مالك إحدى الفيلات خفض سعرها من 4.9 مليون دولار إلى 3.1 مليون، وعرض تقديم سيارته البنتلي معها. ورغم ذلك لم يشترها أحد

 

 

كريستوفر ديكي

 

 

هل انتهت حقبة ازدهار دبي؟

في سردها الشهير لمجريات الحرب العالمية الأولى، صورت باربرا توكمان انتهاء حقبة ما قبل الحرب بمشهد مهيب لمأتم ملك بريطانيا إدوارد السابع. سار تسعة ملوك في الموكب وأثار الحدث الجلل "شهقات الإعجاب"، كما كتبت توكمان. لكن عند انتهائه، قال أحد نظرائها البريطانيين أن "كل الركائز التي تمحورت حياتنا حولها يبدو أنها تلاشت إلى غير رجعة".في دبي الشــهر الماضي، أقيم احتفــال من نــوع مختلف جدا، لكن لــو كــانت توكمــان لاتزال على قيد الحياة لدونت ملاحظات عنه فقد وصف هذا المهرجان بأنه حدث باهر لا مثيل له في العالم، بلغت كلفته 20 مليون دولار وشارك فيه مشاهير أمثال تشارلز ثيرون وليندسي لوهان ومايكل جوردان وروبرت دينيرو. كانت عروض الألعاب النارية هـــائلة لدرجة أنه لا يمكن الاستمتـــاع بــها إلا من الجـو (بالفعــل، فقـد كـانـت مرئيـة من الفضاء) أما المناسبة فهي افتتاح منتجع أطلنتس الذي بلغت كلفته 1.5 بليون دولار والقائم على أرخبيل اصطناعي ضخم بشكل شجرة نخيل.

الهدف من الحفلة، بحسب تفسير المروجين لها، كان إظهار دبي للعالم على أنها البلد الذي تتحقق فيه الأحلام، ومقصد مغال في الإسراف للاستمتاع بأفضل الأوقات. لكن الكثير من الضيوف كانوا في مزاج تعيس. فمع تفجر الألعاب النارية، كان الاقتصاد العالمي ينهار. والكثير من ثروات دبي شديدة المديونية كانت تتداعى، ولم يكن أحد يعرف إلى أين عساه يلجأ. يبدو أن الركائز القديمة انهارت وقد قال أحد كبار المديرين في واحدة من أكبر الشركات العقارية في المدينة، محدقا إلى كأس الشمبانيا التي يحملها: "إننا نشهد مأساة. الكثير من الناس سيتضررون. والكثير من الأحلام ستتلاشى"، وهو لا يعني في كلامه الأغنياء السابقين فقط بل المضاربون أيضا. إن العمال الذين كانوا يستقدمون من الخارج يتم ترحيلهم إلى أوطانهم، عاطلين عن العمل وناطحات السحاب تنتصب غير مكتملة تحت أشعة الشمس الحارقة. وأضاف المدير مشيرا بيده إلى الخليج المفتوح أمامه: "هل رأيت كل هذه السفن المصطفة عند الأفق؟ إنها راسية هناك محملة بالفولاذ والأسمنت الذي لم يعد أحد يريده الآن".

في حين أنه من المبالغ به القول إن مصير العالم مرتبط بمصير دبي، أصبح من الصعب تخيل وجود أحدهما من دون الآخر. فهذه المدينة الدولة في الإمارات العربية المتحدة تعتبر نتاج التجارة العالمية أكثر من أي مكان آخر على سطح الأرض، وجاذبا تم بناؤه خصيصا لاستقطاب رؤوس الأموال التي تبحث عن أسرع وأعلى الأرباح والتي يتم سحبها بعد ذلك إلى أمكنة أخرى عندما تتلاشى الأرباح. الكثير من هذه الأموال تأتي من الدول العربية المجاورة المصدرة للنفط، ولاسيما من إمارة أبو ظبي المجاورة التي تحتوي على 90 بالمائة من احتياطي النفط الخام في الإمارات العربية المتحدة. لكن مليارات أخرى من الدولارات أتت من إيران والهند والصين وروسيا وأوروبا والولايات المتحدة، ومن كل أصقاع العالم.

خلال العقد الماضي على الأقل، كانت المضاربة بالعقارات هواية وطنية. أسعار المنازل والشقق السكنية، التي لم يبن الكثير منها بعد، ارتفعت بنسبة 43 بالمائة في الربع الأول من هذا العام وحده. كان يسهل الحصول على قروض سكنية وكان المضاربون يشترون العقارات ومن ثم يبيعونها بسرعة لتحقيق أرباح كبيرة في غضون أسابيع وحتى أيام، قبل استحقاق أول دفعة من القروض. الجميع أرادوا الاستفادة من الوضع. يقول رئيس شركة نقل إقليمية متذمرا: "لم يعد الموظفون يركزون على عملهم. أرادوا كلهم شراء عقارات بدفعة أولى تبلغ 10 بالمائة، أو أقل". وفي يونيو، كان يتم إنشاء مبان للمكاتب في دبي على مساحة 42 مليون قدم مربعة، متفوقة بذلك على أي مدينة أخرى في العالم، بما فيها شنغهاي. ما كان قبل 20 عاما أرضا صحراوية مسطحة أصبح الآن خندقا مدينيا. وقد كانت الحماسة للبناء عارمة لدرجة أن مقهى هارد روك الذي كان محاطا بأراض شاغرة عندما أنشئ عام 1997، أصبح الآن محاطا بناطحات السحاب، وتتم الآن مناقشة خطة لهدمه وبناء ناطحة سحاب إضافية مكانه، وكأنه موقع تراثي لكن دبي لم تكن مجرد متلقية لرؤوس الأموال العالمية، بل كانت أيضا مستثمرة عالمية مهمة. ففي عام 2006، اشترت شركة "دي بي وورلد" في دبي حق إدارة ستة مرافئ شحن أساسية في الولايات المتحدة، إلى أن أدى تصاعد الاحتجاجات التي تنم عن رهاب الأجانب في الكونغرس إلى جعل هذا الاتفاق غير ممكن سياسيا. اليوم، تملك دبي من بين ممتلكاتها الكثيرة الأخرى، حصة 43 بالمائة من بورصة ناسداك أم أم أكس و20.6 بالمائة من بورصة لندن. ومن بين الشركات التي تملكها بالكامل "ترافلودج" في بريطانيا، و"ماوزر" في ألمانيا، و"بارنيز" و"لومانز" في نيويورك. وبحلول أوائل عام 2005، بدأت "هبة السيولة" أو الأرباح المفاجئة المتأتية من ارتفاع أسعار النفط بسرعة تبدو قابلة للاستمرار، واكتسب ازدهار دبي المزيد من الزخم. غير أن بعض كبار المسؤولين الماليين في المدينة بدأوا يحذرون في مجالسهم الخاصة من أن هذا الازدهار قد يتحول إلى انهيار، لذا سعوا إلى تنويع استثماراتهم قدر الإمكان. لكن مع استمرار أسعار النفط بالارتفاع، ازداد تدفق الأموال الجديدة إلى اقتصاد دبي المزدهر بشكل مطرد وبدأ الناس يشعرون بأنهم محصنون ضد الصدمات العالمية. لم يكن أحد مستعدا لانهيار الأسعار خلال الأشهر الأربعة الماضية، وانخفاض سعر النفط إلى ثلث ما كان عليه الصيف الماضي. تقول ماري نيكولا، وهي عالمة اقتصاد في بنك ستاندرد شارترد إن ذلك أظهر أن دبي "معزولة ولكنها ليست منعزلة عن بقية العالم".مثل الكثير من الأمور في الاقتصاد العالمي المترابط، تستمر التأثيرات الارتدادية للأزمة الحالية في الانتشار كاشفة عن بعض الأوجه الأكثر إزعاجا لحلم دبي. فعمليات صرف العمال، التي بدأت، سيكون لها تأثير ليس فقط على دبي بل أيضا على أحياء الطبقة العاملة في مانيلا ومومباسا وتيروفانانتابورام التي أرسلت عمالها إلى الخليج ومن المتوقع أن يغادر آلاف العمال عند انتهاء فترة الأعياد من دون جلبة تذكر. يمكن سحب دعوات العمال الأجانب في أي وقت، لذلك فإن قلة منهم تتذمر، لكن مشاعر المرارة سائدة. في غضون ذلك، انخفضت أسعار المنازل والشقق السكنية التي لم يتم بناؤها بعد بنسبة تقارب الـ 50 بالمائة في بعض المناطق، والقروض أصبحت شبه مستحيلة ويتم تأجيل المشاريع الكبرى أو تصغير نطاقها. كما تسري شائعات بأن دبي قد تضطر إلى بيع حصة كبيرة في شركة الطيران الإماراتية الوطنية الأساسية لإبقاء المدينة على اتصال مع بقية العالم. وفي ثقافة تجارية قائمة على الاتفاقيات السرية، فإن الإنكار الرسمي لحصول عملية بيع لم يكن له مصداقية كبيرة بين عامة الشعب فقد تنامى الشعور بالريبة والخوف لدرجة أن سوق الذهب الشهيرة في دبي التي كانت مركزا للتجارة قبل اختراع كلمة "عولمة" بكثير، تشهد بلبلة كبيرة. تقول فيروز ميرشانت، مالكة أحد المتاجر هناك: "الأمر لا يقتصر على انخفاض أسعار الذهب. فالتشكيك عارم ويطال كل القطاعات". وما يزيد من حدة الكآبة أن مرفأ دبي بدأ يمتلئ بمخلفات المجاري الشهر الماضي. يبدو أن الكثير من أبنية المدينة لا تستطيع التخلص من مياه الصرف الصحي إلا من خلال شحنها إلى معمل تكرير. لكن سائقي الشاحنات سئموا الانتظار في صفوف طويلة وبدأوا يفرغون حمولتهم في مصارف المياه التي تفضي إلى البحر مباشرة.

في محاولة لإعادة الثقة بعد أيام من الاحتفال بافتتاح مجمع أطلنتس، أعلنت دبي تشكيل "مجلس استشاري" برئاسة محمد العبار، رئيس مجلس إدارة شركة "إعمار" العقارية التي تبني، من بين مشاريع أخرى، أعلى ناطحة سحاب في العالم، في وسط المدينة. وتجدر الإشارة إلى أن سعر أسهم شركة إعمار، انخفض بنسبة تفوق الـ 80 بالمائة هذا العام، وأسعار الشقق السكنية الفخمة في ناطحة السحاب هذه تدنت بنسبة 40 بالمائة.

قال العبار في منتدى في مركز دبي المالي العالمي في 24 نوفمبر: "نحن في دبي واقعيون، وفي الوقت نفسه متفائلون". ولطمأنة جمهوره والعالم، وعد بالشفافية، وهو مفهوم نادر في دبي، وتطرق إلى مسألة ديون الإمارة، التي لطالما أشيع بأنها هائلة. قال العبار إن ديون الحكومة وشركاتها الكثيرة تبلغ 80 مليار دولار، لكن قيمة أصولها تساوي 350 مليار دولار. "بالتالي، دعوني أقل بكل ثقة إن الحكومة قادرة على الوفاء بكل تعهداتها المالـــية وسوف تفي بها في المستقبل".لم يتم الإفصاح عن بيانات شبه رسمية كهذه من قبل، ولم يتم الكشف بعد عن تفاصيلها. لذلك فإن سيولة هذه الأصول وكيفية تقييمها غير واضحة، ويصعب على المحللين معرفة مدى واقعية تفاؤل العبار. يقول مشتاق خان، وهو خبير اقتصادي في بنك "سيتي غروب" كتب تقريرا عن منطقة الخليج أخيرا: "المهم ألا نركز على أصول دبي وديونها. علينا التركيز على كيفية المضي قدما لتصحيح الوضع" إن كان هناك من أخبار طيبة، فهي أن قادة دبي سارعوا إلى اتخاذ تدابير تصحيحية في المراحل الأولى من الأزمة. في سبتمبر وأكتوبر، اعتمد البنك المركزي خطة تبلغ كلفتها 32.7 بليون دولار لدعم المؤسسات المالية في البلد. وأعلن العبار الشهر الماضي أن اثنين من أكبر البنوك التي تقدم قروضا سكنية، اللذين نفدت منهما الأموال، سيتم تأميمهما في الواقع. ووعد بأن تتضافر شركات البناء الثلاث الكبرى في دبي، التي تسيطر على نحو 70 بالمائة من سوق العقارات، لإبقاء السوق تحت السيطرة. وقال إن الانهيار الحالي هو في الحقيقة "تصحيح سليم للوضع" ربما.

في الحقيقة، يقول الكثير من سكان دبي إنهم بحاجة إلى بعض الوقت لاستعادة توازنهم، وهناك مؤشرات كثيرة إلى أن المدينة بحاجة إلى استعادة توازنها أيضا. قبل 50 عاما، كان المكان موطنا لبضعة آلاف من السكان على بقعة منسية من شبه الجزيرة العربية. وقبل 40 عاما، كان تهريب الذهب إلى الهند أحد أكبر القطاعات التجارية فيها. وبعد انسحاب القوات البريطانية في أوائل سبعينات القرن الماضي مما كان يسمى بـ"دويلات الهدنة"، أصبحت المشيخات السبع المحلية تدعى الإمارات العربية المتحدة. كانت أبو ظبي الأغنى لأنها تحتوي على المقدار الأكبر من مخزون النفط، لكن دبي كانت تتمتع بروح المبادرة التجارية.

في ثمانينات القرن الماضي، في ظل حكم الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، ومن ثم ابنه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، طورت دبي ميناءها الحر الضخم، في الوقت الذي كانت فيه إيران والعراق تتحاربان في الجوار وبدأت ملاعب الغولف، التي كانت تحافظ على اخضرارها بفضل ملايين الغالونات من المياه المحلاة، تغير المعالم الطبيعية، وبحلول تسعينات القرن الماضي، كانت دبي تنشئ منتجعات بارزة مثل فندق برج العرب الذي بني بشكل شراع. كما أنها بدأت تستغل تقنيات حديثة وأنشأت "مدينتين" للإنترنت والإعلام تجعلانها مركزا مهما للاتصالات بقدر ما هي مركز مهم للشحن البحري والملاحة الجوية. وفي غضون خمس سنوات فقط، من عام 1995 إلى عام 2000، ازداد عدد سكان دبي بنسبة 25 بالمائة ليصل اليوم إلى 1.6 مليون شخص. الأكثرية الساحقة منهم هم من الأجانب الذين يأتون للعمل في كل طبقات المجتمع، بدءا بالعمل اليدوي وصولا إلى المناصب الإدارية العالية. عام 2007، لم يكن عدد مواطني الإمارات يتعدى الـ864 ألفا مقارنة بـ3.6 مليون عامل أجنبي. يقول خان من سيتي غروب: "مع أن تطوير البنى التحتية كان سريعا، فإن عدد الأجانب الذين تدفقوا إلى المدينة فاق طاقتها على استيعابهم" لكن حتى وإن كانت دبي بحاجة إلى فترة استراحة قسرية، فإن من غير المرجح أن تتخطى هذه الأزمة من دون أضرار فأبو ظبي، بعد سنوات كثيرة من مساهمتها في تمويل نمو دبي ومراقبتها لإمارة تكتسب سمعة بأنها مبدعة ومثيرة، تسعى الآن إلى الاستحواذ على حصة أكبر في هذا المجال. يقول خان: "من غير المرجح أن يتم إصدار بيان رسمي، لكن المساعدة الاستراتيجية من أبو ظبي مرجحة". وكذلك ازدياد سيطرتها. فأبو ظبي تطغى على الحكومة الفيدرالية في الإمارات العربية المتحدة، والأسبوع الماضي، تم تعديل الدستور الفيدرالي بشكل لافت لمنع رئيس الوزراء (الشيخ محمد من دبي) ومعاونيه ووزرائه الفيدراليين من القيام بأي "عمل تجاري أو إداري" ومنعهم من إبرام أي اتفاقيات تجارية مع الحكومات الفيدرالية أو المحلية. كيفية تطبيق ذلك غير واضحة، فمن نواح كثيرة، دبي قائمة على محمد آل مكتوم، لكن الرسالة كانت واضحة جدا: أبو ظبي هي المسؤولة الآن.في غضون ذلك، تأخذ الإمارات استراحة بكل معنى الكلمة، أولا لمناسبة عيد الأضحى ومن ثم عيد الميلاد. ومن غير المرجح الإعلان عن أي مبادرات كبيرة جديدة قبل بداية السنة الجديدة، هذا إن تم الإعلان عن أي مبادرات. لكن التصدعات تتزايد. لنأخذ مثلا منتجع أطلنتس الجديد. فهو مشروع مشترك بين مجموعة "سول كيرزنر" الجنوب أفريقية للمقاولة وشركة "نخيل" العقارية في دبي التي بنت جزيرة نخلة الجميره وغيرها من المشاريع العقارية شديدة الفخامة على طول الشاطئ. بعد أيام من افتتاح المنتجع، أعلنت شركة نخيل أنها ستصرف 500 موظف، أي ما يقارب 15 بالمائة من موظفيها العالميين. يقول رجل أعمال لبناني يملك أصولا كثيرة في دبي: "المسؤولون عن شركة نخيل أنفقوا 20 مليون دولار ثمنا للألعاب النارية وهم لا يملكون أموالا تكفي لدفع أجور موظفيهم. إنها كارثة".في غضون ذلك، حتى الأغنياء يشعرون بالضائقة. الأسبوع الماضي، قام مالك إحدى الفيلات المبنية على الطراز المتوسطي على شاطئ جزيرة نخلة جميرة المطلة على منتجع أطلنتس بتخفيض سعرها من 4.9 مليون دولار إلى 3.6 مليون دولار ومن ثم 3.13 مليون دولار، وعرض حتى تقديم سيارته البنتلي عند إتمام الصفقة. يقول الوكيل العقاري أنتوني جريش: "أموال زبوننا عالقة في الأسواق المالية وهو بحاجة ماسة إلى المال لإدارة أعماله. ومع ذلك، لم يشترها أحد. لعلنا سنبيع سيارة البنتلي على حدة. لا أعرف". كلا، هذه ليست دبي المعهودة على الإطلاق.

*ونيك سامرز في نيويورك - بمشاركة فيفيان سلامة في دبي

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:newsweek.alwatan.com