أيد قوية أطاحت بأسعار النفط

 

عيد بن مسعود الجهني

 

 

كان عام 1973 وبالتحديد 6 تشرين الأول (أكتوبر) منه تاريخاً مشهوداً في صناعة النفط، وذلك عندما قفزت أسعاره من 2.90 دولار للبرميل لتصبح 4 دولارات بعد ان كانت الأسعار السائدة متدنية ردحاً من الزمن رغم تأسيس «اوبك» عام 1960، ولم يتوقف زحف الأسعار بسبب حرب أكتوبر الشهيرة عند ذلك الحد بل واصلت مسيرتها لتبلغ 11.65 دولار، واستمرت مسيرتها الصاعدة لتتخطى 13 دولاراً عام 1978وتوالت أسباب صعود أسعار النفط ففي عام 1979 اجتاح الاتحاد السوفياتي السابق أفغانستان، وعاد الخميني من باريس مع اشتعال الثورة الإيرانية التي أدت إلى سقوط نظام الشاه - شرطي الخليج - المدعوم من أميركا - وان كانت أميركا قد تخلت عنه. ومع هيجان الثورة الايرانية، التي احتفلت ايران الأسبوع الماضي بذكرى قيامها الثلاثين وأطلقت قمراً اصطناعياً بهذه المناسبة أثار قلقاً دولياً، وخوفاً من تصديرها شبت نار الحرب بين البلدين الجارين ايران والعراق لتدفع أسعار النفط مجدداً نحو الارتفاع، وما ان بزغت شمس عام 1981 حتى بلغت ما بين 39 و40 دولاراً للبرميل وهو مبلغ كبير آنذاك لأن الدولار كان بعنفوان قوته أمام العملات الأخرى ولأن دوام الحال من المحال كما يقولون فإن الطائر الذي ارتفع كان لا بد أن يعود إلى الهبوط، فبدأت أسعار النفط تهوي نازلة وكان ذلك نتيجة هدوء الحروب والصراعات وكذلك للخطط الاستراتيجية المحكمة التي انتهجتها وكالة الطاقة الدولية، وكان في مقدم خططها ترشيد الاستهلاك مما أرغم «اوبك» على تخفيض إنتاجها المرة تلو الأخرى، بعد ان بلغت الأسعار عام 1986 سبعة دولارات للبرميل، ومما زاد الطين بلة وأوقف تحسن الأسعار الركود الاقتصادي الذي ضرب الاقتصاد الأميركي في تلك الفترة وبقي سعر النفط يتذبذب صعوداً وهبوطاً حتى بلغ في أول عام 1998 اقل من 10 دولارات ليعود للتحسن التدريجي مدعوماً بخطوة «اوبك» الشجاعة بالدفاع عن الأسعار بتخفيض إنتاجها حتى استطاعت في ما بعد ان تضع معياراً للسعر المناسب هو ما بين 22 و28دولاراً على ان ترفع الإنتاج 500 ألف برميل اذا تخطى السعر 28 دولاراً وخفضه بالكمية نفسها إذا تدنى عن ذلك السعر، رغم ان «اوبك» ليست الوحيدة في سوق النفط الدولية التي تتحكم بأسعار النفط، فهناك لاعبون رئيسيون آخرون كالدول المنتجة خارج «اوبك» وشركات النفط الكبرى والدول المستهلكة! وكان 11 أيلول (سبتمبر) 2001 تاريخاً مفصلياً ليس في السياسة الدولية فقط ولكن في أسعار النفط أيضاً فبعد التفجيرات الإرهابية التي حدثت في ذلك اليوم في أميركا تغيرت سياستها، فأطلق بوش نزعته الشيطانية يعلن الحروب، فاحتل أفغانستان ثم جاءت الطامة الكبرى ليحتل العراق بسبب النفط لتشتعل الأسعار وتستمر مرتفعة بوتيرة متسارعة لتبلغ 147.10 دولار قبل أن تهوي سريعاً مع هدوء حدة النزال بين الإدارة الأميركية السابقة وإسرائيل من جانب وايران من جانب آخر وقرب رحيل بوش عن البيت الأبيض، ثم جاءت ثالثة الأثافي المتمثلة في الانهيار الاقتصادي الكبير الذي اجتاح الولايات المتحدة وأطاح برؤوس شركات ومصارف كبرى في ذلك البلد وامتدت عاصفته الهوجاء إلى قارات العالم! اليوم وبعد ان تبدلت الأحوال من حالة عدم اليقين التي عاشها العالم في ظل إدارة بوش وتابعه بلير اللذين خاضا حروباً وصراعات أوصلت العالم وشعوبه إلى حافة الكارثة عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، بدأت الإدارة الأميركية الجديدة تحاول تضميد الجراح في خضم كساد كئيب، فأعلنت طرق باب الديبلوماسية والحوار بدلاً من البندقية، وقد أعلن الرئيس اوباما ان هذا سيكون نهج إدارته إلا إذا فشل الحوار وفشلت الديبلوماسية فإن آخر العلاج هو الكي كما يقولون. مع هذا النفس البارد الجديد ومع الصدمة الاقتصادية العالمية وتوقع نمو اقتصاد عالمي ضعيف لايتجاوز 1.2 في المئة، كان لا بد لأسعار النفط ان تتدنى خصوصاً ان «اوبك» طالما سايرت الدول الصناعية في طلبها رفع الإنتاج مرة بعد أخرى في خضم ارتفاع أسعار النفط، كما أن معظم الدول خارج «اوبك» كانت ولا تزال بمعظمها تنتج كل برميل تستطيع إنتاجه من النفط، رغم أن الطلب على النفط سجل انخفاضاً كبيراً، فحسب تقدير وكالة الطاقة الدولية فإن الطلب العالمي هبط إلى 85.3 مليون برميل يومياً خلال هذا العام بعد أن كان أكثر من 87 مليون برميل يومياً كل تلك العوامل تعمل على إطاحة الأسعار، وكان لا بد لـ «اوبك» من اتخاذ قرارات فاعلة أمام هذه التحديات الجسام التي واجهتها، فجاءت قرارات المنظمة لتخفيض إنتاجها بحوالي 4.2 مليون برميل يومياً اعتباراً من شهر تشرين الأول (أكتوبر) الماضي لخلق توازن بين العرض والطلب للحد من تدهور الأسعار أمام تقلص الطلب العالمي على النفط الخام، خصوصاً في الولايات المتحدة أكبر مستهلك للنفط عالمياً، وبالفعل كانت قرارات «اوبك» صائبة وفي الوقت المناسب، رغم أن الأسعار بعد تخفيض الإنتاج انخفضت إلى 37 دولاراً للبرميل، قبل أن تتعافى قليلاً لترتفع وتدور بين 41 و44 دولاراً في نهاية الأسبوع الماضي، خصوصاً بعد قول الأمين العام لـ «اوبك» عبدالله البدري على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس «إذا كانت السوق غير متوازنة سنتخذ إجراءات لموازنتها وسنفعل كل ما بوسعنا»، الامر الذي اعتبر إشارة إلى نية المنظمة تخفيض الإنتاج في اجتماعها في 15 آذار (مارس) القادم في فيينا إن اجتماع المنظمة القادم يأتي والأعضاء قد التزموا بقرارات خفض حصصهم بنسب تصل إلى حوالي 80 في المئة، وليس مستبعداً أن تقرر المنظمة خفض إنتاجها في ذلك الاجتماع، إلا أننا يجب أن ندرك أن هذا لن يوقف هبوط الأسعار إذا لم تتعاون الدول المنتجة الأخرى مع «اوبك» فتخفض إنتاجها، ويجب أن يدرك الجميع أنهم يصارعون انكماشاً اقتصادياً عالمياً غير مسبوق، ومع اكتساح هذا الإعصار لقارات العالم الأخرى فإن تدني الطلب أكثر فأكثر حاصل لا محالة، ومما يؤكد هذا تقرير إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادر في 30 الشهر الماضي الذي أظهر أن الطلب على النفط في اميركا اصبح أقل بـ1.577 مليون برميل يومياً عما كان عليه منذ سنة!

كل هذه المعطيات تؤكد أن «أوبك» تواجه تحديات جساماً في الحاضر وفي المستقبل القريب على الأقل، وأن الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية ستضرب بقوة مؤثرة على الطلب على النفط وأسعاره، وهذا سيضع الدول المنتجة وفي مقدمها دول مجلس التعاون الخليجي أمام خيارات مالية صعبة وهي التي تعتمد موازناتها بنسب ما بين 85 و95في المئة على إيرادات النفط، وإن كان بعضها قد تبنى سعراً للنفط بنى عليه موازناته يقل بكثير عن السعر الحالي وإذا كان بعض دول المجلس استطاع بالفعل خلال طفرة الأسعار غير المسبوقة أن يحقق فوائض مالية كبيرة حتى ان بعضها تخلّص من الدين العام وبعضها الآخر قلّص بشكل كبير من ذلك الدين، إلا أن تلك الدول تعرضت لخسائر كبيرة في صناديقها السيادية التي استثمرت بعض أصولها خارج الحدود، ناهيك أنها شيدت مشاريع ضخمة رصدت لها مبالغ فلكية، مما يستدعي مع انهيار أسعار النفط إلغاء بعضها أو تأجيله أو مد فترة تنفيذه، وهذا من دون شك سيترك آثاره على الاقتصاد والتنمية في تلك الدول وكذلك على الدول المصدرة للعمالة، حيث يتوقع أن يفقد أكثر من 120 ألفاً من العرب والأجانب وظائفهم في دول المجلس نتيجة الكساد الاقتصادي وتدهور أسعار النفط بعد أن تراجعت أسعاره بأكثر من 100 دولار للبرميل منذ منتصف عام 2007 إن التحديات ستبقى ماثلة أمام إمبراطورية «اوبك»، وهي بلا شك تدرك هذا وستقذف بكل الأوراق والأدوات التي تملكها وأهمها بالطبع خفض الإنتاج، لخلق سوق نفطية متوازنة والدفاع عن سعر معقول لنفطها الذي تعتقد أنه بحدود 75 دولاراً، لكن هذا السعر يبدو أنه بعيد المنال في الوقت الحاضر على الأقل، وأن محاولات «اوبك» في الوقت الراهن قد لا تحقق غاية المنى ولكنها عمليات إنعاش تحفظ للجسم المتداعي شيئاً من حياة حتى تعود له عافيته كاملة.

* رئيس مركز الخليج العربي للطاقة والدراسات الاستراتيجية

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: daralhayat.com