تحليل اقتصادي - اقتصاد العطاء والتعاضد

 

ميشال مرقص 

 

 

زادت سنة 2008، نتيجة تداعيات أزمة المال العالمية، عدد الجياع في العالم. التقديرات تحصي الزيادة بـ25 مليوناً بلوغاً إلى نحو بليون محتاج، أو أقل من خمس البشرية بقليل. مطلع الألفية الثالثة كان واعداً. المجموعة الدولية أقرّت مبدأ محاربة الفقر وتقليص الفقراء إلى نصف عددهم بحلول 2015. لكن الانهيارات المالية والاقتصادية التي شهدها العالم عكست الاتجاه وأعاقت تنفيذ برنامج الألفية. زادت الأعباء على المؤسسات الراعية تقديم مساعداتٍ إلى المحتاجين، وتركت الجهات المانحة، من دولٍ ومؤسسات وأفراد، أمام امتحان نضوب السيولة والحاجة إلى مال، وإقفال آلاف المؤسسات، وتعطيل الملايين من وظائف كانت تدر لهم دخلاً يخصّص جزءٌ لأعمال الخير والمساعدات بين عيد الأضحى بداية كانون الأول (ديسمبر) 2008، وأعياد الميلاد ورأس السنة نهايته، شهدت المؤسسات الخيرية وصناديق المساعدات، وحتى المنشآت والأفراد ازدحاماً من محتاجين يسعون إلى الحصول على ما يسد الرمق ويدفئ الجسد. والإحصاءات العالمية تشير إلى ازدياد العداد. وتعرف بلدانٌ كثيرة هذا النوع من التجمعات، ليس فقط في مواسم الأعياد بل طوال أيام السنة. فلجأت دولٌ إلى تشريعاتٍ تساعد المانحين على العطاء وزيادة الهبات، وأعفت أجزاء الأجور المخصصة لأعمال الخير والمساعدات من ضرائب فخففت العبء على المانحين، وشارك القطاعُ العامُ، القطاعَ الخاص في المساعدات الخيرية إلى المحتاجين. فعندما تعفي الحكومة الواهب من ضريبة، تكون قد ساهمت معه في الهبة بمستوى قيمة الضريبة التي تراوح بين 60 و75 في المئة من قيمة الهبة. وتمثل قيم هبات الأفراد والمنشآت 1.8 في المئة من الناتج المحلي في الولايات المتحدة، 0.8 في المئة في المملكة المتحدة، 0.5 في المئة في هولندا، 0.4 في المئة في السويد و0.3 في المئة في فرنسا. وتصل نسبة المانحين من عدد السكان إلى 35 في المئة في إسبانيا و24 في المئة في النمسا وفي حدود 22 في المئة في فرنسا وبلجيكا وفنلندا والولايات المتحدة و20 في المئة في إيطاليا و18 في كندا، وتتوزع النسب في البلدان الباقية دون ذلك وتدخل هذه المساعدات في نطاق اقتصاد الهبات أو اقتصاد التعاضد، الذي يهدف إلى تماسك المجتمعات فتعمم ديموقراطية الحياة الكريمة وكفاية العيش غير أن تداعيات أزمة المال ودخول بلدان العالم في ركود اقتصادي، وسّعت إطار الحاجة وزادت عدد العاطلين من العمل والقاطنين خارج سقوف المنازل والمحتاجين إلى أكسية، ما حتّم على حكومات البلدان المتقدمة والناشئة، أن تتدخل لتحمي الأمن الاجتماعي، فاعتمدت خطط إنقاذ اقتصادية تعفي المكلفين من ضرائب محدّدة لتوفر للمواطنين أدوات مالٍ ينفقونها في تأمين القوت والملبس والسكن والخدمات الصحية والاجتماعية وتدخل الإعفاءات الضريبة، التي تطاول دخل الأسر، من ضمن الهبات فتتكامل مع عطاءات الأفراد والمؤسسات، التي تطمع بزيادة الموارد بعدما قفزت أسعار السلع والمنتجات الغذائية، منتصف العام المنصرم إلى أضعاف ما كانت، فتحوّلت المساعدات المقرّرة سابقاً، إلى مستويات لا تكفي نصف الحاجة المقدرة وفي هذا المجال يسعى البنك الدولي إلى تأمين مساعدات طارئة للبلدان الفقيرة، وأنهى السنة بتقديم 851 مليون دولار إلى 27 دولة. وتلح منظمة الأغذية والزراعة التابعة إلى الأمم المتحدة، بدورها، على الدول القادرة أن تزيد حجم عطاءاتها لتعزّز مساعداتها إلى الزراعة والأرياف حيث يعيش 75 في المئة من فقراء العالم، عدا عن موازنات مؤسسات تهتم بمكافحة الجوع والأمـراض تشكل سنة 2008 إذاً، منعطفاً بارزاً، ليس فقط على صعيد الانهيار الاقتصادي الذي طاول معظم البلدان المتقدمة والناشئة، على صعيد عالم المحتاجين والجياع، إذ تقلّصت المساعدات والهبات المخصصة إلى انتشال الفقراء من الجوع وتعميم ديموقراطية حق الإنسان في تأمين مستلزمات العيش الكريم ولعل هذا المنعطف يدفع المقتدرين، من أفراد ومؤسسات وصناديق سيادية واستثمار إلى تقديم أموال ريعية لإنقاذ نحو خمس سكان الكرة الأرضية، سواء مباشرةً للعاجزين عن العمل وأصحاب الحاجات، أو بتوفير مجالات العمل والوظائف لمن يسعى إلى توفير رزقه من موارد العمل ويفترض أن توفر الأزماتُ العبرَ، فلا يقضي الازدهار الاقتصادي على الاهتمام بمن حرم حق تأمين العيش، لأن توفير المساعدات يؤهل هؤلاء كي لا يزيدوا العبء على المجتمع الكوني، عندما تشتدُّ أزمات المال، فضلاً عن كون الهبات ظاهرة إنسانية تدخل مفهوم اقتصاد السعادة.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر : daralhayat

 

هـ. الموافق 29 ديسمبر 2008 العدد 5558   الاثنين 01 محرم 1430 هـ. الموافق 29 ديسمبر 2008 العدد 555