قطاع الاستثمار بين التكيف والتهميش

 

هنري عزام

 

 

على بيوت الاستثمار في المنطقة أن تتكيف، عاجلاً، مع واقع العالم الجديد الذي باتت صورته واضحة بعد الأزمة فنموذج أعمالها الذي استند إلى أساس الإفراط في الاقتراض واستثمار رأسمالها في أصول غير سائلة، لا بد من أن يتغير. ولم يعد في مقدور هذه المؤسسات تحقيق معدلات العائد ذاتها على رأس المال. ولكي تضمن استمرارها، ينبغي أن تتخصص في خدمات تتمتع فيها بميزة تنافسية، وتركيز على أعمال الوساطة المالية والخدمات المصرفية الاستثمارية الأخرى، وقد يجد بعض هذه المؤسسات أنه لن يستطيع البقاء ما لم يندمج مع غيره من بيوت الاستثمار، أو يتم الاستحواذ عليه من بنوك تجارية لقد تراجعت المصادر التقليدية لإيرادات مؤسسات الاستثمار. فأسواق المال الأولية لدول المنطقة لا تزال شبه مغلقة، فلم يتم إصدار أي اسهم أولية أو سندات أو صكوك منذ الربع الثالث من العام الماضي. ولم تُسجل سوى عمليات دمج واستحواذ قليلة، وتقلصت قيمة الأصول التي تديرها شركات الاستثمار وباتت أحجام التداول ورسوم الوساطة أدنى من السابق، في حين أن خسائر تقويم الاستثمارات في الأصول غير السائلة سجلت ارتفاعاً متنامياً. ولم تنخفض إيرادات مصارف الاستثمار في المنطقة فحسب، بل يجد بعض منها صعوبة متزايدة في إعادة تمويل ديونه المستحقة. وبغية الحصول على التمويل، اتجهت مؤسساتٌ إلى بيع أصول سائلة في محفظتها الاستثمارية، ما ساهم في خسارة مؤشر الأسهم الخليجية زهاء 57 في المئة من قيمته في 2008، وتراجع بنسبة 18 في المئة منذ بداية السنة الحالية ويصبح توفير التمويل المطلوب التحدي الأكبر لمؤسسات الاستثمار المحلية والإقليمية، وأول خطوة ينبغي أن تتخذها، زيادة رأس مالها. غير أنها لا تمتلك خيارات كثيرة لتحقيق ذلك، وأسهل الطرق سيكون من خلال إصدار اسهم ملكية أو بيع الأصول الســـائلة لديها بأسعار مغرية. وعلى رغم أن نسبة الدين إلى رأس المال لمؤسسات الاستثمار في المنطقة، لا تزال في الغالب منخفضة، مقارنة مع أكثر من 20 إلى 30 في المئة لبنوك الاستثمار العالمية، إلا أن أي زيادة في رأس مال شركات الاستثمار الإقليمية ستعطيها انطلاقة جديدة وتكمن الخطوة الثانية في عدم التصرف كشركات ملكية خاصة، أي الاقتراض المكثف واستثمار رأس المال لديها في الأصول غير السائلة، والعودة إلى عملها الأساس كشركات خدمات استثمارية وخدمات وساطة وخفض تكلفة التشغيل لديها وتحسين كفاءتها وطريقة إدارتها للأخطار، إضافة إلى تقليص نسبة المديونية إلى رأس المال وإعادة هيكلة موازناتها. وعلى المساهمين في شركات الاستثمار في المنطقة القبول بعائد على رأس المال، أقل من المستويات المتحققة خلال سنوات الطفرة بين 2002 و 2008،  فتراجع المديونية وضعف السوق يحتمان ذلك وينبغي النظر في إمكان السماح لبنوك الاستثمار، التي لا تعاني من مشاكل ملاءة، أن تصبح مؤسسات مصرفية تقبل الودائع، على أن توضع في إشراف البنوك المركزية، تماشياً مع تطورات مماثلة عالمياً. ويتيح ذلك فرصة النفاذ إلى مصادر الودائع بالجملة من شركات القطاع العام ومؤسساته، وعند الحاجة ستكون هذه المؤسسات قادرة على الإفادة من السيولة التي توفرها السلطة النقدية المعنية وقد تختار شركات استثمار، الاندماج مع شركات مماثلة، وقد ترتأي شركات أخرى، أن يتم الاستحواذ عليها من بنوك تجارية أو أن تشتري هي حصصاً في مؤسسات تقبل الودائع (على سبيل المثال امتلاك المجموعة المالية هيرميس 25 في المئة من بنك عودة). وتشمل عمليات الاندماج بادئ الأمر الشركات المملوكة بالكامل أو جزئياً من الحكومات. فتستطيع مجموعة دبي، مثلاً، وهي تملك حصة أقلية في المجموعة المالية «هيرميس» وبنك طيب للاستثمار في البحرين ولها حق امتلاك حصة في شعاع كابيتال، أن تحقق اندماجاً بين المؤسسات الثلاث. وكشفت حكومة الكويت عن خطة تتطلب من شركات الاستثمار العاملة في البلاد، والتي تستفيد من القروض التي توفرها لها البنوك التجارية والمدعومة بضمانات حكومية، الاندماج إذا كان ذلك في مصلحتها ونجد أن حكومات المنطقة مدعوة إلى توفير الدعم للقطاعين المصرفي والاستثماري، فتتملك مثلاً الأصول غير السائلة أو الأصول الصعبة التداول من شركات الاستثمار، في مقابل حصول هذه الشركات على سندات خزينة، كما يمكنها أن تضخ السيولة في الشركات المحتاجة،  وتوفر ما يكفي من الحوافز لقيام البنوك التجارية بالاستحواذ على شركات استثمار متعثرة.

ختاماً، يتوقع لمؤسسات استثمار محلية وإقليمية متعثرة أن تخرج من السوق، لتبقى شركات ذات رأس المال الأكبر والمديونية الأقل، ويتركز الطلب مستقبلاً على منتجات أسواق رأس المال الأقل تعقيداً وخدمات الاستثمار الأساسية. كما يترسخ تدريجاً نموذج البنوك الشاملة، التي توفر خدمات مصرفية تجارية واستثمارية، فتستحوذ المصارف التجارية الكبرى على شركات استثمار موجودة أو تؤسس وحدات استثمار تابعه لها. ولا بد من توقع بيئة تنظيم وإشراف أكثر تشدداً وعودة الحكومات الى زيادة ملكيتها في مؤسسات المال والمصارف في شكل عام.

* الرئيس التنفيذي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «دويتشه بنك».

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: daralhayat.com