كبير بقدر ما تكون

 

ثريا الشهري

 

 

في بيت ريفي بإنكلترا كانت عقارب الساعة تشير إلى الرابعة من صباح اليوم الخامس من شهر حزيران (يونيو) 1944 إنه التاريخ الذي قرر فيه الجنرال «أيزنهاور» (رئيس الولايات المتحدة لاحقاً) غزو أوروبا في اليوم التالي بعد تشاوره مع رؤساء القوات الجوية والبحرية والبرية وخبراء الأرصاد، فقبل ذلك التوقيت بيومين كان الجنرال قد أصدر أمره بالشروع في الغزو، ولكن تبدُّل الطقس اضطره إلى التأجيل، حتى إذا ما بدت بوادر التحسن تظهر أصدر قراره المصيري بالتحرك، خشية أن تضعف المماطلة الروح المعنوية العالية للجيوش المتأهبة...» أمام هذه العوامل لا يسعنا إلا أن نسير لتنفيذ خطتنا» إنها العبارة الهادئة التي نطقها الجنرال بلا زهو أو خيلاء بعد درسه للحقائق والموازنة بينها، ليسيّر بها أعظم حملة برمائية عرفتها مسيرة الحروب الطويلة، فمن كان يظن أن أيزنهاور الذي اعتاد على غسل الأطباق وحلب الأبقار وهو فتى يافع في ولاية كنساس الأميركية يستطيع أن يترك للتاريخ أثراً قوياً كالذي خلف؟! لقد ألقي على كاهل الجنرال أن يكون الرئيس الأعلى لجميع قوات الجبهة الغربية المتحدة، بما فيها المشاة والمدفعية وسلاح المهندسين والبحرية وقاذفات القنابل، وبهذه الأوضاع كان عليه أن يقود جيشاً هو أعظم بكثير من جيوش نابليون ويوليوس قيصر وهانيبال وشارلمان مجتمعة، كما كان مسؤولاً في الوقت ذاته عن قيادة أسطول هو أضخم من كل أساطيل نلسون وهوكنز ودريك وجون بول جونس والأدميرال ديوي متحدة، أضف إلى عاتقه قيادة أكبر قوة جوية يحلم بها قائد.

كلمة أخيرة: كان السير «إدموند هيلاري» النيوزيلندي المستكشف أول من تسلق قمة «إفرست» عام 1953، ولكن الرجل لم يصل إلى مبتغاه من أول مرة، وإنما كان مشروعه الذي استعد له، مثله في ذلك مثل الجنرال أيزنهاور الذي تسلم مقاليد مسؤولياته الجسام بهدوء الواثق بفضل سنين التدريب الطويلة التي سبقتها، واستعداده الكامل للتفاصيل، غير الإحاطة الشاملة بكل فنون الحرب ومعدات القتال، وكذلك السير هيلاري الذي أخفق في بدايته، ومع ذلك منحته الحكومة الإنكليزية أرفع أوسمتها، فاستُدعي للمثول أمام البرلمان، وفيما هو يدخل قاعته لتكريمه ووقوف الجميع للتصفيق له، توجه نحو صدر القاعة إلى حيث الصورة العملاقة لقمة إفرست، فوقف أمامها مباشرة ثم لوّح بقبضته وقال قولته الشهيرة: «قمة إفرست...

تغلبتِ عليّ هذه المرة، ولكنني سأهزمك في المرة المقبلة، لأنك قد بلغت أقصاك، أما أنا فلم أبلغ نهايتي بعد... أنا كبير بقدر ما سأكون»، وهذا ما كان، فقد نجح الرجل في محاولته الأخرى متحدياً بها الارتفاع الشاهق وانخفاض الضغط وبرودة الجو ومخاطر الانهيارات الجليدية، فاستحق وبجدارة تكريم حكومته النيوزيلندية له، غير طباعة صورته على الأوراق النقدية وتسمية بعض الشوارع والمدارس باسمه وقالوا: «في الأخطار العظيمة تظهر الشجاعة العظيمة» رونييه.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: daralhayat.com