لا أحد يملك الأموال اللازمة لإنقاذ كل الأسواق النامية والنتيجة المتوقعة هي انهيار أكثر حدة

 

ستيفان ثيل

 

ســقــوط الـفــقــراء

وكأن الحكومات الغربية والبنوك المركزية لا تنفق ما يكفي من الأموال (نحو سبعة تريليونات دولار والمبلغ آخذ في التزايد) لدعم قطاعاتها المالية المتداعية واقتصاداتها المعتلة. عليها الآن إنقاذ بقية العالم أيضا. ففي أكتوبر، أنشأ بنك الاحتياطي الفيدرالي رصيدا ائتمانيا غير مسبوق بقيمة 120 مليار دولار مخصصا للبرازيل والمكسيك وسنغافورة وكوريا الجنوبية لمنع حصول أزمة سيولة في تلك البلدان. وقد عمد البنك المركزي الأوروبي إلى مساعدة هنغاريا التي تواجه أزمة كبيرة من خلال إعطائها سبعة مليارات دولار، في حين أن آيسلندا ولاتفيا بقيتا صامدتين فقط بفضل إعانات من بلدان مثل بريطانيا والسويد وألمانيا. وفي ديسمبر، أنشأت وزارة الخزانة الأمريكية صندوقا مشتركا مع الصين بقيمة 20 مليار دولار لتمويل التجارة العالمية مع توقف البنوك الغربية عن تقديم القروض للأسواق النامية. كل هذا يضاف إلى عدد متزايد من المساعدات المالية الطارئة التي قدمها صندوق النقد الدولي لبلدان تضمنت حتى الآن باكستان وأوكرانيا وهنغاريا وآيسلندا من الواضح أن الحكومات الغربية تخشى أن يرتد الإعصار الذي يضرب الأسواق النامية الآن ليضرب الولايات المتحدة وأوروبا الضعيفتين أصلا. هذا يضع حدا للنظرية القائلة إن البلدان النامية "ستنفصل" عن الأزمة، فضلا عن أنها ستساهم في إخراج الغرب من ركوده. بدلا من ذلك، فإن انهيار القطاعات المالية في البلدان الغنية كان له عواقب وخيمة على الاقتصادات النامية، في مناطق كثيرة في الوقت نفسه: انخفاض معدلات التجارة وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتضاؤل الحوالات النقدية من المواطنين المقيمين في الخارج. لقد تم سحب الاستثمارات من البورصة الروسية والهندية ليعاد توظيفها في "ملاذات آمنة" مثل العملات الأجنبية وسندات الخزينة الحكومية. ونتيجة لذلك، يقدر البنك الدولي أن تدفق المال من الغرب إلى الشرق عام 2009 سينخفض إلى نصف تريليون دولار بعدما وصل إلى تريليون دولار في ذروته عام 2007.

كل هذا يحدث في أسوأ وقت ممكن، فالبلدان النامية لديها ديون قياسية طويلة الأمد بقيمة 620 مليار دولار، وموعد استحقاق فائدتها هو عام 2009. وراء النشوة المحيطة بتنامي الأسواق الناشئة خلال السنوات الماضية يكمن واقع آخر، وهو أنه باستثناء الصين وحفنة من البلدان التي تتمتع بفائض ميزانية مثل الدول المصدرة للنفط، فإن البلدان النامية لا تزال تعتمد إلى حد كبير على تدفق رؤوس الأموال الغربية. لكن هذه المرة، فإن البنوك الغربية التي تعمل فوق طاقتها غير قادرة على تزويدها برؤوس الأموال هذه فيما تكافح لتعويض خسائرها. فضلا عن ذلك، من المتوقع أن تصدر الحكومات الغربية سندات خزينة بقيمة ثلاثة تريليونات دولار عام 2009، أي ثلاثة أضعاف ما أصدرته عام 2008، لتمويل برامجها الإنفاقية التحفيزية المتنامية. وفقا لشركة "إنديباندنت ستراتيجي" الاستشارية في لندن، فإن بلدان الأسواق النامية ستواجه عجزا عاما في التمويل سيبلغ 570 مليار دولار عام 2009، بعدما كانت تنعم بفائض يبلغ 880 مليار دولار عام 2007. البلدان الأكثر عرضة لمواجهة صعوبة في دفع مستحقاتها، بحسب نيل شيرينغ من مؤسسة "كابيتال إيكونوميكس" في لندن، تتضمن البلدان التي تعاني "عجزا هائلا" في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، إضافة إلى بعض البلدان في أمريكا اللاتينية مثل الإكوادور، التي تخلفت عن تسديد ديونها الدولية في ديسمبر. وقد تليها الأرجنتين من غير المرجح أن تتوافر أموال كافية لتلبية حاجات الجميع. لدى صندوق النقد الدولي مخزون احتياطي بقيمة 200 مليار دولار واتفاقية تتيح له أن يطلب إلى الدول الأعضاء فيه 50 مليارا إضافية، لكن هذا أقل بكثير من الـ570 مليار دولار الضرورية. وإذا لم تتسارع وتيرة خطط الإنقاذ إلى حد كبير، فإن الاحتمال الأكثر ترجيحا هو حصول انهيار أكثر حدة في قيمة الأصول في الأسواق النامية، فضلا عن ركود عميق وتدهور في قيمة العملات، وفقا لديفيد روش من إنديباندنت ستراتيجي.

من المرجح أن تحصل الأسواق النامية الأكثر أهمية استراتيجيا على المساعدة أولا. لقد أعرب بنك الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي في الآونة الأخيرة عن نيتهما تقديم قروض طارئة إضافية إن اقتضت الحاجة، في محاولة لدعم أهم شركائهما التجاريين على أمل الحد من الضرر في أسواقهما المحلية. ومن المتوقع أن تستمر الحكومات الأوروبية في إنقاذ بلدان مختارة من أوروبا الشرقية. وقد دعم بنك الاحتياطي الفيدرالي حلفاء مهمين وشركاء تجاريين في أمريكا اللاتينية وآسيا. أما الصين فقد أنقذت حليفتها باكستان، وقدمت قروضا الأسبوع الماضي لمساعدة الشركات التجارية في تايوان على تخطي الأزمة. ولكن كم ستكون عمليات الإنقاذ هذه فعالة؟ على غرار الغرب، يمكنها التخفيف من حدة التغييرات الجذرية التي تحدث لكنها لن تضع حدا نهائيا لها، فيما ينتقل العالم من فائض في توفر القروض والديون إلى حقبة الادخار والتقشف. هذا لأن معظم النماذج التجارية في الأسواق النامية، مثل اقتصادات التصنيع في آسيا والدول المصدرة للسلع الأساسية في أستراليا والبرازيل التي تزودها بحاجاتها، تعتمد على المستهلك الغربي المفرط الديون الذي يشتري أكثر مما يمكنه تحمل تكلفته من منتجات الدول النامية. تدفق الاستثمارات نحو الشرق كان أيضا ناتجا بشكل جزئي عن وفرة السيولة بفضل سهولة الاقتراض في الغرب. وفيما تدخل أمريكا والغرب حقبة يتضاءل فيها الإنفاق المتهور، يبدو أن هذا النموذج لا يمكن أن يستمر. وفي أفضل الحالات، ستساعد خطط الإنقاذ الإضافية بعض البلدان على التخفيف من تأثيرات المرحلة الانتقالية المقبلة.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: Newsweek

 

 العدد 5558   الاثنين 01 محرم 1430 هـ. الموافق 29 ديسمبر