برنارد مادوف.. قضية إختلاس بعشرات المليارات ضحاياها بالآلاف

 

 

قبل أيام تسلمت محكمة نيويورك المكلفة بتصفية مشروعات مادوف قائمة اشتملت على عشرة آلاف اسم لضحايا أشهر عملية اختلاس شهدتها البشرية خلال قرن كامل وشملت تلك القائمة أسماء مشاهير دوليين كالممثل العالمي جون مالكوفيك، ومقدم البرامج الشهير بشبكة سي إن إن الأمريكية لارّي كنغ، بالإضافة إلى أعضاء بمجلس الشيوخ وبنوك عالمية معروفة كبنك سانتاندار الإسباني، وكريدي سويس، ورابطة المصارف السويسرية الخاصة كما صرح بنك "كيس دي يبارنيه" الفرنسي أن خسائر أحد فروعه "ناتيكسيس" قد تبلغ 450 مليون يورو بسبب فضيحة الاحتيال المصرفي المنسوبة الى رئيس بورصة ناسداك السابق برنار مادوف ووقع عدة مستثمرين ضحية لمدير المحافظ الاستثمارية في نيويورك برنارد مادوف المتهم بالقيام بعملية احتيال ضخمة واكدت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن مصارف كبيرة مثل "بي. ان. بي. باريبا" في فرنسا و"نومورا هولدينغز" في طوكيو و"نيو برايفت بنك" في زيوريخ هي من عداد هؤلاء الضحايا ورغم قوة الحجج التي تدين برنارد مادوف في أكبر فضيحة مالية شهدها هذا القرن، وإصرار الحكومة الأمريكية على إيقافه، مازال القضاء في الولايات المتحدة يرفض حتى اليوم إلقاء القبض عليه، ولا يزال المتهم ينعم بالهدوء والراحة بمحل إقامته بحي مانهاتن الشهير.

عملية اختلاس استثنائية

بين يوم وليلة تبخرت 50 مليار دولار، وسيتذكر ضحايا فضيحة مادوف الحادي عشر من ديسمبر 2008، بألم وحسرة في ذلك اليوم وقف برنارد مادوف، مخاطبا موظّفيه لحظات قبل أن يطرق بابه أعوان مكتب التحقيقات الفدرالي: "أعلن أمامكم إفلاسي، لم أعد املك شيئا، لقد خسرت 50 مليار دولار مرة واحدة" ويرجع المتابعون سرعة انهيار هذه الإمبراطورية المالية إلى أن الأرباح التي كان يعلن عنها مادوف خلال السنوات والأشهر الماضية، والتي من خلالها صنع شهرته وكسب ثقة المستثمرين على المستوى الدولي، لم تكن أرباحا حقيقة، أو نتيجة عمليات استثمار واقعية، بل حصيلة جذبه لإيداعات مالية جديدة ولما أصبح من غير الممكن العثور على مودعين جدد، بسبب الأزمة المالية العالمية، انهار النظام كله، ولم ينج من آثاره إلا الذين سحبوا ودائعهم مبكرا وهذا الانهيار لم يحصل صدفة بل إن النظام المالي الدولي مسؤول إلى حد ما عما حدث، وبالنسبة للمحامي السويسري فرانكو فوغليو، المتخصص في الشؤون المالية لم تعد السوق المالية العالمية تخضع إلى أي نظام أخلاقي او قواعد عمل واضحة"، ويري أنه "بات السهل جدا تحوّل الاستثمارات المالية إلى عمليات اختلاس، فمع الوقت، أصبحت المنتجات المالية معقّدة ومركبة جدا. والذين يشترون هذه المنتجات لا يفهمون من العملية شيئا".

إستغلال عامل الثقة

ويضيف هذا الخبير: "أمام هذا التعقيد المتزايد، أصبح الكل يراهن على عامل الثقة، إذا كنت أصدقك، أقرضك المال، وإذا كنت أنت تصدّق أحدا آخر، فأنا أيضا أصدّقه". وقد نجح برنارد مادوف في توظيف الثقة العمياء التي منحها إياه حرفاؤه وقد كسب مادوف تلك الثقة نتيجة عدة عوامل، منها مهاراته الشخصية، إذ استطاع ابن حي "Queens" الفقير بنيويورك أن يصل إلى رئاسة مجلس إدارة الناسدك، وأن يصبح أحد الروّاد في مجال السوق المالية الإلكترونية وعزّز ذلك المكسب عبر الانخراط في بعض المشاريع الخيرية هنا وهناك، فنشط في مكافحة مرض السرطان، وفي تشجيع الثقافة والعمل المسرحي، وكان ممولا رئيسيا للجامعة اليهودية بالولايات المتحدة الأمريكية ولم يكتف بذلك، بل كان يبالغ في منح المكافآت العالية إلى الموظفين السامين في البنوك المتعاملة معه، وكان يغدق أموالا طائلة على الوسطاء.

عجز مؤسسات الرقابة

انطلت حيلة مادوف على الجميع، إلا على هارّي ماركوبولوس، وهو خبير أمريكي يعمل بإحدى شركات الإستثمارات المالية بنيويورك، طلب منه صاحب العمل يوما تحقيق أرباح تضاهي ما يحققه برنارد مادوف، فعكف على دراسة الأرقام التي أعلنها هذا الأخير، إلا أنه فوجئ منذ دراسة الوثيقة الأولى، حيث يقول: "نظرت في الوثيقة، ومنذ الخمس دقائق الأولى أحسست بأن الأمر يتعلق بعملية غش واحتيال" ويضيف هارّي ماركوبولوس نقلا عن الصحيفة السويسرية "لاليبرتي" (تصدر بالفرنسية في فريبورغ): "الأرقام التي أعلن عنها برنارد مادوف لم يكن لها أي معنى، وكانت كلها تحتوي على مغالطات، و لم تكن تتفق النتائج التي اعلن عنها مع أي إستراتيجية مالية. تصديق برنارد مادوف، كان أمرا مستحيلا" ومنذ ثمانية أعوام، عمل هذا الأخير في سرية تامة على إقناع أصحاب الودائع، ولجان الإشراف ومراقبة الأسواق المالية في الولايات المتحدة على اتخاذ الإجراءات اللازمة والتدخّل لحماية حرفاء مادوف ولكن أمام سلبية الجهات المسؤولة، أعرب ماركوبولوس عن خيبة أمله فيها قائلا: "لولا صلف وكبرياء هذه المؤسسات، ولو أنها أمضت ساعة واحدة في النظر في الأدلة، لوضعت نهاية لعملية الإحتيال تلك منذ بداية 2006".

الضحايا من السويسريين أيضا

رغم ما تشتهر به المؤسسات المالية السويسرية من حرفية وحنكة، فإن هذه الأزمة لم تستثنيها، إذ من المعتقد أن الخسائر التي ستتكبدها الساحة المالية السويسرية بسبب عملية الإحتيال هذه تتراوح ما بين 5 و10 مليارات وتشتمل قائمة الضحايا على أسماء عدد كبير هذه المؤسسات، وفي مقدمتها مصرفان خاصان، ريشموخ ماترهورن، ومقره بلوتسرن، وقد بلغت خسائره قرابة 385 مليون فرنك سويسري. ورغم أن عملية الاحتيال هذه لم تؤد إلى إفلاس المؤسسة المذكورة، فإن تلك الخسائر ستترك آثارها على الأداء العام لهذا المصرف وكذلك سبق الإعلان عن تضرر رابطة المصارف السويسرية الخاصة بجنيف من عملية الاحتيال هذه، و سجّل مصرف بينيديكت هونش تراجعا سنة 2008 بلغ 15.6 % بخسارة قدرها 431 مليون فرنك. ويعتقد بأن هذه المؤسسة تمتلك أصولا مهددة ومعرضة للخطر تبلغ قيمتها 700 مليون دولارومع تقدم التحقيق القضائي في هذه الفضيحة المالية، يكتشف الرأي العام السويسري والدولي حجم الخسائر والجهات المتضررة، وتكفي نظرة عابرة على القائمة التي نشرتها مؤخرا شبكة CBS الإخبارية الأمريكية والتي تحتوي على 162 صفحة كل صفحة تشتمل على 80 سطرا، ليعثر المرء على أسماء العديد من المؤسسات تعمل انطلاقا من جنيف وزيورخ ولوتسرن وبازل، وهذه الأخيرة من أهم المراكز المالية في سويسرا.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: سويس إنفو