في العراق : ضعف الأداء الاقتصادي مسؤولية من؟

  

 

د.  كمال البصري

 

تسعى الدراسة لمراجعة الاداء الاقتصادي للفترة من 2005 - 2008 . من خلال مراجعة المؤشرات التالية: نسب التنفيذ في المشاريع الاستثمارية، ونسب تضخم الاسعار، والفقر والبطالة واخيرا مؤشرات الناتج المحلي الاجمالي. فمن خلال ذلك نستنتج انه بالرغم من التحسن النسبي هناك ضعف ووهن في الاداء الاقتصادي  لاسباب مختلفة منها اولا: ما أفرزته الحالة السياسية من تكريس للمحاصصة التي ابعدت فيها الكفاءات الفنية عن مواقع اتخاذ القرارات وتأخير اصدار التشريعات الضرورية، وثانيا: ضعف البيئة الاجتماعية الساندة او بيئة سيادة القانون. ان المشكلة هي ليست مشكلة الفقر في الثروات، بل الافتقار في  استغلال الثروات ونستنتج ان متطلبات الاصلاح الاقتصادي هي وجود مجلس اقتصادي يتحلى بكفاءات فنية متقدمة لدراسة التحديات ووضع الحلول الموضوعية، وانه لا بد من العمل الدؤوب لتطوير الحالة السياسية لما لها من انعكاسات على الاداء الاقتصادي (اذ ان الحالة السائدة قد استنفذت اغراضها).

اولا: المقدمة:المؤشرات الاقتصادية :

سوف نقتصر على المؤشرات الاقتصادية التالية: التضخم، والفقر، البطالة، ومؤشرات الناتج المحلي الاجمالي:

1) مؤشرات تضخم الاسعار لقد شهد الاقتصاد العراقي منذ 2003  تعطل في كثير من المرافق الاقتصادية، وزيادة مضطردة في زيادة الاسعار، ما ادى تضخم الاسعار الى ارتفاع كلفة معيشة المواطنين وكلفة الانتاج على السواء، ويشمل معظم السلع والخدمات الموجودة في الاقتصاد اذ ارتفع الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك خلال الاعوام 2003 و 2004 و 2005 و 2006 بمعدل 33.6% و 26.9 %و 36.9% و 53% على التوالي.  الا ان بعد عام  2007 بدأت الاسعار القياسية بالهبوط الى ان وصلت عام 2008 (3.7%) ان سبب انخفاض التصخم خلال 2008 بصورة اساسية يعود الى توفير المشتقات النفطية واستخدام البطاقة الوقودية وتحسن الحـــالة الامنية.

2) مؤشرات الفقر والبطالة :

في التقرير الاخير لوزارة التخطيط عن "خط الفقر وملامح الفقر في العراق"  (اذار 2009 )، ورد فيه ان الافراد الذين يقعون تحت خط الفقر (نسبة الافراد الذين لايستطيعون تأمين حاجاتهم الاساسية الغذائية وغير الغذائية)، تساوي 23%. وان  الزيادة الضرورية في الانفاق الفردي للخروج من مستوى الفقر حيث وجدت تعادل 4.5 %،  (وهي نسبة ضئيلة وتؤكد ان اية سياسة من شأنها المساعدة في زيادة الانفاق الفردي  تؤدي الى خروج نسبة عالية من الفقراء من حالة  الفقر). في عام  2003 أظهرتها نتائج مسوح ميزانية الأسرة (الجهاز المركزي للاحصاء)،  بأن نسبة الأسر التي تعاني من الفقر المدقع بلغ 11%  (وهي الحالة التي لا يستطيع فيها الانسان خلال دخله الوصول الى اشباع حاجاته الغذائية لتأمين عدد معين من السعرات الحرارية التي تمكنه من مواصلة حياته عند حدود معينة)، والنسبة التي تعاني من الفقر المطلق 43% (هي الحالة التي لا يستطيع فيها الانسان التصرف بدخله والوصول الى اشباع حاجاته الاساسية المتمثلة بالغذاء والرعاية الصحية والتعليم والسكن الملائم وغيرها من الخدمات). هذا يعني بأن أكثر من نصف السكان يعانون من نقص الاحتياجات الأساسية اما معدل البطالة، فقد بلغ لكلا الجنسين (15.34) سنة 2008 محققاً انخفاضاً قدره (12.3%) مقارنة بسنة 2006 والذي بلغ فيها (17.5%) . اما على مستوى الجنس فقد كانت البطالة بين الإناث (%19.64) سنة 2008  وهي أعلى من البطالة بين الذكور والتي بلغت (14.33 %)  وفي دراسة اخرى لاحدى مؤسسات الامم المتحدة، تشير الى البطالة وتوزيع القوى العاملة بالشكل التالي:

3):مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي :

وهو عبارة عن مجموع قيم السلع النهائية والخدمات التي ينتجها الاقتصاد خلال فترة زمنية معينة، تكون عادة سنة واحدة. وفقا للتقديرات الاولية  لوزارة التخطيط، فقد بلغت نسبة الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي لسنة 2008 بالنسبة الى عام 2007 وبالاسعار الثابتة (10.7%). وفيما يخص مساهمة القطاعات الاقتصادي.( انظر الجدول رقم  3)

من الجدول اعلاه تتضح نسبة مساهمة القطاعات الاقتصادية المختلفة في الناتج المحلي الاجمالي للمدة (1965 - 2008). ويلاحظ تدهور مساهمة الزراعة بشكل مستمر، حيث انخفضت نسبة مساهمتها من 18% في 1965 الى 3.5 % في 2008 . كما انخفضت نسبة مساهمة الصناعة من 8% الى 1.5 (لنفس الفترة). اما قطاع النفط فعلى الرغم من تعاظم نسبة الزيادة لتبلغ 56.0% في عام 2008، الا ان هذه الزيادة جاءت بسبب تقهقر مساهمة القطاعات الاقتصادية الاخرى وارتفاع  في اسعار النفط غير ان واقع الحال يشير الى هبوط معدل الانتاج من 3.5 مليون برميل يومياً في عام 1979  الى  2.00 مليون برميل يوميا في عامً 2008 .

4) تنفيذ المشاريع الاستثمارية الحكومية:

 تتلخص سياسة الاعمار: بالتركيز على اولوية تشييد القطاعات الارتكازية (كالكهرباء والاتصالات والصحة ... الخ.  ولاجل معالجة المشكلة الاقتصادية، تخصص الحكومة سنويا نسبة من الايرادات النفطية لاغراض الاستثمار في مشاريع الخدمات وبعض المشاريع الانتاجية. لاشك ان مشاريع اعادة الاعمار تساهم في بناء دعائم التطور الاقتصادي، ورفع مستوى معيشة المواطنين. حيث بلغت التخصيصات الاستثمارية ونسب التنفيذ لعام 2005 -2008  على الشكل التالي. ( انظر الجدول رقم 4) نلاحظ من خلال المؤشرات أعلاها، ان هناك تفاوتاً في القدرة على صرف التخصيصات الاستثمارية بين اجهزة الدولة، وان هناك  تحسناً عاماً في نسب تنفيذ الموازنة الاستثمارية من 63% في  عام 2007 الى 67% في 2008  (وهو معدل يفوق معدل التنفيذ في عام2006) ان الاستمرار على عدم القدرة على التنفيذ (الصرف) يعني استمرار حالة الفقر وحرمان المواطن من الحصول على فرص العمل، وضعف تقديم الخدمات الاساسية (كالكهرباء، والبلدية، والطرق، والاتصالات... الخ).  في عام 2007 قامت الحكومة بدراسة حالة ضعف نسب التنفيذ، وأقدمت على اجراءات من شأنها تسهيل التعاقد وفتح الاعتمادات.  وكان من المتوقع ان ترتفع نسبة الاداء باكثر، الامر الذي يدعو الى مراجعة الأمر مرة اخرى.

ثانيا: عوامل ضعف الاداء الاقتصادي

1) العوامل الخاصة بالمؤسسات الحكومية :

لغرض معرفة اسباب ضعف نسب الاداء، تم الشروع بدراسة تتضمن إعداد استبيان للوزارات يشمل مقاولات التنفيذ ومقاولات التجهيز المحلي والخارجي (للاعوام 2007 و 2008 ) وشمل الاستبيان العمليات المتعلقة بالاعلان والاحالة والتعاقد وصولاً الى التنفيذ.  وبعد استلام الاجابات تم تحليلها ووجد بالنسبة الى عقود التنفيذ ان  91.30% من الوزارات تعتقد ان التأخر في تهيئة الموقع للبدء بالعمل هو سبب ضعف التنفيذ،اما بالنسبة لعقود التجهيز فقد وجد ان  78% من الوزارات تشكو من  عدم وجود وضوح في المواصفات الفنية او النقص فيها،  وهكذا بالنسبة الي بقية العوامل، ان نتائج التحليل اعلاه يمكن تصنيفها الى:

المجموعة الاولى: عوامل خارجية: تتمثل بتأثيرات الظروف الامنية، وطريقة عمل المؤسسات الرقابية، وغياب البنى التحتية.

المجموعة الثانية: عوامل داخلية: تتضمن ضعف كفاءة الاداء داخل دوائر الدولة، وغياب دراسات الجدوى الاقتصادية، وضعف كفاءة ادارة التعاقد، وعدم وجود الشخص المناسب في الموقع المناسب.

المجموعة الثالثة: عوامل التنسيق بين دوائر الدولة: وتشمل ضعف التعاون بين اجهزة الدولة المختلفة، فيما يتعلق  بقرارات اطلاق الصرف (وزارة التخطيط)، وصرف التخصيصات الحكومية(وزارة المالية) وفتح الاعتمادات(البنك المركزي والمصرف التجاري العراقي).

ان العوامل الداخلية تشير الى عدم ممارسة العاملين لادوارهم بالكفاءة المطلوبة. وان ضعف التنفيذ يمكن ان يفسر تارة بالتقصير: الذي يستلزم ايجاد الحوافز الضرورية(المعنوية والمادية)، وتارة اخرى بالقصور: والذي يتطلب تدريب وتأهيل ووضع الشخص المناسب في الموقع المناسب ان موضوع مشكلة غياب الشعور بالمسؤولية، يتجسد باعتقاد موظفو المؤسسات ان دورهم ينتهي بمجرد ابرام التعاقد مع المقاولين. في حين ان دورهم يستلزم ضرورة قيام مشاركة حقيقية بين المتعاقد والمنفذ. وعليه يجب النظر الى المنفذ بانه جهة متحالفة تساعد على تحقيق اهداف الجهة المتعاقدة التي يجب ان ترعى حسن اداء المنفذ وتمكنه بكل ما تستطيع من قوةان الحالة المثلى التي يكون فيها المنفذ متفرغا للتنفيذ دون انشغالات جانبية، وعند ذلك يتحول العقد الى عقد شبه تضامني او عقد شراكة، وبموجبه يتم تدارس الصعوبات والتحديات التي ستواجه المنفذ. وعندها تتحول تحديات المنفذ الى مشكلات حقيقة للجهة المتعاقدة.لا شك ان دراسة نسبة الاداء بالاعتماد على الصرف لا تستوفي الشروط الموضوعية، ولكن في حالة غياب المعلومات الضرورية تكون نسب الصرف لابد منها. ان تطوير نسب الاداء يتطلب (كما هو الحال في دول العالم دون استثناء) اتخاذ اجراءات سريعة منها تأهيل العاملين على ادارة العمل اوالمشاريع (Project Planning ) وعلى ان يكون من ثمار هذا التدريب ان تصدر كل دائرة أو وزارة وثيقة تتعهد بموجبها باداء عملها (تجاه المواطن أوالدوائر الاخرى) ضمن اطار زمني محدد ( Team Charter ) .

2)تأثير البيئة الاجتماعية والسياسية :

أفرزت السياسات السابقة في العهد الدكتاتوري ممارسات عند الافراد بعيدة كل البعد عن الشعور بالمواطنة.  فبدلا من حماية حقوق الفرد كانت ممارسات الحكومة في واقع الحال سببا مباشرا في هدر تلك الحقوق وقد ولدت حقدا  جعلته يثأر من الدولة وممتلكاتها بعيدا عن الشعور بالمواطنة.لا شك ان المواطنة تنمو وتترعرع عندما تكون الدولة عادلة في توزيع الثروات وحامية لحقوق الفرد. وتلعب التربية والتعليم والاديان والافكار الاجتماعية دور في تنمية تلك المشاعر، والتي يعبر عنها المواطن باشكال مختلفة من العمل الطوعي، والحرص على دفع الضرائب، والمشاركة في الانتخابات، وحماية الحق العام ... الخ ان الممارسات السياسية التي تمخضت بعد الاحتلال الاميركي للعراق، عززت الولاء لابناء العشيرة والطائفة والاقليم (على حساب الوطن الام)، واصبحت الاهداف والتطلعات للمواطن ذات طابع فردي ومحلي غير منسجمة مع الصالح العام.لدى المقارنة بين الدول الغنية والفقيرة للوقوف على عوامل الرخاء، لا نجد للعمق التاريخي، ولا لتوفر الموارد الاقتصادية، ولا لنوع الديانة، أو لون البشرة تأثيرا يذكر،  بل نجد الدول الغنية تتصف بشكل عام: باحترام المواطن للقانون، والرغبة بالعمل الطوعي، وبالاداء الامين للاعمال، وبالقبول بالطرف الاخر، وبالايمان بالقيم الانسانية ... الخ.  وفي دراسة علمية اعدها اين وكر ( Ian walker ) رئيس معهد فريزر الكندي (Fraser Institute) تهدف الى تفسير الرخاء الاقتصادي في بعض الدول (شملت الدراسة 135 دولة)، وجد أن تطبيق متطلبات الاصلاحات الاقتصادية عامل مهم، ولكن العامل الاكثر اهمية هو تطبيق سيادة القانون. ان سيادة القانون تعني احترام المواطن للقوانين والتعليمات العامة، وان هناك نوعا من التوافق بين الصالح العام والخاص. ويتعزز القول عندما نراجع تجربة الاصلاح المتقهقرة في روسيا وبعض دول اميركا اللاتينية بسب غياب الاسس الضرورية لسيادة القانون. وفي البوسنة أدى التعدد العرقي والولاء له وغياب الشعور بالانتماء للوطن الواحد الى فشل كثير من الجهود الاصلاحية كما ان الحالة الاقتصادية المتطورة في "دبي" لم تكن لتتحقق دون توفر التشريعات القانونية المناسبة واحترام سيادة القانون، فلم يكن التطور نتيجة لسخاء الطبيعة ولا للطبيعة المتميزة للانسان الاماراتي. بل ان المواطنة الصالحة هي العامل المفسر للتطور والرقي.

ثالثا: من متطلبات الاصلاح الاقتصادي

في مجال الجراحة، لايستطيع الطبيب المتمرس ان يضمن نجاح زرع الاعضاء(كالكلية) اذا لم يضمن انسجام العضو الجديد مع فسيولوجية جسم المريض، وفي الكيمياء لايمكن ضمان نتائج التفاعل الكيمياوي دون ضمان شروط بيئة التفاعل. وبنفس القول: ان تطبيق سياسة الاصلاح الاقتصادي لايمكن ضمان نتائجها، اذا لم نعمل على تهيئة الجانب السياسي والاجتماعي الساند لنشر سيادة القانون وضمان تفاعل المواطن الايجابي لذلك فان استكمال متطلبات العملية السياسية والاهتمام بالتربية والتعليم، وتطوير عمل المؤسسات الدينية  ومؤسسات المجتمع المدني في نشر "مبادئ العقد الاجتماعي"، ستؤدي الى تعزيز المواطنة الصالحة. تلك المواطنة التي اعادت لالمانيا الغربية المدمـّرة الحياة (بعد الحرب العالمية الثانية). ان الدولة العراقية احوج في هذه الظروف إلى تطوير البرامج الداعمة للمواطنة.  فلا امن يتحقق ولا استقرار سياسي ولا تطور اقتصادي يرتجى دون مواطنة صالحة. من الاجراءات المطلوبة هو ان تتبنى الحكومة:

1- استكمال متطلبات المشاركة السياسية، اذ إن ممارسة العدالة في نهج الدولة والحكومة شرط ضروري لخلق اجواء المواطنة الصالحة. أن المحاباة والمحاصصة حزبية كانت أم طائفية، هما تغييب للكفاءة والعدالة.

ان المشاركة السياسية لا تعني تقاسم الوظائف التنفيذية، بل المشاركة في اتخاذ القرارات (من خلال المجالس التشريعية المختلفة، ومن خلال حرية العمل السياسي والعمل بمؤسسات المجتمع المدني).

2- العمل على رفع درجة الثقافة العامة من خلال اعطاء التعليم اهمية قصوى في تخصيصات الموازنة لما له من مردودات كبيرة في تحقيق سيادة القانون وسد الفجوة العلمية والتقنية بين العراق وغيره من بلدان العالم. لقد كان اهتمام دولة الهند بالتعليم له دور كبير في استقطاب الاستثمارات وخلق التطور الاقتصادي المشهود. ومن الضروري العمل على  وضع الحوافز المادية لانخراط المواطنين بالتعليم ابتداء من التعليم الابتدائي.

3- وضع التخصيصات المالية لدعم مؤسسات المجتمع المدني التي تتطوع في تعميق الممارسات التي تصب في تنمية المواطنة الصالحة، على ان تصرف ضمن الضوابط القانونية ويشمل هذا المقترح تطوير عمل الجمعيات والمؤسسات الدينية في مجال تعزيز المواطنة الصالحة واحترام سيادة القانون ونبذ الخطاب الذي لايصب في خدمة التنوع العراقي وتحريم الممارسات التي فيها تجاوزات على الصالح العام. ان التقدم المتميز الذي تشهدة الصين(ومن قبلها اليابان) هـــو من ثمــار وجــود البيئة الاجتماعيــة الســـائدة.

4- قيام الحكومة سنويا بتكريم الموظفين والعاملين المبدعين، والاشخاص (او العشائر او المؤسسات الدينية او منظمات المجتمع المدني) الذين لهم دور طوعي في بناء المواطنة الصالحة او في إقامة المشاريع الخيرية المتميزة.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: الصباح - 14-6-2009