النفط في أسبوع - العراق من الكهف إلى النفق

 

وليد خدوري

 

 

تحمل النتائج الأولية لانتخابات مجالس المحافظات العراقية بارقة أمل، في بداية تغيير الرأي العام العراقي وتطلعاته، وذلك مؤشر مهم، ليس فقط للعراق وحده، بل للدول العربية عموماً في هذه الأيام العصيبة. إذ يدل هذا التغيير في هذه اللحظة التاريخية إلى مساندة الجمهور للدولة القوية، بدلاً من تفكيكها كما كان مخططاً للعراق أثناء الاحتلال، وللابتعاد عن الطائفية والعصبيات البغيضة، وإمكان إسقاط الحكومات غير الكفية عن طريق الاقتراع. لكن هذه الانتخابات، وغيرها مما سيجرى هذه السنة، لا تعني بأي شكل من الأشكال، نهاية المطاف للصراع السياسي في العراق، بل هي تشكل بالأحرى البداية، للانتقال من الكهف الذي يبقى فيه الطريق مسدوداً، إلى النفق الذي تشوبه القلاقل والصراعات ولكن يبقى فيه بصيص أمل ونور في النهاية وبما ان النفط هو العماد الرئيس للاقتصاد العراقي، وينسحب عليه ما يجري في العراق عموماً، خصوصاً لأنه يملك طاقات واعدة في المجال النفطي (ثاني أكبر احتياط نفطي في العالم)، ستلعب دوراً أساساً في حال استقرار الوضع السياسي والحد من التخريب والفساد. مثلاً، يُقدّر إنتاج العراق النفطي الآن بنحو مليونين إلى 2.5 مليون برميل يومياً، وهو لا يُقارن بالإمكانات الفعلية للبلاد التي تستطيع إنتاج ما لا يقل عن ستة ملايين برميل يومياً في المستقبل في حال تنفيذ سياسة نفطية فاعلة وتحقيق استقرار سياسي داخلي لقد تراجع القطاع النفطي العراقي منذ 2003 بل تعرض للتدمير. وما حل به ليس إلا جزءاً مما أصابه عموماً من إرهاب وهجرة للخبراء وتدمير للمنشآت، ناهيك عن سياسات نفطية متغايرة في إقليم كردستان عن بقية العراق، أضعفت موقف الدولة التفاوضي مع الشركات العالمية أما الآن، فقد بدأت الأمور تتغير، خصوصاً مع الاستقرار النسبي للوضع الأمني. فقد طرحت وزارة النفط للشركات العالمية أنواعاً متعددة من العقود، فهناك عقود الإسناد الفني، وجولة التراخيص الأولى والثانية، واستثمار الغاز المصاحب في جنوب العراق. لكن القاصي والداني يلاحظ الخلاف الكبير بين وزارة النفط ومؤسسات سياسية مهمة في البلد، ليس فقط حكومة إقليم كردستان، بل كذلك مكتب رئيس الوزراء، ولجنة شؤون النفط والغاز البرلمانية، وما ينتج عن هذه الخلافات المزمنة من تأخير وسياسات واهية. وقد نتج عنها فعلاً تعطيل مشاريع مهمة كثيرة وتجميدها، مثل «قانون النفط والغاز» المطروح أمام البرلمان منذ شباط (فبراير) 2007 والذي يبدو أنه لن يرى النور قبل حل مسألة الهوية السياسية والإدارية لكركوك، وموضوع إعادة تشكيل «شركة النفط الوطنية» ودورها الفعلي في مستقبل صناعة النفط العراقية، إضافة إلى الاتفاق والتفاهم على طريقة توزيع الإيرادات النفطية. وهذا الأمر، كما هو معروف، يمثّل صلب الموضوع ومحور الخلاف الأساسي بين المركز والأطراف وحتى بالنسبة إلى مسألة التفاوض مع الشركات الدولية، هناك خلافات واضحة حول مسألة تأهيل الحقول المنتجة، وتطوير الحقول المكتشفة وغير المطورة أو المطورة جزئياً، وتطوير الصناعة الغازية في البلاد، خصوصاً التوجه نحو التصدير أو استعمال الغاز محلياً لزيادة القيمة المضافة وللاستفادة منه في تطوير صناعات متعددة (مثل البتروكيماويات والأسمدة والإسمنت والحديد وتأمين الكهرباء للأطراف بعد انقطاعات متواصلة، أو حتى غيابها في مناطق مختلفة من البلاد)، وسبل تمويل المشاريع النفطية (خصوصاً في ظل انخفاض أسعار النفط حالياً والأعباء المالية على البلاد من إعادة التعمير ودفع التزامات القروض والتعويضات وتلبية الحاجات الأساسية للمواطنين من صحة وتعليم وكهرباء وماء لكن إلى جانب هذه الأسئلة الحيوية التي لا تزال تنتظر إجابات واضحة، تبقى المشكلة الأساس أمام صناعة النفط العراقية ماثلة، وهي ضرورة تعديل «بند المواد الهيدروكربونية» في دستور عام 2005، الذي سيبقى عائقاً رئيساً أمام هذه الصناعة في حال استمرار الأخذ به من دون تعديل، خصوصاً ما يتعلق بإعادة صلاحيات رسم السياسة النفطية للبلاد إلى الحكومة المركزية، مع إعطاء دور استشاري/رقابي للمحافظات والأقاليم النفطية والغازية. والمهم في هذا الأمر هو إنهاء حال الغموض والضبابية بين المركز والأطراف، والحد من تشتيت صناعة القرار النفطي العراقي، ولجم البلبلة والفوضى والتفسيرات المتناقضة للصلاحيات، وهذا ما يحدث بالفعل منذ اليوم الأول لتنفيذ هذا الدستور. فمن دون التعديلات اللازمة، ستبقى صناعة النفط العراقية في النفق المظلم من تخبط وفوضى، على رغم خروجها إلى حد كبير من كهف التفجيرات والإرهاب وتهجير الخبراء.

* كاتب متخصص في شؤون الطاقة

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: daralhayat.com