بمعزل عن النزاعات العالمية، يساعد الفقراء الطامحون في الهند البلاد على النمو رغم عاصفة الإقراض الطفرة النابعة من القاع

 

 

جيسون اوفردورف

 

 

رغم أن الأمور قد لا تظهر هكذا على أرض الواقع أحيانا، فإن الهند تمثل واحدة من النقاط المضيئة القليلة في الاقتصاد العالمي الذي لا يحمل إلا آمالا ضئيلة عام 2009. من المتوقع أن ينمو الاقتصاد الهندي بقوة ما بين 5 إلى 6 بالمائة هذا العام، وهو معدل أسرع من معدل عقد التسعينات من القرن الماضي، ويصل تقريبا إلى ضعف معدل النمو الاقتصادي في العقود الثلاثة الأولى بعد الاستقلال. صحيح أن السوق المالية فيها قد انهارت، ومعدل البطالة في ارتفاع والسوق العقارية تذكر بقوة بميامي بيتش، وتبين الآن أن "ساتيام كمبيوتر سرفيسز" ــ وهي واحدة من أكبر خمس شركات في مجال تكنولوجيا المعلومات ــ كانت تزور في حساباتها، لكن حالة فردية من الاحتيال في قطاع تكنولوجيا المعلومات الرائد لن تخرج البلاد عن مسارها. وتفتخر الهند بأنها تتمتع بمحرك نمو غير متوقع وهو جيوش الفقراء الذين ارتفعت دخولهم في السنوات الأخيرة بما يكفي لخلق طلب قوي على السلع والخدمات الأساسية وليست بقصة جديدة بروز الطبقة المتوسطة الهندية الطموحة وهي الفئة التي تعيش فوق خط الفقر ولكنها لم تحصل بعد على عضوية المجتمع الاستهلاكي الحديث. لكن المفاجئ هو قدرة هذه المجموعة السكانية على التكيف والدرجة التي حققتها لإعادة التوازن في ظل أزمة الإقراض العالمية وتراجع اقتصاد الصادرات الدولي الذي تعد فيه الهند لاعبا رئيسيا. ويعد هذا جزئيا أحد آثار إخفاقات نيودلهي السابقة، حيث عجز صناع السياسات تماما عن جعل الهند تلك القوة التصديرية كالذي حققته الصين خلال العقود الثلاثة السابقة، ولذا فإنهم لا يعتمدون بشكل كبير مثلها على النمو المدفوع بالاستثمار والطلب من الأسواق الأجنبية ومع ذلك يستحق المخططون الهنود أن يعزى إليهم بعض الفضل أيضا لتجنبهم حالة من الإدمان الوطني على الاقتراض الرخيص ولأنهم أوجدوا "مضاعفات النمو" مثل شبكات الطرق والاتصالات التي تربط الآن بين المناطق الداخلية الشاسعة في البلاد والمدن الحديثة. يقول سوميترا تشودهوري، كبير المحللين الاقتصاديين في آي سي آر أيه، وهي وكالة تصنيف إقراضي هندية تابعة لموديز:"المكون الرئيسي للطلب الداخلي [في الهند] هو طلب المستهلك، لأنه لايزال لدى الناس دخول يجنونها، وهذه الدخول ليست متأثرة جوهريا بالتطورات الدولية".

قد تبدو أن فكرة تخلف الهند أمر إيجابي غير معقولة، لكن من الأسهل دائما النمو انطلاقا من قاعدة الفقراء. لذا فإن حقيقة أن الهند ليست بعد اقتصادا كبيرا تعد ميزة في ظل أحوال التراجع الاقتصادي. وهذا العدد الضخم من السكان الذين يعيشون على قاعدة اقتصادية متدنية بهذا الشكل محرك اقتصادي فعال لو تم استغلاله جيدا. وقد أثبتت الهند ولاتزال تثبت أن لديها قدرة على التكيف في مواجهة عواصف الاقتصاد العالمي السائدة. يقول سوبير غوكران، كبير المحللين الاقتصاديين في كريسيل، الذراع الهندية لوكالة ستاندرد آند بور:"إنها نوع من عمليات الاستدامة الذاتية، فهناك نقص هائل في انتشار معظم السلع والخدمات ولديك ما يكفي من الناس في القاع يحصلون على ما يكفي من زيادة في الدخل لتحقيق استدامة النمو" لذا فإنه مع تراجع استهلاك الطبقة الوسطى في الهند ــ كما يدل عليه الانخفاض الحاد في مبيعات السيارات والسفر بالجو وارتياد المطاعم الراقية منذ منتصف 2008 ــ  يظل الطلب المحلي قويا، والفضل في ذلك للمستهلكين الطامحين، والذي لايزال الكثير منهم مرتبطين بمزارعهم وينفقون ما يملكون من روبيات على الصابون والدواء والأحذية والملابس التي يرتدونها للعمل. وعلى حد تعبير غوكران: "إذا راجعت الكتب الاقتصادية، فسوف تخبرك أنه كلما ازداد فقرك، زادت رغبتك في الاستهلاك"والتناقض مع الصين، العملاق الاقتصادي الآسيوي الآخر، واضح وكبير. ومن ذلك أن الطلب المحلي يشكل ثلاثة أرباع الاقتصاد الهندي، مقارنة بأقل من النصف في الصين، وهذا يفسر"لماذا نجد الهند، بالمقارنة النسبية باقتصادات جنوب شرق آسيا، منعزلة نوعا ما عن التباطؤ الاقتصادي العالمي"، حسب شنكر أتشاريا، وهو مستشار كبير سابق للحكومة. والزراعة من القطاعات الصامدة الأخرى في الهند، ويتوقع أن تستمر في نمو مطرد هذا العام، إضافة إلى قطاع الخدمات الذي يشكل 55 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، والذي يتوقع أن "يكون أكثر مرونة" من قطاع التصنيع، حسب أتشاريا وعلى الرغم من الأزمة المالية، فإن قطاع تكنولوجيا المعلومات في البلاد استطاع النمو بنسبة 20 بالمائة في عام 2008، حسب جمعية شركات الخدمات والبرمجيات الوطنية الهندية. وقد استطاعت شركات تكنولوجيا المعلومات بالفعل أن توفر 100 ألف فرصة عمل جديدة لعام 2009. يقول تشودهوري: "بغض النظر عن الأسباب، فإن الصين ركزت بشكل كبير على سوق الصادرات، فيما ركزت الشركات الهندية على السوق المحلية، وكانت صادراتهم متفرقة". وهذا يجعل الهند، أكثر من الصين، سيدة قدرها.

وقد ظلت الحكمة التقليدية تنظر إلى الهند بأنها فشلت في أن تصبح دينامو مدفوعا بالصادرات على شاكلة الصين لأن نظامها الديموقراطي لم يستطع أن يؤسس البنية التحتية المتماسكة وقوانين العمل المرنة المطلوبة لخلق القدرة التنافسية. وعلى الرغم من أن بعض ذلك صحيح، فإن الأمر الذي يغفل عنه عادة هو أن مضاعفات النمو الحالية في الهند، وكلها مرتبطة بالبنية التحتية، تتماثل مع ما كانت الصين تشهده في الثمانينات من القرن الماضي ومثال على ذلك برنامج الهند الطموح لتوسعة شبكة الطرق السريعة الوطنية الذي أطلق عام 2003، ويتم الآن إضافة 100 كم من الطرق السريعة للشبكة يوميا وكل طريق يرصف يربط المزيد من القرويين بأسواق المراكز الحضرية، مما يسمح لهم بجني المزيد من المال مقابل ما يزرعونه أو يصنعونه والانتقال إلى أمكنة بعيدة للحصول على وظائف تحقق لهم الدخل. وقد جاء برنامج الطرق الريفية الهندي الذي سوف ينتهي بربط كل القرى الهندية التي يزيد عدد سكان الواحدة منها على 500 نسمة ببعضها بعضا وبالطرق الواصلة بين المدن استثمارا لنمو استثنائي في الناتج المحلي الإجمالي عام 2000 بلغ 5 بالمائة. وكان أقل من نصف هذه القرى فقط مرتبطا بأي نوع من الطرق حين بدأ المشروع. وعلى المنوال نفسه، تخطط سلطة الطرق السريعة الهندية لمشروع وطني يمتد على ست مراحل لإضافة أو تحديث 30 ألف كيلومتر من الطرق الخارجية السريعة، مما سيعزز نظام الطرق الحالي بمقدار الثلث وقد كان التقدم في مجال الاتصالات أسرع من الطرق الداخلية. ففي عام 2008، تجاوزت قاعدة المشتركين في شبكة الاتصالات الوطنية الهندية 350 مليون شخص، وتنمو سوق الاتصالات الهندية حاليا بشكل أسرع من نظيرتها في الصين. وقد انخفضت تكلفة المكالمات إلى أقل من 50 سنتا أمريكيا للواحدة. ولهذا الربط إمكانية هائلة للتأثير على الدخول في سوق العمل "الحساس جدا للسرعة التي يستطيع بها المرء الحصول على المعلومات"، حسب غوكران. وهناك أيضا قطاع تكنولوجيا المعلومات نفسه الذي يجب وضعه في الاعتبار، حيث أوجد 1.8 مليون فرصة عمل مباشرة في العقد الماضي، إضافة إلى 6.5 مليون فرصة عمل في القطاعات المساندة مثل السائقين والحراس الأمنيين والمستخدمين المسؤولين عن الأعمال المتفرقة من الحاصلين على تعليم ابتدائي أو ثانوي. وكان من شأن ذلك أن وضع المال بيد أناس "سوف ينفقونه على الأرجح بدل أن يوفروه"، على حد تعبير غوكران. ورغم أن خلق فرص العمل سوف يتباطأ مع تراجع قطاع تكنولوجيا المعلومات، فإن القوة العاملة الهائلة تولد زخما كبيرا ومن المؤكد أن الطفرة النابعة من القاع لا تستطيع أن تدفع بالاقتصاد بالسرعة القصوى، ولكنه يظل محصناً ضد نزعة التراجع المؤكدة في المستويات العليا من المستهلكين. ولم يؤثر انهيار أسواق الأسهم على الطبقة الدنيا الطموحة لأن أعضاء هذه الفئة لم يستثمروا في هذه الأسواق، ولا يقع عليهم اللوم في الانخفاض الذي حدث في مبيعات السيارات لأنهم أفقر من القدرة على شراء سيارة. بل إن الانهيار في قطاع العقار بعيد عنهم، فعلى الرغم من التخمة التي تعانيها أمكنة مثل مومباي ونيودلهي في مجال العقارات الراقية، فإن الهند عموماً تعاني نقصا حادا في الإسكان. وتكمن المشكلة في أن شركات الإنشاء تستهدف الفئة العليا من السوق، مهملة طبقات المجتمع الأدنى. وحسب هيئة التخطيط الوطني، فإن المناطق الحضرية في الهند تحتاج إلى 24.7 مليون منزل عادي لتلبية الطلب الحالي. ومما يدل على هذا العطش الذي لا يروى أنه عندما أجرت سلطة تطوير نيودلهي العام الماضي قرعة لاختيار 5000 مشتر لشقق معقولة الثمن قامت ببنائها في المدينة، تدفق إليها 500 ألف طلب وهذا التناقض بين الحالين ينير طريق المستقبل أمام الهند. فعلى شاكلة الكثير من الحكومات، أعلنت نيودلهي أخيرا حزمة إنفاق رئيسية بهدف تعزيز النمو. وهي تسعى أيضا إلى تحفيز الطلب المحلي. ومع ذلك فإنه على خلاف الصين والولايات المتحدة، فإن الهدف الرئيسي ليس الطبقة المتوسطة في المدن، بل الفقراء. وفي أكتوبر، وافق البرلمان على إنفاق 50 بليون دولار إضافية (أو 4.5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي) لتعزيز رواتب مستخدمي الحكومة وإعفاء ديون المزارعين وتعزيز برنامج ضمان التوظيف في الريف وتمويل سندات نفط بحيث تظل أسعار النفط والأسمدة منخفضة. يقول غوكران: "على الرغم من وجود مخاوف مبررة حيال أثر بعض هذه الإجراءات على المدى الطويل، فإنه مما لا شك فيه أنها ستساهم في تعزيز الإنفاق الاستهلاكي، خصوصا لدى العائلات من ذوي الدخل المتدني، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى دفع النمو على المدى المتوسط".

استطاعت الهند تجنب انهيار في القطاع العقاري على شاكلة ما أصاب الولايات المتحدة. وهي في وضع أفضل لضخ المال في النظام المالي المحروم من السيولة حاليا، لأن البنك المركزي الذي تعرض لهجوم قاس لم يقع فريسة إغراء المال السهل، برغم صيحات القطاع المالي الساعية إلى نمو أسرع. ففي الوقت التي كانت فيه البنوك المركزية في دول أخرى تعرض المال مجانا، أدركت الهند أنها، باعتبارها ديموقراطية قائمة على الناخبين الفقراء، لا تستطيع أن تنمو بمعدل 10 بالمائة سنويا إن كان ذلك يعني ارتفاعا حادا في أسعار السلع الأساسية مثل الأرز والدقيق. ولهذا السبب وضع البنك المركزي قيودا على المال الذي يسبب تضخم فقاعة العقار (وأسعار كل الأشياء الأخرى) من خلال رفع أسعار الفائدة إلى مستوى وصل إلى 12.5 بالمائة في الصيف الماضي، مما عرض البنك المركزي للنقد بوصفه لا يسير في تناغم مع البنوك المركزية الساعية للنمو بحماس أكبر. وبسبب ذلك، تتمتع الهند الآن بقدرة كبيرة ومجال واسع لتخفيض معدلات الفائدة وتخفيف شروط العملة الاحتياطية في البنوك لتحفيز النمو وعكس اتجاه التضخم ويتمتع القطاع الخاص أيضا بوضع مالي متماسك جيدا، فقد بقي البنك المركزي يراقب عن كثب كلا من البنوك المملوكة للدولة والخاصة، مانعا إياها من ركوب المخاطر وذلك بأن فرض عليها الحفاظ على مستويات عالية من الاحتياطي النقدي وفرض قيودا على تحويل الأصول المالية لسندات مالية ومشتقات أخرى ومنعها من استخدام الأدوات المالية خارج الميزانية التي استخدمتها البنوك الأمريكية بشكل كارثي لإخفاء ديونها. وبالنتيجة نجد أن البنوك الهندية لا تجلس الآن على جبل من الديون المعدومة، الأمر الذي يطلق يدها أكثر لإقراض الشركات المحتاجة. وكذلك فإن الشركات الهندية وضعت نصب عينيها الانهيار المالي الذي أحرقها في نهاية التسعينات من القرن الماضي ولم تتماد هذه المرة. يقول تشودهوري: "أحد مصادر القوة هو قطاع الشركات الهندي، الذي يتمتع بميزانيات أقوى بكثير [من السابق]" وأحد الدلائل على ذلك أن الشركات الهندية توظف ثرواتها في الأعمال. ومن ذلك ما حدث في ديسمبر عندما قامت شركة "ويربو تكنولوجيز" الهندية بشراء شركة تكنولوجيا المعلومات التابعة لسيتي غروب التي تواجه المشاكل، "سيتي غروب تكنولوجي سيرفيسز"، مقابل 127 مليون دولار نقدا. وفي أكتوبر، استطاعت "تاتا كونسلتانسي سيرفيسز" شراء شركة الخدمات التابعة لسيتي غروب، سيتي غروب "غلوبال سيرفيسز"، مقابل 505 ملايين دولار. وتوحي الصفقتان أن التقارير التي تتحدث عن تراجع قطاع تكنولوجيا المعلومات في الهند مبالغ بها.

قد لا يكون الاقتصاد العالمي في هذه المرحلة هو الخطر الأكبر الذي يهدد الهند عام 2009 ، بل هو السياسة المحلية ومن ذلك أن فترة حكم التحالف التقدمي المتحد بزعامة رئيس الوزراء مانموهان سينغ سوف تنتهي في مايو، وتنص قوانين الانتخابات الهندية على منع رئيس الوزراء من سن أي سياسات مهمة، وهو إجراء يهدف إلى منع الحكومات القائمة من إصدار تشريعات شعبوية بهدف كسب الأصوات. وهذا يعني فترة من الشلل قد تمتد خمسة أشهر، في الوقت الذي تتطلب فيه المرحلة على وجه التحديد عملا إبداعيا سريعا. يضاف إلى ذلك أنه على الرغم من أن منافس حزب المؤتمر الذي ينتمي إليه سينغ ــ حزب بهاراتيا جاناتا ــ يؤيد في الغالب سياسات مماثلة، فإن التغيير في الحكومة قد يؤدي إلى المزيد من التباطؤ في مشاريع البنية التحتية المتأخرة عن مواعيد إنهائها أصلا ويمكن للانتخابات في الهند أن تكون خادعة، حيث خسر التحالف الديموقراطي الوطني بزعامة حزب بهاراتيا جاناتا على الرغم من أنهم خاضوا الانتخابات على أساس برنامج لتحفيز النمو الاقتصادي، لأن الناخبين الفقراء رفضوا ادعاءات حملة حزب بهاراتيا جاناتا الانتخابية بأنه سيجعل "الهند مشرقة" ومع اقتراب ساعة الانتخابات، قد يواجه حزب الكونغرس بزعامة سينغ تحديا أكبر في كسب تأييد الناخبين. فالفقراء لا يهتمون بالمدى الذي سيتفوق فيه النمو في الهند على دول أخرى، بل بما إذا كانت حياتهم الآن أفضل مما كان عليه الوضع قبل خمس سنوات.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: Newsweek

 

 العدد 5558   الاثنين 01 محرم 1430 هـ. الموافق 29 ديسمبر