الاستثمار الزراعي: شراء الأراضي في الخارج

 

 ديفيد مونتيرو

 

 

إذا كانت الحقول الزراعية الشاسعة في كمبوديا قد غذت في السابق حضارة "أنجور" الأسطورية طيلة القرن التاسع عشر، فإنها مستقبلا ستوفر الغذاء للمدن العصرية في كل من الإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر. فبعد الارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية وتضاعف كلفتها مقارنة بالسنوات القليلة الماضية، شرعت العديد من دول الخليج العربي في إبرام صفقات زراعية في كمبوديا تصل قيمتها الى مليارات الدولارات، وذلك بحسب بيان أصدرته الحكومة الكمبودية مؤخراً، حيث ستقوم تلك البلدان باستئجار الأراضي وزراعة الأرز والذرة وشحنها إلى الداخل، مدخرةً ملايين الدولارات ومتجاوزة الأسواق العالمية ويُبرز هذا الاهتمام بالحصول على أراضٍ في كمبوديا مدى الرغبة التي تحدو تلك الدول في تأمين احتياجاتها الغذائية بالاستثمار في أرضٍ أجنبية وهكذا قامت اليابان بشراء رقعة واسعة من الأرض الزراعية في البرازيل، فيما اشترت كوريا الجنوبية مساحات شاسعة من الأراضي في مدغشقر، ليطلق ذلك توجهاً جديداً من المتوقع أن يغير عملية امتلاك الأراضي على الصعيد العالمي، فضلا عن الإنتاج الزراعي لكن فيما ستساعد هذه الخطوة بعض الدول المتضررة من ارتفاع أسعار المواد الغذائية على تأمين تكلفة معقولة، يحذر بعض الخبراء من أنها قد تؤدي إلى تأجيج الصراع وترسيخ الفقر. ويستطيع محمد رؤوف أن يرى من مكتبه في دبي أزمة الغذاء العالمية وهي تكاد تطبق على بلدان الخليج في ظل عدم توفر إمكانية الزراعة محلياً، مدللا على ذلك بالمحاولات التي بذلتها السعودية لزراعة القمح في الصحراء طيلة خمسة عشر عاماً الأخيرة. والنتيجة أن دول الخليج العربي تجد نفسها مضطرة لاستيراد 80% من المواد الغذائية الأساسية من الخارج رغم تضخم فاتورة الاستيراد من 16 مليار دولار في عام 2006 إلى 20 مليار دولار في عام 2007 حسب المنظمة العربية للتنمية الزراعية. وأمام هذا الوضع لم يبق، كما يقول رؤوف مدير برنامج أبحاث البيئة في "مركز الخليج للأبحاث" بدبي، سوى الاتجاه إلى الخارج لشراء الأراضي أو استئجارها، موضحاً أنه "يستحيل على بلدان الخليج العربي تحقيق أمنها الغذائي داخلياً، لأنها تفتقر للموارد المائية والأراضي الزراعية" وانسجاماً مع هذا التوجه مثلت كمبوديا أحد الحلول المناسبة لدول الخليج، إذ من أصل 6 ملايين هكتار من الأراضي الصالحة للزراعة هناك لا يُستغل سوى 2.5 مليون هكتار، وهي راغبة في استكمال صفقات لاستغلال أراضيها بقيمة 3 مليارات دولار مع الكويت وقطر. هذا التوجه يعززه ما صرح به مؤخراً رئيس الوزراء الكمبودي حيث قال إن تلك البلدان "تملك النفط، لكنها لاتتوفر على الأرز، وأن الخليج قد يصبح سوقاً كبيراً لأرزنا".

والواقع أن الاندماج بين الدول الغنية الباحثة عن الأراضي ونظيرتها الفقيرة المحتاجة إلى المال، تصاعدت وتيرته منذ 2007 في ظل الهوة القائمة بين الزيادة السكانية العالمية التي تتراوح نسبتها بين 1% و2% وبين عجز الإنتاج الزراعي بسبب تراجع الاستثمار وانحسار الأراضي الزراعية وتوسع المدن. ونتيجة ذلك على الصعيد العالمي هي إعادة توزيع ملكية الأراضي بين الدول، فرغم المساحة الزراعية الشاسعة للصين، فإن الجزء الأكبر منها خُصص للاستغلال الصناعي، كما أن عشرات ملايين المزارعين انتقلوا من القرى إلى المدن بحثاً عن العمل، لذا تقوم الحكومة الصينية حالياً بالتفاوض لشراء أكثر من مليوني هكتار من الأراضي في بلدان بعيدة مثل المكسيك وتنزانيا وأستراليا وبالمثل تسعى الإمارات العربية المتحدة إلى شراء 800 ألف هكتار في باكستان، فضلا عن المفاوضات الجارية بين السعودية وإندونيسيا لشراء 1.6 مليون هكتار من الأراضي الزراعية ومع أن هذه الصفقات توفر موارد مالية وإمكانية نقل التكنولوجيا إلى البلدان المعنية، فإن العديد من المراقبين في كمبوديا وبعض البلدان الأخرى يتخوفون من تقويض الدول الفقيرة لأمنها الغذائي ببيع أراضيها للأجانب، لاسيما في ظل الأزمة الغذائية الحالية، بل يتخوفون من عمليات انتزاع الأراضي من المزارعين، حيث تواجه كمبوديا بصفة خاصة مشاكل مرتبطة بالنزاع على ملكية الأراضي بين الدولة والمزارعين. ولا يقتصر الأمر على كمبوديا، بل يمتد أيضاً إلى دول أخرى مثل لاوس التي اصطدم فيها المزارعون مع شركة صينية بعد اتهامهم لها بمحاولة طردهم من أراضيهم وعندما قررت مصر شراء 840 ألف هكتار من الأراضي الزراعية في أوغندا أثير جدل شعبي واسع في البلاد حول الصفقة، ما دفع الحكومة الأوغندية إلى التراجع والانسحاب منها. ومع أن المزارعين الكمبوديين سيواصلون عملهم في الأراضي التي سيملكها الأجانب، فإن المنتقدين يتخوفون من أن فرص العمل التي ستحدثها الشركات الأجنبية لن تكون كافية، وهو ما يعبر عنه "تون ساري"، المدير التنفيذي لإحدى منظمات حقوق الإنسان المحلية قائلا: "أعتقد أن الشركات الوافدة لن تكون قادرة على إنتاج فرص عمل كافية، وإذا أقدمت الحكومة على بيع الأراضي للأجانب، يحق لنا أن نسأل: أين سيذهب الكمبوديون الذين يحتاجون إلى الأرض؟"

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر :alittihad.ae- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

 

هـ. الموافق 29 ديسمبر 2008 العدد 5558   الاثنين 01 محرم 1430 هـ. الموافق 29 ديسمبر 2008 العدد 555