آراء: خطة لإنقاذ الاقتصاد العراقي

 

عبدالحسين الهنين

 

 

عملا بطبيعة الشخصية السياسية العراقية التي من صفاتها انها لا تستفيد من تجارب الماضي وان جميع المعالجات دائما تأتي ليست نتيجة تخطيط مسبق وانما عندما تمس النار اطراف ملابسنا او كما يقول المثل (عندما يقع الفأس بالراس) ومع ذلك نقول لابأس ان احس المسؤولون  بالخطر الأقتصادي الداهم نتيجة انخفاض اسعار النفط واعتماد الميزانية بشكل مطلق على ايرادات النفط، فقد لجأت الحكومة الى اعتماد الميزانية لسنة 2009 على ايردات النفط غير الكافية رغم التخفيض على الرقم الأول للميزانية فقد تم اعتمادها بعجز كبير سوف يتم سداده من الاموال العراقية المحفوظة من السنوات الماضية والتي يفترض ان تستخدم في التنمية (هناك بارقة امل لدى بعض اعضاء مجلس النواب في دفاعهم عن الأموال العراقية عند مناقشة الميزانية العامة للبلاد) وعليه سوف يتم استخدام 79% من اجمالي الميزانية لكي يتم انفاقها في الموازنة التشغلية و المتبقي بحدود 21% للموازنة الأستثمارية (كان الأمر مقلوبا في العهد الملكي)، واذا سلمنا بان الحكومة العراقية تمتلك العديد من الخبراء والمستشارين فان الامر لايمكن تفسيره الا مخدرا لكي تمضي هذه السنة الانتخابية وبعدها تحل الكارثة مع الحكومة القادمة (انني افترض واعتمادا على تقارير دولية معتمدة ان الازمة العالمية ستستمر واني افترض ايضا ان الحكومة القادمة سوف تسعى للنهوض بالأقتصاد العراقي مع استمرار تحدي انخفاض اسعار النفط العالمية المرافق لانخفاض الطلب العالمي مع عدم وجود سياسة عراقية نفطية واضحة بغياب قانون للنفط واجتهادات راديكالية للاخوة اصحاب الشعارات المستهلكة القديمة والتي للاسف تنفع في السياسة ولكنها تمثل كارثة على الاقتصاد اضافة لاصرار السيد وزير النفط الحالي على افكاره البعيدة عن الواقع (السيد الوزير يراهن على زيادة الانتاج العراقي من النفط وتراجع انتاج الدول المنتجة خارج اوبك بناء الى معطيات هي اقرب الى الاحلام منها الى الى الواقع) حيث لايمكن التثبت من رفع مستويات الانتاج الحالية بغياب الشركات العالمية الكبرى من ساحة الانتاج العراقي، اما مسألة ان سعر البرميل يصبح غير ذي جدوى امام تكلفة انتاج البرميل لدى اغلب الدول المنتجة خارج اوبك فان هذا الأمر ايضا بعيدا عن الواقع لان المستويات الحالية للاسعار هي مجدية وان تكلفة الانتاج سوف تنخفض ايضا في كساد عالمي لايمكن التنبؤ بنهايته، اضف الى ذلك تورط الحكومة العراقية (سياسيا) بمستوى عال للاجور في القطاع العام العاطل عن العمل بنسبة تفوق الـ 75% (حسب بيانات وزارة التخطيط العراقية)، والمضحك ان الشعب العراقي قد صوت لدستور يعتمد اقتصاد السوق الحر بينما تكافح الدولة من اجل تدمير القطاع الخاص من خلال التشريعات والسلوكيات المستمرة لكارتلات قد اختطفت الدولة العراقية.

يمكن تلخيص الخطوط العامة لخطة انقاذ مفترضة بالنقاط التالية:

1- اعادة النظر بالميزانية بشكل حازم اعتمادا على سعر نفط يتراوح مقداره بين 30 - 35دولارا للبرميل وان على وزارة المالية العراقية مراجعة الميزانية كل شهر وبشكل يضمن عدم اتساع العجز المالي وبما يتفق و حجم ايرادات الدولة وبشكل مهني بعيدا عن السياسة والدوافع الانتخابية ، مع الاحتفاظ المبالغ المحفوظة من الثروة المالية العراقية لكي تستخدم في (خطة انقاذ) للاقتصاد العراقي وفق نظرة عملية واقعية تتضمن خطة لانقاذ الزراعة وخطة طموح ذات سقف زمني للصناعة على ان تكون محصورة بالقطاع الخاص حصرا (الدولة تاجر مفلس وقد اثبتت التجارب العملية ذلك) مع البدء ببناء فعلي للبنى التحتية (مدن جديدة وشبكة طرق حديثة)، ان خطة الانقاذ المقترحة يجب ان تعد من اشخاص ليست لهم مصالح اقتصادية خاصة ضمن السرطان الاقتصادي الحالي.

2- تخفيض نسبة الفائدة بشكل كبير لتصل 2% او حتى الى 1% وعدم الخوف حتى من ايصالها الى الفائدة الصفرية مع ايجاد الضوابط الصارمة للاقراض لكي تستثمر الاموال في التنمية وليس كما يحصل حاليا حيث تقرض الدولة الاموال للكثيرين من المعارف اعتمادا على مجموعة الاوراق الثبوتية لمشروع وهمي وبالتالي استخدام الاموال لغايات الترف وغيرها مع توفر ثقافة عدم ارجاع الاموال اعتمادا على مبدأ (ان اموال الدولة سائبة ولايوجد من يطالب بها).

3- تعديل قانون الاستثمار وتسهيل شروط الاستثمار تحت مبدأ (المستثمر مؤسسة او شخص مرحب به وهو سفير مندوب فوق العادة مادام يبني ويوفر فرص عمل في العراق) واعادة النظر بهيئات الاستثمار التي تم تعيينها على اساس المحاصصة الحزبية سواء في المركز او في المحافظات.

4- مكاشفة الشعب بالواقع الأقتصادي وان معدل الاجور في القطاع العام الذي تورط به البرلمان غير ممكن التطبيق وان اعادة النظر بقانون الاجور (الذي يشكل الحمل الاكبر على الاقتصاد العراقي كونه غير منتج بل انه فاسد ماليا) لتصل الى حد اجمالي معقول يتناسب مع اجمالي معدل مبيعات النفط العراقي (مع ملاحظة وضع حدا للفقر لكي لاتسحق الطبقات الفقيرة اعتمادا على الدراسات العلمية المشابهة لاقليم الشرق الاوسط وليس من العيب من ان نستعير من دول سبقتنا احصائيا كالاردن). هذا الموضوع مهم جدا لان المعدل الحالي للاجور مع الترهل الهائل في مؤسسات الدولة سوف لا يسمح او يشجع الاستثمار فـــي جميع القطاعات الانتاجية المعتمدة علــى الربـــح بشكل اســاس.

5- الغاء البطاقة التموينية وتوزيع مبالغ نقدية للطبقات الفقيرة فقط يجب ان ترفعهم فوق خط الفقر (يكفي تضليل الشعب بفوائد وهمية للبطاقة التموينية واستخدامها بالمزايدات الانتخابية وتصوير وجودها من عدمه كقضية موت او حياة) لأن الغاءها سوف يوفر فرص عمل في القطاع الخاص وسوف يحرك عجلة الاقتصاد على المستويات الزراعية والصناعية والتجارية ويوفر ماقيمته مليارات الدولارات من الهدر على الفساد ضمن اليات شراء المواد الغذائية المعقدة (البطاقة كانت بسبب الحظر النفطي على النظام السابق فليس من المعقول ان تبقى بعد ان زال النظام وتم رفع الحظر بشكل كامل على العراق وارتفعت موازنة الــدولة الـــى عشــــرة اضعــاف المـــوازنة قـبل 2003.

6- اعادة النظر بالسياسة النقدية للبنك المركزي، حيث ان السياسة المتشددة الحالية لاتتفق مع اقتصاد السوق الحر ولاتتفق تماما مع مايجري في العالم ومن الغريب جدا ان الدولة العراقية تصدر سلعة واحدة هي النفط بالدولار الاميركي بينما تتآمر على الدولار الذي يسجل ارتفاعا كبيرا في العالم الا في العراق بفعل مزاد البنك المسيطر عليه لسبب مجهول. بينما نجد دول العالم (الصين مثلا) تكافح من اجل تثبيت(يوان) منخفض امام الدولار الأميركي (العرض والطلب هو افضل الخيارات للعملة العراقية دون تدخل الدولة وهي من بديهيات اقتصاد السوق الحر) وهنا لابد من التحذير من ان الطريقة التي يعمل بها البنك المركزي كانت ولازالت السبب في تهريب الثروة العراقية الى الخارج (تصريحات وزير التخطيط العراقي)..

7- اعتماد مبدأ التخطيط والتخطيط الستراتيجي لكل مفاصل الاقتصاد العراقي وتقليص عدد الوزارت العراقية وذلك بالغاء جميع الوزارات الوهمية التي بنيت على اسس الترضيات المرتبطة بالمحاصصة السياسية والطائفية ان غياب اي فعل عقلاني يلوح في الافق للدولة العراقية دفعنا ان نتجرأ ونكتب في موضوع يدعي البعض احقيته فيه ولكننا كمواطنين اولا من حقنا ان نتساءل الى اية كارثة ستقودنا الاعداد الهائلة من الاخوة الخبراء؟؟ لاننا (المواطنون) سنواجه النتائج وحدنا وأود ان اذكر ان خبراء الحكومة كانوا قد اطلقوا التصريحات الرنانة بان العراق سوف لا يتأثر بالأزمة المالية (وهم مخطئون طبعا)، اليس من حقنا ان نشكك بقدرات هؤلاء الذين يديرون دفة الأقتصاد بعد ان تأكد لنا انهم لايميزون بين الاسود والابيض.الواقع يقول انهم استدرجوا لهكذا تصريحات بعد الحملة الايحائية للاعلام الاميركي الذي صور ارتفاع سوق الاسهم العراقية (البسيطة قياسا بالاسواق العالمية) بينما كانت الاسواق العالمية تشهد انهيارا تاريخيا إن القول بعدم وجود سياسة اقتصادية في العراق امر لا مفر منه بل يمكن القول بعدم وجود خطط طارئة في حال حصول نكبة اقتصادية وهي من الأمور التي باتت محتملة جدا وبناء على جاء في ما تقدم فانه يجب التقدم وبجرأة لانجاز خطة لانقاذ الاقتصاد العراقي وأن يحول الأمر إلى ذوي الخبرة بعيدا عن الالقاب العلمية الزائفة وما اكثرهم من المسلكيين (الحافظين) الذين أصبحوا كبار المستشارين لدى الحكومة، وعلينا ان نصارح الشعب باللسعات التي سوف تحدثها المعالجات الضرورية والحتمية الواجبة التنفيذ وفورا وان التخدير والتأخير سيفاقم الوضع نحو كارثة يمكن ان تنسف وجود الدولة العراقية باسرها وان اي علاج لاي مرض هو مر عند تناوله وربما مؤلم جدا لكن امر تناوله لا مفر منه من اجل الشفاء.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: الصباح - 14-6-2009