أسباب الأزمة كثيرة

 

علي بن طلال الجهني

 

 

قال لي رجل كبير ذكي متابع، أكبر مني قدراً بالتأكيد وأكبر مني سناً بالترجيح، بأنني قلت، وفي هذا الحيز، يوم الثلثاء الماضي (3-3-2009)، إن الأزمة المالية التي بدأت في صيف 2007، وتحوّلت إلى كارثة اقتصادية شملت جميع القطاعات وأثّرت سلباً بدرجات مختلفة في جميع أجزاء المعمورة، تعود إلى سبب واحد هو «الرهون العقارية» وما قاله الرجل الكبير المتابع (بمعنى متابعة الشأن الاقتصادي عامة ومتابعة ما كتبت في هذا الشأن منذ عقود) إجمالاً صحيح. فهذه كارثة اقتصادية حقيقية لا بد من اجتماع أسباب عدة حتى تصل إلى ما وصلت إليه والى ما قد تصل إليه قبل نهاية 2009 ومن هذه الأسباب التي تضافرت وعضد بعضُها بعضاً لتعميق وشمولية هذا التراجع الاقتصادي المتصاعد ما يلي:

أولاً: طمس جذور القروض. ولا بدّ لأي اقتصاد حديث من أسواق مالية لمنح القروض سواء لتمويل الاستثمار أم تمويل الاستهلاك. والذي حصل، أن القروض المختلفة الجودة (بمعنى قدرة المقترضين على الوفاء) والأغراض (بمعنى تمويل الاستهلاك كالبطاقات الائتمانية أو الاستثمار كإنشاء مصنع أو توسيعه أو إنشاء شركة لتقديم خدمة مطلوبة أو شراء المساكن وغيرها) ومكان إنشائها، وتاريخ الوفاء ووسائل الوفاء، ثم خلطها وترقيعها وإلصاقها، ثم إنشاء سندات (أدوات تمويل) باسم الشركة التي تولّت شراء القروض من المقرضين الأصليين وخلطت ورقعت وألصقت، حتى صار المتداولون في هذه السندات لا يعرفون شيئاً عن الجذور التي اسْتُخرجتْ منها هذه السندات وأهم بيوت الاستثمار المالي شبه المسيطرة على سوق شراء القروض وخلطها وترقيعها وإنشاء سندات يمكن تداولها من هذا الخليط الملون العجيب، هي «سلومن برذرز» التي اشترتها منذ بضع عشرة سنة مجموعة «سيتي بنك» المهم أن من يبيعون ويشترون السندات لتمويل النشاطات الاقتصادية أو التجارية الموقتة كما يفعل الكثيرون من السماسرة المتخصصين في بيع وشراء كل الأدوات المالية بما فيها السندات، لا يعرفون عن هذه السندات إلا أنها مصدرة باسم شركات معروفة لها درجة كبيرة من الموثوقية.

ثانياً: بروز عدد متزايد مما يسمى «صناديق التحوط» التي تخصصت في شراء أدوات مالية مستحدثة تسمى «المشتقات». وهي أدوات مشتقة من السندات، التي بدورها تم توليدها من خليط من ديون مختلفة الأغراض والجودة وتاريخ الوفاء. وتدريجياً صارت المنشآت المالية التي تنشئ أو تشتري سندات من الخليط الملون تشتق من هذه السندات مشتقات قد يمثل كل دولار من قيمتها أقل من خمسة سنتات من كل دولار من قيمة السندات لبيعها على منشآت «صناديق التحوط» أو لرهنها عند آخرين للحصول على قروض ولذلك شكلت «المشتقات» جزءاً مهماً من أصول غالبية المنشآت المالية الكبيرة في أميركا وفي خارجها. وما هي المشكلة؟ تكمن المشكلة في أن بيع وشراء المشتقات يتم تحت رادارات السلطات المسؤولة عن تنظيم وسائل وأدوات التداول في الأسواق المالية المعروفة. فيتم التداول بين المنشآت المالية التي تخضع لدرجات متفاوتة من الضوابط وبين «صناديق التحوط» التي لا يشرف على نشاطها أحد، بحيث لا يوجد ما يوثق لا أسعار البيع ولا أسعار الشراء ولا المبالغ الإجمالية ولا متى تم التداول. وفي نهاية المطاف بدأت الشكوك في القدرة على معرفة قيمة المشتقات. غير أن المشتقات هي من أهم ما يتم رهنه للاقتراض في ما بين المنشآت المالية ذاتها. وفي غياب ما يمكن رهنه جفت منابع القروض وكان أطراف الأسواق المالية والمشرفون على تنظيمها قد توهموا أن ما كان يتم من خلط وتوليد واشتقاق ليس إلا «أدوات مالية مستحدثة» لا يؤدي انتشار توظيفها إلا إلى رفع كفاءة الأسواق المالية حتى قال: ألن غرينسبان مقولته المشهورة «المشتقات أدوات توزع مخاطر الائتمان من غير القادرين على تحملها إلى القادرين».

ثالثاً: غياب الرعيان. «لقد غاب عن الإبل رعيانها» كما قال شوقي. فالذي فرضه الكثيرون بما في ذلك أعضاء الكونغرس بمجلسيه (النواب والشيوخ) انه ما دام محافظ البنك المركزي الأميركي، ووزارة الخزانة (في عهد بوش) وشركات تقييم الأدوات المالية والقيادات التنفيذية للمنشآت المالية كلهم راضين عن تداولات الأسواق المالية، فلا بد من «أن الإبل بخير». أي كل شيء على ما يرام. ولزيادة الأمر تعقيداً، فإن القيادات التنفيذية للمنشآت المالية، حقيقة ما كانت تدرك درجة المخاطرة التي حمّلها منشآتها موظفوهم المتخصصون في صفقات هذه الأدوات المالية المستحدثة المعقدة أما شركات تقييم الديون، فالذي منعها من رفع أو «إشهار» الأعلام الحمر، هو تناقض مصالحها مع قول الحقيقة لأن كبار المتداولين في هذه الأدوات هم عملاؤها ومصدر دخولها.

رابعاً: الرهون العقارية. وهي الاتفاقيات التي تمثل ما يتفق عليه مموّلو امتلاك المساكن ومن يشترون وحدات الإسكان. والذي كان يحدث أن مموّلي شراء المساكن كانوا مؤسسات محلية تحتفظ بـ «الرهون العقارية» حتى يتم الوفاء بكل الأقساط، أو ما تبقى منها إذا تم البيع قبل الوفاء بجميع ما تم الاتفاق على الوفاء به ولذلك كان المقرضون المحليون يبذلون كل ما في وسعهم من جهود لرفع احتمال أن يفي المقترضون لامتلاك مساكنهم بما يلتزمون به ولكن حينما أتت منشآت مالية ضخمة أميركية وأجنبية تشتري القروض أو الرهون العقارية من كل مكان وتخلطها وترقعها ثم تولد من الخليط سندات باسمها جديدة يتم بيعها على المستثمرين في كل مكان من منشآت وأفراد، «غابت الدوافع» لدى المقرضين المحليين من الحرص على تقدير قدرة مشتري الإسكان عن الوفاء، ما دام أنهم سيبيعون هذه القروض، وبربح على منشآت مالية عملاقة في نيويورك وشيكاغو وهونغ كونغ ولندن. بل العكس صحيح. وصل الأمر إلى أن صار موظفو المنشآت المالية التي تمنح قروض (أو رهون) العقار يزوّرون دخول المقترضين (برفعها) حتى يوافق رؤساؤهم على منح القروض لغير القادرين على الوفاء لو عرف الرؤساء الحقيقة. والسبب أن السماسرة المتخصصين في مقابلة المقترضين وتقييم قدراتهم على الوفاء يحصلون على مكافآت (بونس)، في مقابل كل قرض أشرفوا على أُولى خطوات منحه هذا هو السبب الذي يدفع إلى القول، بأن الشرارة الأولى التي أشعلت نار هذه الكارثة المالية والاقتصادية هي «الرهون العقارية». وعلى مستوى معين من التعميم، يمكن القول إنه لو لم يتم انهيار سوق العقار وما تبع ذلك من عجز الكثيرين عن الوفاء، وبالتالي انهيار قيمة هذه القروض وما تم اشتقاقه منها من مشتقات، لما جفت منابع السيولة التي يمكن منحها أو اقتراضها في ما بين المنشآت المالية ذاتها. توقف التداول، لأن المشتقات من الرهون العقارية، لم تعد مقبولة كـ «رهون» لمنح قروض جديدة لأي غرض. وبإيجاز الأزمة الحالية أزمة ائتمان. وسوق الائتمان هو وقود النشاطات الاقتصادية المختلفة كافة. والذي سبب أزمة الائتمان التي خرجت من عباءتها كل المشكلات الاقتصادية المشهودة هي «الرهون العقارية».

* أكاديمي سعودي

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: daralhayat.com