وجهة نظر اقتصادية - هل تسلك أميركا «طريق الحرير»؟

 

عبدالرحمن أياس

 

 

تحاول الولايات المتحدة إقناع الصين ودول الخليج بضخ بعض مما تجمّع لديها من أموال في النظام المالي العالمي الذي يجاهد للخروج من أسوأ أزمة له منذ «الركود الكبير» عام 1929. وفي خضم الأزمة، التي شلّت قطاع الائتمان وبدأت في الولايات المتحدة إفراطاً في منح القروض السكنية لأناس أوضاعهم المالية غير مستقيمة، تختلس واشنطن النظر إلى الصندوق السيادي الصيني الذي تراكمت أمواله بفضل الفائض التجاري للعملاق الآسيوي مع معظم بلدان العالم، وفي طليعتها الولايات المتحدة نفسها التي آثرت الوقوع في عجز تجاري تلبية لرغبة شركاتها ذات النفوذ الكبير في نقل عملياتها إلى الصين، لا استجابة لمقتضيات مصلحتها القومية، وإلى الصناديق السيادية الخليجية التي نمت في ظل الطفرة النفطية الأخيرة.

في المقابل، ثمة من يفكر في الصين ودول مجلس التعاون الخليجي في تعزيز التعاون المالي والاقتصادي بين العملاق الآسيوي والدول الست تداركاً لعواقب الأزمة المالية على اقتصاداتها، قبل الالتفات إلى الاقتصاد الأميركي وقطاعه المالي، وهي عواقب بدأت تذر بقرنها تباطؤاً في النمو الصيني من نسبة مئوية مؤلفة من رقمين إلى ثمانية في المئة فقط متوقعة هذه السنة والسنة المقبلة، وتراجعاً كبيراً في الطفرة العقارية في الخليج، بدأ يظهر إعادة لترتيب البيت الداخلي في دبي التي قامت نهضتها على هذه الطفرة تحديداً.خلال «أسبوع مركز دبي المالي العالمي» الشهر الماضي، اقترح فيكتور تشو، رئيس مجلس إدارة «فرست إيسترن إنفستمنت بنك»، المؤسسة الأكبر في الصين في قطاع الاستثمار المباشر، «إحياء طريق الحرير»، مالياً هذه المرة، بحيث تتعاون الصين ودول الخليج لإنعاش النظام المالي العالمي. وتوقع تدفقاً للاستثمارات الصينية إلى الخليج، «لأن الصين تريد ان تضمن استمرار تدفق الموارد إليها». وكثر الحديث منذئذ عن «طريق الحرير الجديدة» وتنويعات أخرى على التعبير الذي أطلقه تشو.كانت الصين تبحث لسنوات عن موارد لتلبية متطلبات اقتصادها النامي بسرعة كبيرة، أقله للإبقاء على النمو عند معدلاته الحالية، ان لم يصل الأمر إلى تعزيز هذا النمو إلى مستويات أكبر. كان هذا طبعاً قبل الأزمة التي تخشى الصين ان تلجم طفرتها التجارية.

وبعدما ارتبطت الصين بعقود لتطوير الموارد واستيرادها مع دول كثيرة، جاءت السعودية في طليعتها مع المشاريع النفطية التي أطلقتها مع الصين، إلى جانب دول أفريقية كثيرة، من بينها السودان، لا بد ان الصين ستسعى قبل أي شيء آخر إلى توثيق أواصر التعاون على صعيد الموارد مع دول الخليج، إنقاذاً لنموها الاقتصادي المتباطئ والمهدد بتراجع كبير ان انهار قطاع البيع بالتجزئة في الولايات المتحدة الذي يعتمد إلى حد كبير على الواردات من الصين، سواء منها الصيني أو غير الصيني المصنوع في الصين حيث اليد العاملة رخيصة وجمع الخليج أموالاً طائلة خلال الطفرة النفطية الأخيرة التي أوصلت سعر برميل النفط إلى 147 دولاراً في تموز (يوليو) الماضي. وستضخ دوله من دون شك كثيراً من هذه الأموال في إنعاش قطاعات تأثرت بالأزمة المالية العالمية، خصوصاً القطاع العقاري. ومع إعادة دول خليجية النظر في مشاريع كثيرة، عقارية وغير عقارية، لا بد أنها ستعطي ترشيد قطاعاتها الأولوية في أي إنفاق من صناديقها السيادية.

في ظل هذا الوضع، يبدو ان مساعدة الولايات المتحدة على تجاوز أزمتها ستحتل مرتبة ثانوية في الأجندات الاقتصادية للصين ودول الخليج، أقله في المستقبل القريب. فعلى صعيد سندات الخزينة الأميركية، التي أصبحت الصين المالك الأكبر لها، وذلك في مسعى منها للتخلص من فائض الدولار المتدني السعر في السنوات الأخيرة، قد تتردد الصين في شراء الإصدارات الجديدة التي ستكون أساسية لتمويل خطط الإنقاذ والإنعاش الأميركية. وعلى صعيد الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة، التي تركزت خصوصاً في القطاع المالي الأميركي، فستتباطأ على أقل تقدير، بعدما بات هذا القطاع في وضع لا يُحسد عليه وللسياسة حصّتها. فالمخططون الإستراتيجيون العسكريون الأميركيون لا ينظرون بعين الود إلى الصين والدول العربية والإسلامية، بما فيها دول الخليج وبسبب المخططين أنفسهم، وجلّهم من اليمين الأميركي المتطرف، كاد الكونغرس ان يبطل استثمارات صينية وخليجية في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة لولا التوصل إلى تسويات في اللحظات الأخيرة ولا تزال استثمارات «سنووك» الصينية و «موانئ دبي العالمية» الإماراتية في الولايات المتحدة وما واجهته من عقبات في السنوات الأخيرة ماثلة في الأذهان.لا مناص من إحياء «طريق الحرير» بين الصين والخليج، تعزيزاً لمصالح الطرفين وكثير من هذه المصالح مشترك لكن سلوك الولايات المتحدة هذه الطريق متى عُبِّدت أمر آخر، خصوصاً عام 2009 الذي يُتوقع ان يشهد متاعب مالية جديدة في الولايات المتحدة أولاً وبريطانيا ثانياً ومنطقة اليورو واليابان ثالثاً.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat.com