"الماء تحول إلى سلاح في صراع الشرق الأوسط"

 

محمد شريف

 

 

تحول الماء إلى سلاح يُستخدم في صراع الشرق الأوسط!.. هذه هي الخلاصة التي توصلت إليها دراسة أعدها معهد جنيف لأبحاث السلام GIPRI أشارت إلى أن الفارق في استخدام المياه يوميا يتراوح ما بين 60 لتر للفلسطيني و400 لتر للإسرائيلي و 800 لتر للمستوطن اليهودي وتستعرض الدراسة التي أصدرها معهد جنيف لأبحاث السلام تحت عنوان "الصراع والتعاون بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مجالات الماء والسلام"، المشاكل التي تواجه مسالة تقاسم المياه بين الفلسطينيين والإسرائيليين، والتعقيدات التي طرأت على هذه القضية الشائكة منذ التوصل إلى اتفاق أوسلو (سبتمبر 1993) الذي وضع أسسا وقواعد لمحاولة خلق تعاون بين الطرفين لحل هذه المشكلة .الدراسة التي صدرت في كتاب يحتوي على 190 صفحة حاول معدّوها أن تضم جملة من الأبحاث التاريخية والقانونية توضح أبعاد وسيلة إضافية تستخدم بقوة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي تتمثل في الموارد المائية وقد توصلت الدراسة إلى جملة من الخلاصات تفيد بأن الفوارق القائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في مجال استخدام المياه شاسعة وعميقة، وأن التعاون الحتمي بين الطرفين حتى في أتعس أوقات الصراع يواجه العديد من العراقيل، وأن هذه المشكلة التي لها حلول تقنية (مثل تحلية مياه البحر وغيرها) تعترضها عقبات بسبب تعثر مسار عملية السلام وباختصار، فإن "الحل يكمن في إنهاء الاحتلال"، مثلما قال لوران كاليجي، أحد معدي الدراسة.

فوارق صارخة تتفاقم باستمرار

تشير الدراسة إلى أن الموارد المائية في المنطقة الفلسطينية الإسرائيلية، تتمثل في نهر وادي الأردن وروافده، وفي المياه الجوفية الجبلية والمياه الجوفية الساحلية، ولكن الفوارق تتمثل في أن إسرائيل تستأثر بحوالي 80% من المياه الجوفية الجبلية المخزنة في معظمها تحت أراضي الضفة الغربية وبالاعتماد على دراسات قام بها أخصائيون إسرائيليون، تضيف الدراسة بان إسرائيل تستهلك سنويا انطلاقا من اراضيها حوالي 400 مليون متر مكعب من المياه الجوفية الجبلية، وتضيف لذلك حوالي 75 مليون متر مكعب سنويا لصالح المستوطنين اليهود تستخرجها من الأراضي المحتلة. وتبعا لذلك لا يزيد ما يتبقى للفلسطينيين من حصة المياه الجوفية عن 150 مليون متر مكعب سنويا وما ينتج عن ذلك بالنسبة للاستهلاك الفردي يوضح جليا الفرق الشاسع في الاستهلاك بين الفلسطينيين والإسرائيليين بمختلف فئاتهم. إذ يقدر الاستهلاك اليومي لمواطن فلسطيني في الضفة الغربية بما بين 6 لترات و 120 لتر أي بمعدل يتراوح ما بين 70 و 90 ليتر في اليوم وللشخص الواحد. أما معدل استهلاك الفلسطيني المقيم في قطاع غزة فلا يزيد عن 60 لتر يوميا وبجودة أقل.هذا في الوقت الذي تبلغ فيه نسبة الاستهلاك اليومي للإسرائيلي المقيم داخل حدود دولة إسرائيل قبل عام 1967 أكثر من 400 لتر، وهي الكمية التي يمكن أن تصل بالنسبة لمستوطن يهودي في الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى نحو 800 لتر يوميا وقد تزداد هذه الفوارق تعقيدا نتيجة لعدة عوامل أوردتها الدراسة منها تراجع نسبة تساقط الأمطار مما يحول دون تجدد نسبة وجودة المياه الجوفية. وفي هذا السياق، تتوقع عدة دراسات أن يكون لتغيرات المناخية تأثير كبير على الموارد المائية بالمنطقة كما يشكل تفاقم ظاهرة تسرب مياه الصرف وتلويثها للمياه الجوفية مشكلة إضافية لكن الدراسة تذهب إلى أنها "لا زالت في مرحلة يمكن التحكم فيها لو تم اتخاذ التدابير اللازمة لمعالجة مياه الصرف"، حسبما جاء في دراسة قام بها برنامج الأمم المتحدة للبيئة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ويتمثل العامل الثالث المؤثر في تنامي استهلاك المياه بالمنطقة، في الزيادة السكانية الهائلة التي عرفتها إسرائيل، يضاف الى ذلك الاستهلاك المفرط لقطاع الزراعة الإسرائيلي لحوالي 65% من احتياطي البلد المائي على الرغم من أن القطاع الزراعي لا يمثل سوى 3% من إجمالي الناتج الداخلي مقارنة مع 33% بالنسبة للفلسطينيين وتقول الدراسة إنه في الوقت الذي يتأسس فيه الدعم المفرط الذي تقدمه إسرائيل إلى قطاعها الزراعي على دوافع إستراتيجية وسياسية ودينية، فإن الدعم الذي تقدمه السلطة الفلسطينية إلى القطاع الزراعي يمثل مسالة حيوية واقتصادية بالدرجة الأولى للفلسطينيين.

القانون الدولي.. وخصوصية الإحتلال

وإذا كانت الدراسة قد خصصت فصلا لإجراء تحليل قانوني لمسألة تقاسم موارد المياه بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فإنها لا تتردد في الإعتراف أيضا بأن الوضع "يتسم بالخصوصية" نظرا لعملية الإحتلال ويشير معدو الدراسة إلى أنه "على الرغم من أن عملية الاحتلال تحكمها قوانين ومعاهدات دولية مثل معاهدة لاهاي لعام 1907 ومعاهدات جنيف، فإن هذه المعاهدات لا تتخذ أبعادها السياسية إلا بقدر ما تعترف به إسرائيل من قوة تنفيذ وحيز التطبيق" وفي هذا الإطار، يرى ويليام أوسبوف، أحد المشاركين في إعداد الدراسة، أن "السلطات الإسرائيلية أخضعت مسالة المياه لقوانين عسكرية". وهو ما تم توضيحه عبر استعراض الدراسة لمختلف القوانين والمراسيم التي تحدد كيفية استغلال المياه، مثل المرسوم رقم 2 الصادر في 7 يونيو 1967 والذي ينص على أن "كل الموارد المائية الموجودة في الاراضي التي تم احتلالها حديثا هي ملك لدولة إسرائيل"، أو الأمر رقم 158 الصادر في غرة أكتوبر 1967 والذي ينص على أن "كل الآبار وكل المصادر أو المشاريع المائية هي تحت الإشراف المباشر للحاكم العسكري الإسرائيلي" وإذا كانت التضييقات الناجمة عن الاحتلال مثل الإغلاق ومنع تنقل الأفراد والمواد الغذائية كثيرا ما يتم التشهير في المحافل الدولية باعتبارها انتهاكا للقانون الإنساني الدولي، يُلاحظ أن العراقيل المفروضة من طرف دولة الإحتلال على استغلال المياه قلما تم التعرض لها من منظور القانون الإنساني الدولي في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وهذا على عكس ما حدث في نزاعات أخرى.

توصيات ذات صبغة عامة

وفي الندوة الصحفية التي عقدها معدو الدراسة في جنيف يوم 2 ديسمبر، تم التشديد على أن "المياه تستخدم كسلاح" وعلى أن "الحل يجب أن يوجد على المستوى السياسي، أي في إنهاء الاحتلال لأن الحلول التقنية والعملية موجودة مثل إقامة محطات تحلية مياه البحر، ومحطات معالجة مياه الصرف"، أما التوصيات التي أوردوها في ختام دراستهم، فاتسمت بالعمومية إذ أنها ركزت تارة، على دور المجموعة الدولية واللجنة الرباعية (الولايات المتحدة وروسيا والإتحاد الأوروبي والمم المتحدة) في إيجاد الحل السياسي، واهتمت تارة أخرى بتقديم النصح لكيفية التعاون حول مشاريع محددة خاصة بالمياه. كما حث معدو الدراسة على ضرورة تعزيز تمويل المشاريع المائية وضرورة نقل التكنولوجيا المساعدة في هذا المجال وللرد على بعض الانتقادات الصادرة بهذا الخصوص، أوضح غابرييل غاليسي، مدير معهد جنيف لأبحاث السلام بأن "هذه الدراسة التي جاءت وليدة نقاش دار في عام 2004، تهدف الى إيجاد حوار بين الأطراف المعنية في وقت لا ترغب فيه لا المجموعة الدولية ولا اللجنة الرباعية في تحريك المسار السلامي بين الإسرائيليين والفلسطينيين".أخيرا، وعلى الرغم من عدم توفر الدعم الذي كان ينتظره القائمون على الدراسة من جانب الدبلوماسيين لهذه المبادرة، يأمل معدوها في الحصول على مساعدات تتيح لهم إمكانية إصدار ترجمتين بالعربية والعبرية لها.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق .

المصدر :swissinfo.ch