أعيدوا الربط بين الذهب والدولار

 

ريتشارد دنكان

 

 

ليس بمقدورنا تحمل الادعاء بأن شيئا لم يتغير، وأن بإمكان الاقتصاد العالمي أن يستمر في أداء وظائفه استناداً إلى معيار الدولار.

أحداث أيلول (سبتمبر) 2008 ـ تأميم وكالتي فاني ماي وفريدي ماك، والمجموعة الأمريكية الدولية AIG، واختفاء الصناعة المصرفية الاستثمارية في الولايات المتحدة، وخطة إدارة بوش بقيمة 700 مليار دولار لإنقاذ ما تبقى من الرأسمالية الأنجلو أمريكية ـ تظهر أن تجربة 37 عاما من النقود الائتمانية Fiat money وأسعار الصرف العائمة أخفقت بصورة كارثية حين دمر ريتشارد نيكسون نظام بريتون وودز المالي الدولي عام1971، من خلال إقفال "نافذة الذهب" في وزارة الخزانة الأمريكية، قطع آخر ارتباط بين الدولار والذهب. وما تبع ذلك هو انتشار هائل لطيف من أدوات الائتمان في عملة دون أساس وكان أبرز مثال وأشدها قتلاً في هذا الجنون، هو نمو سوق المشتقات المالية غير الخاضعة للضوابط، التي انتفخت لتبلغ 600 ألف مليار دولار، أي ما يعادل 100 ألف دولار لكل شخص على وجه البسيطة.

أدى نمو الائتمان تحت راية معيار الدولار بعد بريتون وودز إلى تعزيز النمو الاقتصادي وارتفعت نسبة الائتمان الإجمالي في الولايات المتحدة مقابل الناتج المحلي الإجمالي من 150 في المائة عام 1969 إلى 350 في المائة عام 2007 وأدى الاستهلاك الممول من جانب الائتمان وزيادة الواردات بصورة حادة، إلى أثر مدمر في الميزان التجاري الأمريكي. وبلغ عجز الميزان الجاري الأمريكي نحو 800 مليار دولار بحلول عام 2006 وبينما غمر معيار الدولار العالم بأموال مشكوك في مصادرها Funny money، انتشر عدم الاستقرار الاقتصادي حول العالم. وأدت إعادة استثمار الدولارات النفطية إلى الانتعاش الاقتصادي الأمريكي اللاتيني في السبعينيات، ثم إلى أزمة ديون العالم الثالث في الثمانينيات. وأدى الفائض التجاري الياباني مع الولايات المتحدة إلى ارتفاع أسعار العقارات في اليابان في أواخر الثمانينيات، حتى أصبحت قيمة الحدائق الإمبراطورية في طوكيو أعلى من قيمة كاليفورنيا، ليحل بعد ذلك عقد التنمية المفقود في اليابان، حين انفجرت تلك الفقاعات عام 1990ثم جاء بعد ذلك نهوض وسقوط المعجزة الآسيوية. وكانت كل هزة اقتصادية عنيفة في دول آسيا ناجمة عن تدفق هائل للدولارات على تلك الاقتصادات. ولا يمكن لأي نظام للضوابط أن يصمد حين تتم مواجهته بمثل هذا التدفق المندفع الهائل من الأموال.

أدى انهيار نظام بريتون وودز إلى قطع العلاقة بين العملات العالمية والذهب. وأصبحت البنوك المركزية بذلك حرة في طبع ما ترغب من الأموال. وطبعت البنوك المركزية خارج الولايات المتحدة في الفترة من عام 2001 حتى الآن ما يعادل ستة آلاف مليار دولار. ويمكن ملاحظة ذلك في مضاعفة حجم الاحتياطيات من العملات الأجنبية سبع مرات خلال تلك الفترة. وكانت هذه الأموال المولدة التي شكلت معظم، إن لم يكن كل ما يسمى بالطفرة الادخارية العالمية، كما وصفها رئيس الاحتياطي الفيدرالي، بن برنانكي، قد استخدمت في شراء الدولارات وتخفيض قيمة عملات شركاء الولايات المتحدة التجاريين لتخليد ميزتهم التجارية حين تمت إعادة استثمار تلك الدولارات في الموجودات المقيمة بالدولار، جاء دور أمريكا في تكوين الفقاعات وبينما كانت البنوك المركزية تشتري سندات الخزانة الأمريكية، فإنها رفعت بذلك أسعارها، وقللت من عوائدها. لكن لم يكن هناك ما يكفي من إصدار لسندات الخزانة الأمريكية لامتصاص بقية عوائد الفوائض التجارية العالمية ولذلك اشترت البنوك المركزية ديون كل من فاني وفريدي. وسمح ذلك لهذه المشاريع التي ترعاها الحكومة بأن تمتلك، أو تضمن أكثر من نصف قيمة الرهون في الولايات المتحدة، قبل أن تفشل. وبين أسعار الفائدة المخفضة بصورة غير طبيعية، وحمى الشراء لديون فاني وفريدي, ارتفعت أسعار العقارات الأمريكية بحدة. وجاءت فقاعة قطاع الإسكان في الولايات المتحدة بعد فقاعة ناسداك. غير أن التضخم في سوق الإسكان الأمريكية كان عبارة عن فقاعة بعيدة الأثر, وحين انفجرت دخل النظام المالي العالمي في أزمة، تاركاً الرأسمالية المالية الأنجلو أمريكية دون أي صدقية.الدرس الذي ينبغي تعلمه من هذه الكارثة هو أن رأسمالية "السوق الحرة" في نظام النقود الائتمانية لا تنتج المزايا نفسها (الانتعاش المستدام) التي تنتج عن رأسمالية الأسواق الحرة الحقيقية ضمن نظام نقدي يعمل معيار الارتباط بالذهب على ترسيته وتوازنه. وحين قطع الرئيس نيكسون الارتباط بين الدولار والذهب، فإنه غيّر طبيعة الأنموذج الاقتصادي الأنجلو أمريكي ودمره في النهاية.لا يمكن للعالم العودة إلى معيار الذهب بين ليلة وضحاها دون أن ينتج عنها تراجع بالغ القسوة في الائتمان، إضافة إلى ركود عالمي. لكن ليس بمقدورنا تحمل الادعاء بأن شيئا لم يتغير، وأن بإمكان الاقتصاد العالمي أن يستمر في أداء وظائفه استناداً إلى معيار الدولار لقد آن الأوان لعقد منتدى لزعماء العالم للتحرك والبدء في الانتقال إلى نظام نقدي عالمي جديد قائم على قاعدة جديدة، مرتكزة على الأموال السليمة والتجارة المتوازنة ولا ترقى مجموعة الـ 20 الحالية أبداً إلى إنجاز المطلوب.

الكاتب مؤلف "أزمة الدولار: الأسباب، والعواقب، ووسائل العلاج" The Dollar Crisis: Causes, Consequences, Cures

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر: الإقتصادية - العدد 5558الاثنين 01 محرم 1430 هـ. الموافق 29 ديسمبر 2008 العدد 5558   الاثنين 01 محرم 1430 هـ. الموافق 29 ديسمبر 2008 العدد 5558