الصين.. اكتتاب عام واقتصاد متحول

يكشف طرح البنك الزراعي في الصين للاكتتاب العام الشهير، عن تنامي الصلات المالية بين الصين والشرق الأوسط، ويعكس نضج الصين التي توسع من نطاق استراتيجيتها للنمو المحلي، وتؤكد أهمية آسيا في التعافي العالمي.

إنه رقم مذهل: 19.21 مليار دولار. بل ويمكن أن يفوق 22 مليار دولار عندما تهدأ الأوضاع. من الممكن أن يدخل طرح البنك الزراعي الصيني، في بورصتي شنغهاي وهونغ كونغ، للاكتتاب العام سجلات الأرقام القياسية بصفته أكبر اكتتاب عام في التاريخ. ليس في التاريخ الصيني فقط، بل وفي تاريخ العالم. إنها لحظة تحول، علامة تعجب في مسيرة الصين نحو اقتصاد السوق، بعيدا عن اشتراكية الدولة المدمرة التي تبناها (الزعيم الراحل) ماو تسي تونغ وأجيال من القادة الشيوعيين الصينيين. أيوجد إبراز أفضل لهذه اللحظة من وجود أكبر المصرفيين في العالم في بكين استعدادا لاكتتاب عام يطرحه بنك أسسه ماو من أجل المزارعين في المناطق الريفية الصينية؟ خرجت الصحف الاقتصادية اليومية العالمية معلنة أخبار هذا الاكتتاب العام على صفحاتها الأولى. واصطفت مؤسسات استثمارية عالمية كبرى، منها جهاز قطر للاستثمار والهيئة العامة للاستثمار في الكويت، من أجل شراء أسهم. وعندما طرحت الأسهم في السوق وكان أداؤها دون المستوى في اليوم الأول، أصبح هذا البنك الريفي الصغير حديث الخبراء الماليين العالميين. وبالطبع، لم يعد البنك الزراعي صغيرا. ومع أصول أكبر من إجمالي الناتج العام في الهند وعملاء يفوق عددهم جميع مواطني الولايات المتحدة، وملكية الحكومة الصينية وما يتضمنه ذلك من «الضمان الأمني»، ليس من المدهش أن يرى المقرضون إمكانية غير عادية في البنك الزراعي، على الرغم من أنه كان يعتبر أضعف البنوك الصينية الأربعة المملوكة للدولة. ويراه كثير من المستثمرين المؤسسيين وسيلة للعب دور في قصة نمو الصين على المدى البعيد. وإذا حقق البنك الزراعي هدفه في أن يطرح أكبر اكتتاب عام في التاريخ، فسيتخطى بذلك الحامل الحالي لهذا اللقب، وهو البنك الصناعي والتجاري الصيني، نعم كما ظننت. وقد حقق هذا الاكتتاب العام 21.9 مليار دولار عام 2006. يبدو أن ماو غير سعيد في قبره. وبغض النظر عن هذا الرقم الأخير، فإن الاكتتاب العام للبنك الزراعي حدث اقتصادي ومالي مهم يقدم أربعة دروس رئيسية مستفادة عن مستقبل آسيا والشرق الأوسط والاقتصاد العالمي على مستوى أكبر، وملحوظة تحذيرية واحدة بين قوسين عن صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط.   

1 - العلاقة بين غرب آسيا وشرقها أكبر مستثمرين في الاكتتاب العام للبنك الزراعي الصيني، هما جهاز قطر للاستثمار والهيئة العامة للاستثمار في الكويت. وقد اشترى جهاز قطر 2.8 مليار دولار بينما دخلت الهيئة الكويتية بمبلغ 800 مليون دولار. وكان أكبر المستثمرين في الاكتتاب العام الصيني الذي حطم الأرقام القياسية قبل ذلك أيضا من الشرق الأوسط. ويشير ذلك إلى اتجاه أعم؛ تنامي العلاقات التجارية والاقتصادية والاستراتيجية بين شرق وغرب آسيا. تتبادل دول الشرق الأوسط في غرب آسيا ودول شرق آسيا التجارة بقوة مع بعضها البعض، باستثمارات عبر حدود بعضها الآخر، لينتشر النمو في جميع أنحاء آسيا، وليقيموا علاقات تجارية واستراتيجية وثيقة. وفي العام الماضي، تخطت الصين الولايات المتحدة كأكبر مُصَدِر للشرق الأوسط. وإذا اطلعنا على لمحة مختصرة عن تجارة أكبر الأنظمة الاقتصادية في غرب آسيا - السعودية وإيران والإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي - سنرى ملفا تجاريا جغرافيا آسيويا على نحو متزايد. وتتجه أهم سلعة تقود الاقتصاد في الخليج (النفط) إلى شرق آسيا. وفي حالة قطر، ترجع الأموال الطائلة لجهاز قطر للاستثمار التي تسمح له بهذا الاستثمار الهائل في البنك الزراعي إلى المشتريات الآسيوية من الغاز الطبيعي القطري المُسال. أما بالنسبة لإيران، فقد كانت أزمتها الاقتصادية الملحوظة لتصبح أصعب، لو لم يكن هناك مشترون يابانيون وهنود، والأهم صينيون، للنفط. ويعتمد مستقبل قطاع النفط لديها بصورة كبيرة على شركات النفط الصينية الحكومية، وهي آخر الشركات الكبرى التي ترغب في الاستثمار في عمليات التنقيب والإنتاج الإيرانية.   بينما يرتبط أكبر اقتصاد في غرب آسيا، السعودية، بأكبر اقتصاد في شرق آسيا، الصين، بعلاقات أكثر قربا. عندما تولى عاهل السعودية الملك عبد الله بن عبد العزيز الحكم منذ خمسة أعوام تقريبا، لم تكن أول زيارة دولية يقوم بها إلى البيت الأبيض والحليفة القديمة الولايات المتحدة أو إلى دولة عربية شقيقة، ولكن إلى الصين والهند. ويتم تحويل قدر كبير من سعة التكرير الصينية من أجل الالتزام بمعايير النفط الخام السعودي، وتزيد المشاريع المشتركة بين شركة «أرامكو» السعودية وشركات الحكومة الصينية في البتروكيماويات ومعامل التكرير من تقارب النظامين الاقتصاديين العملاقين. ويدور الكثير من الحديث عن «طريق حرير» جديد يصل بين الشرق الأوسط وشرق آسيا. وأصبح هذا الاتجاه حقيقيا، وسيسهم بصورة كبيرة في النمو الإقليمي، بل والعالمي.   

2 - آسيا تحرك الجمود الاقتصادي العالمي أحيانا ما يشكو الرئيس الأميركي باراك أوباما من أن جزءا كبيرا من النمو الاقتصادي العالمي يقع على عاتق المستهلك الأميركي. ولكن إذا كان الاكتتاب العام للبنك الزراعي الصيني يقدم انعكاسا دقيقا، فإن آسيا تتولى مسؤولية نموها الاقتصادي. لقد جاءت جميع عمليات الاكتتاب العام المهمة في العام الماضي من آسيا، وتصل زيادة الطلب على السلع والبضائع الصناعية إلى أعلى مستوياتها في آسيا. وتشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن الصين أصبحت رسميا أكبر مستهلك للطاقة في العالم، متفوقة على الولايات المتحدة، ووصف كبير الاقتصاديين في وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول ذلك بأنه «عصر جديد في تاريخ الطاقة». صرح جوليان مايو، المتخصص في الشؤون الآسيوية في مجموعة «شارلمان كابيتال»، لصحيفة «وول ستريت»: «تظهر حقيقة أن الحكومة الصينية تستطيع بيع كمية كبيرة من الأسهم في بنك لا يعد أفضل البنوك لديها، وفي فترة السوق المتقلبة، كيفية انتقال عصا القيادة من الأسواق المتقدمة إلى الناشئة». هذا حقيقي بالفعل، ولكن يقع أهم تأثير لنمو الأسواق الناشئة في آسيا. ويؤيد تقرير صدر مؤخرا، النمو العالمي مع وجود آسيا في المقدمة مرة أخرى، مشيرا إلى استراتيجية حكومية يابانية محتملة لمساعدة أكبر شركاتها على زيادة أسهمها السوقية في الدول النامية.   

3 - توسع استراتيجية النمو الصينية أصبحت قصة النمو الصينية المذهلة على مدار العقدين الماضيين قصة عدد من المدن الساحلية الصينية، منها شنغهاي وقوانغتشو وداليان. وقد يساهم البنك الزراعي المعاد تنشيطه حديثا الذي يصل إلى المناطق الداخلية الصينية في صورة نمو أكثر توازنا في الصين، بدعم الاستقرار الاجتماعي وتعزيز الطلب على السلع الاستهلاكية والخدمات ونمو الطبقة الوسطى الصينية. وتشير مجموعة من التقارير الواردة من الصين في الأسبوعين الماضيين إلى أن المزيد من الصينيين يلتزمون القرب من منازلهم بحثا عن عمل، متوقفين عن السفر إلى السواحل، في الوقت الذي بدأ فيه المزيد من الشركات في إقامة مشروعاتها بعيدا عن المدن الصناعية الساحلية الباهظة نسبيا. وإذا كانت المناطق الداخلية في الصين تقترب من النجاح المذهل الذي حققته مناطقها الساحلية، فستصبح مضامين ذلك بالنسبة للنمو العالمي مدهشة أيضا.   

4 - باندا النفط الصينية والشرق الأوسط عندما يصل الأمر إلى الطلب على النفط والغاز، تصبح الصين مثل ثروتها القومية «الباندا»؛ التي يجب أن تأكل الخيزران طوال 16 إلى 18 ساعة يوميا حتى يمكنها البقاء. ومن المرجح أن مخططي الدولة الصينيين يشعرون بأن عليهم قضاء 16 إلى 18 ساعة يوميا لضمان أن لديهم إمدادات كافية من الطاقة لتلبية احتياجات اقتصادهم المتنامي. وهكذا، اندفع الصينيون الذين لا يصابون بالكلل إلى أسواق الطاقة في أفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط. ووفقا لوكالة الطاقة الدولية، فإن 92 في المائة من زيادة الطلب على إنتاج البترول حتى عام 2030 ستكون من دول غير أعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية. وتأتي 40 في المائة من هذه النسبة من الصين. وبذلك، ستزداد العلاقات الاستراتيجية المتنامية بين الصين ودول غرب آسيا المهمة المنتجة للنفط على مدار العقدين المقبلين. لننتظر نمو العلاقات بين الصين والعراق بصورة كبيرة حيث بدأت إمدادات النفط العراقي في تلبية إمكانياتها الكبيرة، وبدأت شركات النفط المملوكة للحكومة الصينية - وهي أكبر الفائزين في كعكة النفط فيما بعد الحرب في العراق - في تحقيق أرباح. ولننتظر أيضا تقوية الصين لوضعها كأهم شريك استراتيجي للسعودية في مجال طاقة.   (ملحوظة تحذيرية لصناديق الشرق الأوسط): يضع جهاز قطر للاستثمار رهانا كبيرا على البنك الزراعي. وتفوق حصته التي تبلغ قيمتها 2.8 مليار دولار جميع المستثمرين الآخرين. وتأتي أقرب جهة استثمار تالية له هيئة الاستثمار الكويتية، بحصة غير كبيرة قيمتها 800 مليون دولار. ويأتي في المركز الثالث ستاندرد تشارترد البريطاني بمبلغ 500 مليون دولار، وفي المركز الرابع رابوبانك الهولندي بمبلغ 250 مليون دولار. وفقا لمعهد صندوق الثروة السيادية، تبلغ قيمة أصول جهاز قطر للاستثمار 65 مليار دولار، مما يعني أن الجهاز يضع 4 في المائة من بيضه في سلة البنك الزراعي. ومن جانب آخر، يعتبر استثمار الكويت بمبلغ قدره 800 مليون دولار ضئيلا بالنسبة لصندوقها الذي تزيد قيمة أصوله على 200 مليار دولار. لقد اكتوت صناديق الثروة السيادية العربية بنار شرائها لأسهم في البنوك الأميركية أثناء الأزمة المالية، بل ولحقت بها أضرار بالغة جراء الاضطراب المالي العالمي. ولا يتعرض البنك الزراعي لخطر الإفلاس، ولكنه يعتبر أضعف البنوك الأربعة الكبرى في الصين، وهو حتى الآن «لعبة ممكنة» تجد دعما من الدولة. وحتى قبل بداية الاكتتاب المخيب للآمال والطلب الباهت عليه، كان هناك كثير من الشكوك. وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد ذكرت قبل بداية الاكتتاب بأسبوع أن «المشككين يقولون إن خدمة العملاء في البنك ما زالت ضعيفة وأن تفويضه الحكومي لخدمة المزارعين والفلاحين يجعله مخصصا لمنطقة منعزلة منخفضة النمو في الاقتصاد الصيني. ولكن يؤكد مسؤولو البنك على أن ثلث النشاط فقط يعتمد على المناطق الريفية». وفي الوقت ذاته، أشار عمود ليكس في «فايننشيال تايمز» أيضا، قبل طرح الاكتتاب، إلى أنه «ينبغي على البنوك الصينية أن تسدد ثمن أعوام من الإقراض الضخم»، و«استدعاء مزيد من القروض السيئة، بالإضافة إلى القيود على الإقراض». واختتم المقال بذكر أن «البنك الزراعي كان قادرا على تحقيق أكبر اكتتاب عام إلى حد ما بسبب الطلب من صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط. وقد تعرضت تلك الصناديق إلى ضربات قاسية في استثماراتها البنكية السابقة. وربما لا يكون هذا البنك، على الرغم من حجمه، مختلفا».   

* أفشين مولاوي - صحافي وكبير زملاء في مؤسسة نيو أميركا، وهو مركز أبحاث غير حزبي في واشنطن العاصمة. وتنشر مقالاته في عشرات من الإصدارات مثل «نيويورك تايمز»، و«ناشيونال جيوغرافيك»، و«فورن أفيرز». وهو مقيم بين الرياض وجدة ودبي وطهران.

كل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:almajallah