إندونيسيا تواجه الركود العالمي بشكل أفضل من معظم البلدان الأخرى، والفضل يعود إلى وزيرة اقتصادها الصارمة «أفضل ما يمكن»

 

 

سولين هونورين وجورج ويهرفريتز

 

 

 الشهر الماضي، اجتاحت القطاع المالي الإندونيسي موجة عارمة، لكنها لم تكن ناتجة من أزمة القروض العالمية. فقد تدفقت الأموال إلى الخزينة الحكومية من أفراد ومؤسسات تسعى إلى الاستفادة من "سياسة العفو" عن المتخلفين عن دفع الضرائب التي اعتمدتها جاكرتا، والتي سامحت من خلالها المتهربين السابقين شرط أن يلتزموا بالقوانين الضريبية في المستقبل. حجم هذا الدفق المالي غير معروف بعد، لكن خبراء الاقتصاد يقدرون أن الإيرادات الضريبية ارتفعت بنسبة تفوق الـ50 بالمائة منذ بدء العام. تقول مبتكرة الخطة، وزيرة الاقتصاد سري مولياني إندراواتي: "شهدنا ارتفاعا كبيرا" في الإيرادات في ديسمبر من "دافعي ضرائب [لم يكونوا مدرجين على لوائحنا] أو أرادوا تصحيح أخطاء اقترفوها في السابق"، مضيفة أن الإندونيسيين أصبحوا يفون بتعهداتهم الضريبية "بشكل أكثر دقة".

هذا التدفق يشكل انتصارا كبيرا لحكومة إندونيسيا الحالية، لاسيما للمرأة التي أصلحت النظام المالي في البلد. فخلال السنوات الأربع الماضية، ساهمت مولياني في تفكيك البنية المالية للنظام الرأسمالي القائم على المحاباة الذي أنشأه سوهارتو، رئيس إندونيسيا السابق، قبل انتهاء حكمه الذي دام 32 عاما سنة 1998. وقد عملت جاهدة لتخفيض الديون العامة والخاصة» وقلصت من دعم الحكومة لأسعار الوقود الذي شكل عبئا كبيرا على الميزانية، وأشرفت على إصلاحات شاملة في إدارتي الجمارك والضرائب ـــ مما وضع إندونيسيا في أفضل موقع (أو أقل المواقع سوءا) من حيث النمو بين الأسواق الناشئة عام 2009. النزعة المحافظة التي اتبعتها جاكرتا لم تحظ باهتمام قبل الآن، وقد أصبحت موضع حسد العالم النامي، ويثنى حاليا على مولياني باعتبارها مثالا للمصلحين. يقول جيمس كاسيل، مؤسس شركة "كاسيل إيجا" الاستشارية: "يمكنها أن تكون وزيرة اقتصاد أي بلد في العالم. إنها بارعة إلى هذا الحد".

لقد أصبحت ميزانية البلد من بين الميزانيات الأكثر تحفظا في العالم والفضل يعود إلى مولياني إلى حد كبير» فالديون الحكومية لا تتعدى الآن الـ30 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي بعدما كانت تتخطى الـ100 بالمائة قبل عقد، والقطاع التجاري الإندونيسي أقل مديونية بكثير من القطاعات التجارية الأخرى في آسيا. وعلى الرغم من التقشف النسبي، فإن النمو يأتي بفضل السلع الأساسية، وهي المنتج الرئيسي التقليدي في إندونيسيا، وبفضل الاستهلاك المحلي القوي لسكــان يقارب عددهم الـ240 مليونا. ولا يبدو أن انهيار أسعار السلع الأساسية (الذي أدى أيضا إلى انخفاض أسعار الطاقة المستوردة التي تعتمد عليها إندونيسيا) أو التشدد العالمي في منح القروض سيزعزع هذا البلد الخالي من الديون، بكل شرائحه بدءا من العائلات وصولا إلى الشركات والإدارة الحكومية في الواقع، إندونيسيا هي واحدة من ثلاثة اقتصادات نامية كبيرة من المتوقع أن تنمو بنسبة تفوق الـ4 بالمائة عام 2009، الاقتصادان الآخران ــ الصين والهند ــ شهدا تباطؤا أسرع في الأشهر الماضية ويواجهان تحديات سياسية أكبر. تقول مولياني إن إندونيسيا قد تنمو بنسبة تصل إلى 5.5 بالمـائة هذا العام، وهذا أقل بقليل من نسبة الـ6 بالمائة التي شهدتها عام 2008، وقد يكون ذلك كافيا للتفوق على إحدى منافستيها الآسيويتين في سباق النمو لهذا العام. هذا ليس سيئا، نظرا إلى أن اقتصاد البلد انهار عام 1998 وانكمش بنسبة 18 بالمائة في عام واحد. يقول وولفغانغ فينغلر، وهو أحد كبار علماء الاقتصاد في البنك الدولي، إن إدارة جاكرتا العامة للشؤون الاقتصادية هي "أفضل ما يمكن".يعزى تحول إندونيسيا هذا إلى مجموعة من الناس. فالرئيس سوسيلو بامبانغ يوديونو وفر الاستقرار السياسي والرؤية المؤيدة للعولمة اللذين يشكلان ركيزة للنجاح الذي تشهده البلاد اليوم. وقد كان بوديونو (وهذا اسمه بالكامل) وزير الشؤون الاقتصادية السابق حاذقا وبارعا في التنسيق إلى أن سلم مولياني هذه المهام في مايو الماضي ليترأس البنك المركزي الإندونيسي، ويثنى على جهود وزيرة التجارة ماري بانغيستو لأنها حفزت قطاع التصدير الإندونيسي. مع ذلك تتميز مولياني بصلابتها. تقول إن فريق عملها اضطر إلى "التعامل مع حقائق مرة جدا" خلال الأشهر الستة الأولى من توليها المنصب. بعد وصولها إلى الوزارة مثلا، واجهت كبار الموظفين قائلة: "كيف يمكنكم إرسال بناتكم أو أبنائكم ليدرسوا في الخارج وأنتم تتقاضون أجورا كهذه؟ من أين حصلتم على المال؟" ثم أضافت: "علينا أن نعترف بأننا جميعا مذنبون بهذه التهمة". لايزال موظفوها يعملون خلال الليالي وفي عطلات الأسبوع ليكونوا على مستوى توقعاتها، ومن المعروف عنها أنها تتصادم مع زملائها. العام الماضي، عملت بشكل مكثف لإقرار تخفيض في دعم سعر الوقود لا يحظى بشعبية وعارضه الرئيس يوديونو في البداية. يقول أنتون غوناوان، كبير الخبراء الاقتصاديين في بنك دانامون في جاكرتا: "حصلت على مبتغاها لأنها تعرف كيف تلعب اللعبة السياسية" لكن من خلال زيادتها لأجور البيروقراطيين وعدم التنديد بالذين تقاضوا رشاوى في الماضي لتسديد حاجاتهم، رفعت المعايير واكتسبت سمعة كمصلحة غير قابلة للفساد. رسالتها إلى فريق عملها بسيطة وإيجابية: "لدي هدف واحد فقط: أريد أن يثق بنا الشعب الإندونيسي وبهذه الوزارة، لأن هذا البلد لن يحقق شيئا إن لم يبدأ الشعب بوضع ثقته في حكومته". مع أن لا أحد يعتبر إندونيسيا مثالا للشفافية، فإن التغييرات التي حصلت في إدارتي الضرائب والجمارك كانت كبيرة، وقد عززت بدورها قدرة إندونيسيا على النمو لدرجة أن "العالم بحاجة إلى تغيير نظرته إلى هذا البلد"، كما كتب نيكولاس كاشمور، المحلل الإندونيسي في البنك الاستثماري سي أل أس آيه في منتصف عام 2008، معلنا أن "أكبر اقتصاد في جنوب شرق آسيا بحالة ممتازة". وبفضل مولياني، تكسب إندونيسيا احتراما متزايدا يوما بعد يوم.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر: Newsweek

 

 العدد 5558   الاثنين 01 محرم 1430 هـ. الموافق 29 ديسمبر