إضعاف الاقتصاد الإيراني بديل لفرض العقوبات

 

رانيا مكرم

 

 

يتراجع خيار فرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران كوسيلة للتعامل مع التعنت الذي تبديه في إدارة ملفها النووي، وإصرارها على مواصلة برنامجها النووي، في ظل ما تبديه من عدم اكتراث بالعقوبات المفروضة عليها بالفعل من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. واتخاذها إجراءات احترازية في هذا الإطار، والقائمة على الاعتماد على سياسة الاكتفاء الذاتي، والتكيف مع العقوبات، من خلال الترويج لفكرة الاقتصاد المغلق. إلى جانب ما تُحققه إيران من عائدات نفطية لاسيما في فترات ارتفاع أسعار هذه السلعة عالميًّا. وهو ما يدفع باتجاه التفكير في خيارات أخرى أفضل كبديل للعقوبات الاقتصادية. تلك الخيارات التي من شأنها إضعاف الاقتصاد الإيراني ذاتيًّا وفي حوار مع الخبير الاقتصادي "ديفيد صلاحي أصفهانيDjavad Salehi Isfahani" منشور على موقع "مجلس العلاقات الخارجية Council on Foreign Relations" بتاريخ 26 من مارس 2009، ناقش "أصفهاني" اقتراحًا جديدًا للتعامل مع إيران يتمثل في العمل على إضعاف الاقتصاد الإيراني من خلال مقاطعة صادرات النفط الإيراني، لاسيما في ظل اعتماد الاقتصاد الإيراني على هذه السلعة من ناحية، وما يعانيه هذا الاقتصاد من مشكلات هيكلية، من ناحية أخرى.

-عدم فاعلية العقوبات الاقتصادية السابقة :

أشار الحوار إلى أن العقوبات الاقتصادية على إيران بسبب طموحها النووي، وسلوكها المتعنت مع المجتمع الدولي الذي يدعوها إلى وقف برنامجها النووي كانت من الخيارات الأكثر جدية للتعامل مع إيران خلال السنوات الماضية لاسيما خلال فترة ولاية الرئيس السابق جورج دبليو بوش، حيث فُرضت ثلاث حزم من العقوبات على إيران من قبل الأمم المتحدة، إلى جانب العقوبات الأمريكية المنفردة، التي تحظر التعامل مع الشركات الإيرانية وتفرض عقوبات على المتعاملين معها، وتمنع استيراد السلع الإيرانية، تلك العقوبات طالت في مجملها شركات إيرانية وأشخاصًا إيرانيين منعتهم من السفرغير أن هذه العقوبات لم تؤثر في حد ذاتها بالشكل المطلوب والمتوقع منها على الصعيد الاقتصادي، حيث إن الشركات التي شملتها العقوبات هي في الأساس شركات تابعة لمؤسسات النظام ومدعومة ماليًّا من ناحيته، وتعمل معظمها في المجالات العسكرية، ولا تتعدد علاقتها الاقتصادية الخارجية، فيما عدا التعاون مع حلفاء إيران الذين لم يلتزموا بتنفيذ هذه العقوبات، الأمر الذي أوضح بمرور الوقت عدم فاعلية هذه العقوبات، واستهدافها الخاطئ لأهداف غير مناسبة، في وقت يمكن الاستفادة فيه من عديدٍ من نقاط الضعف السياسية والاقتصادية التي تعتري النظام الإيراني.

- ضعف الاقتصاد الإيراني حال قائم:

وفي هذا الإطار أوضح الحوار أن الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تعيشها إيران تعد فرصة مواتية لإتباع خيار إضعاف الاقتصاد الإيراني من خلال عدة خطوات من أهمها، مقاطعة الصادرات النفطية الإيرانية، حيث تتزايد معدلات التضخم والبطالة بشكل كبير في ظل السياسة الإنفاقية التي تتبعها الحكومة التاسعة منذ توليها الحكم في إيران عام 2005، الأمر الذي أدى إلى انتقاد السياسة الاقتصادية لهذه الحكومة، التي تسببت في امتصاص كل عائدات النفط المحققة خلال فترة ارتفاع أسعار النفط بشكل قياسي، بهدف تنفيذ بنود برنامج الرئيس "أحمدي نجاد" الاقتصادي الخاص بالتوزيع العادل للثروة النفطية، والتي تم من خلالها بالفعل توزيع العوائد النفطية على المواطنين دون ضخها في القطاعات الاقتصادية المختلفة وتتزايد فرص فاعلية خيار مقاطعة الصادرات النفطية، مع اعتماد الموازنة الإيرانية على العائدات النفطية في تمويل بنودها، حيث يشكل النفط ما يتجاوز 80% من الصادرات الحكومية، وحوالي 60% من الدخل القومي، في حين تتضاءل إسهامات القطاعات الاقتصادية الأخرى، وبالتالي فإن استهداف هذا القطاع بمزيد من العقوبات سيكون له عظيم الأثر على العائدات النفطية، حيث تجدر الإشارة إلى أن القطاع النفطي الإيراني يعاني من العقوبات الأمريكية التي تحظر الاستثمار في إيران. كان أهم تداعيات هذه العقوبات هو تدهور وتهالك البنية التحتية النفطية ونقص الاستثمارات اللازمة لتطويرها، واقتصار هذه الاستثمارات على الشركات الصغيرة التابعة للدول النامية. كما أن أغلب الدول المستوردة للنفط الإيراني ستخضع لتطبيق هذه العقوبة إذا ما فرضت بالفعل على إيران وفق توازنات ستحاول من خلالها البعد عن استعداء الولايات المتحدة والتوافق مع مواقف المجتمع الدولي ولعل تدهور بعض الصناعات الإيرانية وتراجع إسهاماتها في الاقتصاد الإيراني بسبب العقوبات المفروضة على الصادرات مثل صناعة المنسوجات، والسكر، أهم مؤشر على فاعلية مقاطعة الصادرات الإيرانية النفطية، إذ لم تكن تداعيات فرض عقوبات على صناعتي السكر والمنسوجات اقتصادية فقط، بل امتد أثرها اجتماعيًّا إلى المشتغلين في هذه الصناعات، لاسيما المزارعين المنتجين لمحصول شمندر السكر. وقد زاد من حدة أزمة المشتغلين في هذه الصناعات عدم اتخاذ الحكومة الإيرانية إجراءات من شأنها احتواء أزمة هؤلاء وتشغيلهم في صناعات أخرى جديدة وفي السياق ذاته أشارت مقالة بعنوان "أحمدي نجاد يعترف بتعثر الاقتصاد الإيراني Ahmadinejad admits Iran's economy faltering" نشرها موقع "السفارة المسيحية الدولية في القدس The International Christian Embassy Jerusalem" إلى أن انخفاض أسعار النفط بشكل كبير قد دفع الحكومة الإيرانية إلى الاعتراف بوجود تعثر في مسيرة الاقتصاد الإيراني، موضحة أن هذا التعثر إنما يستدعي ترشيد إنفاق الحكومة للعائدات النفطية، وإعادة النظر في الإعانات المالية الكبيرة التي تقدمها للمواطنين، وكذلك إعادة النظر في آليات رفع الضرائب العامة، وهو ما يراه الخبراء أحد أهم مسببات تراجع شعبية الحكومة التاسعة بعد عدم استطاعتها الوفاء بوعودها فيما يخص العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة النفطية على فئات الشعب الفقيرة، إلى جانب التداعيات التي سببها الانخفاض الحاد في أسعار هذه السلعة الاستراتيجية في زيادة معدلات التضخم والفقر والبطالة. وكل هذه العوامل تصب في خانة تشديد الخناق على الاقتصاد الإيراني من خلال عقوبات أكثر فاعلية.

- العقوبات الملائمة:

ويؤكد بدوره "ماثيو ليفيت "Matthew Levitt في مقالة له بعنوان "هل يمكن للعقوبات على إيران أن تكون فاعلة؟ Iran Sanctions: Can They Be Effective" نشرها "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى The Washington Institute for Near East Policy" على أنه في ظل إخفاق ثلاث عقوبات مفروضة على إيران من قبل الأمم المتحدة في تغيير سلوك إيران النووي وحثها على وقف تطوير وتشغيل برنامجها النووي، واستفزاز المجتمع الدولي بين الحين والآخر من خلال الإعلان عن إنجازات نووية وتركيب أجهزة للطرد المركزي، يتعين خطوات أخرى من شأنها الضغط على إيران اقتصاديًّا، لا تعتمد كسابقتها على معاقبة دبلوماسيين إيرانيين ومنعهم من السفر واستهداف شركات يشتبه في نشاطها العسكري، وإنما من خلال إجراءات مالية يمكن أن تزيد من الضغط السياسي الداخلي على النظام، والاستفادة من حركات المعارضة والانتقادات العنيفة الموجهة للحكومة فيما يخص سياساتها الاقتصادية وإدارتها للملف النووي، رغم الارتفاع السابق في أسعار النفط ولفترات طويلة ويشير في هذا الإطار ماثيو ليفيت إلى أن عديدًا من الخبراء الاقتصاديين يؤكدون على أن العقوبات المالية الشاملة على إيران سينتج بالضرورة عنها تباطؤ شديد في التنمية الاقتصادية في البلاد، لاسيما في ظل التباطؤ الحالي الذي طال عديدًا من القطاعات الاقتصادية المهمة في الدولة، وفي مقدمتها قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات، والبنوك التي شهدت تقلصًا في حجم أعمالها داخل وخارج إيران بسبب ما فرض عليها من عقوبات أمريكية وأوروبية، إلى جانب مشروعات البنى التحتية التي تشمل في أهم جزء منها الكهرباء وفي إطار صعوبة وليس استحالة الحصول على إجماع دولي في الأمم المتحدة لإقرار عقوبات على إيران بسبب رفض كل من روسيا والصين لمثل هذا الإجراء، يمكن الاعتماد في الفترة القادمة على العقوبات الأحادية الجانب والإقليمية لكن مع التركيز على القطاعات والفئات المستهدفة من هذه العقوبات، ومحاولة التغلب على الإجراءات الاحترازية التي تتخذها إيران في هذا الإطار، وذلك من خلال استهداف قطاعات تعتمد على التصدير للخارج بصورة أساسية، مثل قطاعات النفط والغاز والبتروكيماويات وإلى جانب العقوبات يقترح الكاتب ضرورة وجود الحوافز، والحفاظ على فاعلية استراتيجية الجزرة والعصا في مواجهة إيران. ففي مقابل التهديد بتشديد العقوبات يجب التحفيز بحزمة من الإغراءات المالية والاقتصادية التي من شأنها إخراج الاقتصاد الإيراني من عزلته الحالية المفروضة عليه ويمكن القول بأن السياسة الأمريكية التي تتبعها الإدارة الحالية في هذا الإطار قد جسدت هذه الاستراتيجية، وذلك من خلال تأكيد الرئيس أوباما على استعداده لفتح باب الحوار مع إيران، في الوقت الذي تشدد فيه وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون على فشل الجهود الدبلوماسية مع إيران إنما يعني فرض مزيد من العقوبات الاقتصادية عليها من قبل المجتمع الدولي بقيادة أمريكية، حيث يعد منع إيران من امتلاك أسلحة نووية أحد أهم أولويات الولايات المتحدة الأمريكية.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: taqrir.org