ثقافة تقدر المجادلة، كالثقافة العربية، فإن الردود لا تأتي مباشرة، وبخاصة إذا كانت سلبية، وإنما سيكون هناك نوع من التلطف في إيصال المعلومة، وهذا بلا شك ناتج من تغليب العاطفة، ويبدو ذلك في عملية التفاوض ، حين بميل بعض الناس إلى إظهار عواطفهم في أثناء تلك العملية، بينما يميل آخرون إلى العقلانية في التعامل.

 ومن المؤثرات الثقافية في عملية التفاوض، مدى الاستعداد لتحمل المخاطر، إذ إن من يدخل في هذه العملية، عليه أن يدرك أن لها مخاطرها، وأنها لن تكون آمنة على طول الخط، ويختلف أهل الثقافات في إلقاء هذا اللوم على الآخرين، وهناك من يتنصل من هذه المسؤوليات، عند حدوث أي خطأ، ولا يأتي ذلك من فراغ، وإنما يتصل، أوثق صلة، بالبيئة الثقافية، التي تؤثر في تكوين الشخصية.

ويؤثر البعد الثقافي في الطريقة، التي تصاغ بها المعلومات المتعلقة بالمفاوضات في وسائل الإعلام المختلفة، إذ لا بد للرسالة الإعلامية أن تأخذ في الحسبان دلالات الكلمات المستخدمة بالنسبة إلى المستقبل، ولا بد لها أن تتميز بالدقة والوضوح والعقلانية، ويفضل استخدام الأرقام الإحصاءات، لما لها من مصداقية عالية، كما يفضل البعد عن المبالغة عند سرد الحقائق، وتقديم المعلومات بطريقة عقلانية هادئة.