قلْ، ولا تقلْ في الإدارة -1-

 

المهندس فـؤاد الصـادق

 

 

في : المفاوضات ، المحاورات ، المناقشات ، إجتماعات العمل ، حل الأزمات والنزاعات ، إدارة الصراعات ، نشاطات إصلاح ذات البين ، وفي عمليات تسويق الأفكار والسلع والخدمات والترويج لها :

قلْ لمحاورك : الفكرة فكرتك لأن أكثر الناس يحبون منْ ينسب الفضل لهم ، ولأنهم عادة يتحمسون لأفكارهم ، ويعملون بها .

ولاتقلْ له : الفكرة فكرتي لأن أكثر الناس يكرهون منْ ينسب الفضل لنفسه ، ولأنهم عادة لايتحمسون لأفكار غيرهم ، ولايعملون بها كما يتحمسون لأفكارهم ، ويعملون بها.

نعم دع ْ محاورك يشعر تماماً بأن الفكرة فكرته وليست فكرتك حتى إذا لم ينازعك هو في ذلك أوبدا لك أنه لم يهتم بملكية الفكرة .

قابلت منذ أيام موظفاً مرموقاً لمؤسسة كبيرة ، وبينما كنت مسترسلاً في السؤال عن المؤسسة ، ومديرها ، ومسؤوله المباشر قطع كلامي بالقول لقد تركت العمل في تلك المؤسسة لأن مسؤولي المباشر أناني بل نرجسي ضعيف النفس يشعر في داخله بالنقص فيحاول الصعود على أكتاف الأخرين !!

قلت : وكيف ؟

أجاب متألماً : في إجتماع عمل تقدمت بمقترح لحل مشكلة مطروحة على بساط البحث منذ وقت طويل فشرع مسؤولي المباشر ، وهو صديق قديم لي ، والذي كان يدير الإجتماع يجتهد في تضعيف وتفنيد الحل المقترح ليبادر بعد فترة ، وفي إجتماع لاحق بتقديم نفس مقترحي السابق للتبني فالتنفيذ... فقلت مع نفسي هذه سرقة لايمكن السكوت عنها وفعلاً بدأت في الدفاع عن حقي ، وتحول البحث الى مراء ومجادلة أنتهت بتقديم إستقالتي في الإجتماع .

التألم الكبير لمحدثي ذكرني بالمروي عن الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام :

( منْ لم يتغافل ولا يغض عن كثير من الأمور تنغصت عيشته )( 1 )

والمروي عن الرسول الأكرم  صلى الله عليه وآله سلم  :

( أورع الناس منْ ترك المراء وإنْ كان محقاً ) ( 2 ) .

المراء : هو المجادلة على سبيل المنازعة والمغالبة .

والمروي عن الإمام  جعفر الصادق عليه السلام  :

( إن من التواضع ... أن يترك المراء وإنْ كان محقاً ) ( 3 ) .

والمروي عن الإمام علي الهادي عليه السلام :

( المراء يفسد الصداقة القديمة ، ويحلل العقدة الوثيقة ، وأقل ما فيه أن تكون فيه المغالبة ، والمغالبة أس أساس القطيعة )( 4 )

والمروي عن الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام : ( صلاح حال التعايش والتعاشر ملء مكيال ثلثاه فطنة وثلثه تغافل ) ( 5 )

أجل جميل أن يـُنسب الفضل لأهله لكن التواضع جميل أيضاً ، وكذلك هو الإيثار لحساب حل المشكلات ، ولامناص من الإلتزام دائماً بالأهم فإذا كان الأهم بالنسبة لك تنفيذ الفكرة ، وليس ملكية الفكرة ، وتطبيق الحل المقترح ، وليس لمنْ يعود الفضل في إكتشاف وتقديم الحل المقترح ... نعم إذا كان الأمر كذلك وجب عليك أن تحرص كل الحرص لكي يشعر مخاطبك بأن الفكرة فكرته وليست فكرتك فإنه سيقبلها بسهوله ويتحمس لها ويحرص على تطبيقها والترويج لها وذلك بحاجة الى تدريب وصبر وإحتمال وتغافل وعقلانية فعن الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام : نصف العاقل إحتمال ، ونصفه تغافل ( 6 )  بل المطلوب أكبر من ذلك بأن ينسب سرقة الفكرة لنفسه في مثل تلك المواقف إذا  أراد أن يكون خير الإخوان لأخيه كما في المروي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام : ( خير إخوانك من ْ نسبَ ذنبك إليه ) ( 7 )

فحب الظهور لايعالج بحب الظهور بل بالتنزّه الكامل عن حب الظهور وفي قصص علماءنا الدواء الشافي لهذا الداء وأمثاله فقد روى سماحة المرجع السيد صادق الحسيني الشيرازي في تنزّه المقدّس الأردبيلي عن حبّ الظهور القصة التالية : لقد نقلوا أن الشيخ البهائي رضوان الله تعالى عليه في زمن مرجعيته وزعامته للشيعة ذهب ذات مرة إلى زيارة العتبات المقدسة في العراق، والتقى بالمقدّس الأردبيلي رضوان الله تعالى عليه ـ وكان حينها من أكبر الشخصيات العلمية ـ في مدينة النجف الأشرف. فتباحثا حول مسألة ما في مجلس كان غاصّاً بالعلماء والشخصيات الدينية. وبعد مناقشات كثيرة وردّ وإثبات استطاع الشيخ البهائي أن يثبت رأيه ويكسب النقاش ثم بعد عدة أيام ذهب هذان العالمان الجليلان إلى مقبرة وادي السلام. وبعد أن قرءا الفاتحة جلسا في جانب ما وطرح المقدس الأردبيلي المسألة نفسها وناقشها مع الشيخ البهائي واستطاع أن يقنع الأخير برأيه بأدلّة محكمة وقويّة. فقال الشيخ البهائي: هل كنت تعلم بهذه الأدلة في بحثنا ذلك اليوم أم علمت بها بعد ذلك؟ قال الأردبيلي: نعم كنت عالماً بها ذلك اليوم، لكنني لم أطرحها خشية أن يقلل من شأنكم العلمي وتصغر شخصيتكم في عيون الحاضرين وأنتم في مقام الزعامة المطلقة للمذهب لقد مرّ على عصر الأردبيلي زهاء أربعمائة سنة وتخرّج الآلاف من الطلاب من حوزة النجف الأشرف ولكن الكثير منهم لم يبق منه حتى الاسم. وسبب ذلك هو أن ما كان لله تعالى ينمو وما كان لغيره فهو فانٍ وزائل. أما المقدس الأردبيلي فقد بقي ذكره وسيبقى اسمه مخلّداً لأنه كان يعمل لله تعالى فقط . ومن ذلك هو ما ذكرته لكم أعلاه ( إنتهت القصة ) ( 8 ).

فلابد من التواضع والتغافل حتى لمنْ يريد الترقي والتقدم والتسيد كما في الرواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام : ( أعظموا أقداركم بالتغافل فقد قال الله عز وجل : ( عرف بعضه وأعرض عن بعض ) ) ( 9 ) وقيل : التغافل من السؤدد .

التغافل فضيلة .

وتمام الجود الامساك عن ذكر المواهب

وقال الشاعر :

ليس الغبي بسيد في قومه....................لكن سيد قومه المتغابي ( 10 )

ويـُنقل في هذا المجال عن الرئيس الامركي ولسون أنه كان يعتمد على نصائح الكولونيل ادوارد هاوس ويقول هاوس كنت أزور الرئيس باستخدام سياسة معينة ولكنه لم يرضى عنها وبعض بضعة ايام وبينما نتناول العشاء دهشت عندما وجدته يردد اقتراحى السابق ذاته كما لو كان من ابتكاره هو لم يقم هاوس بمقاطعتة بل على العكس كان من الكياسة بحيث لم يهتم لمن ينسب الفضل بقدر اهتمامه بتنفيذ فكرته فإذا ما أردت أن تجتذب الناس الى وجهة نظرك وتغريمهم باعتناقها دع الطرف الاخر يشعر بأن الفكرة فكرته هو أصلا .

الخلاصـة :في : المفاوضات ، المحاورات ، المناقشات ، إجتماعات العمل ، حل الأزمات والنزاعات ، إدارة الصراعات ، نشاطات إصلاح ذات البين ، وفي عمليات تسويق الأفكار والسلع والخدمات والترويج لها :

قلْ لمحاورك : الفكرة فكرتك لأن أكثر الناس يحبون منْ ينسب الفضل لهم ، ولأنهم عادة يتحمسون لأفكارهم ، ويعملون بها .

ولاتقلْ له : الفكرة فكرتي لأن أكثر الناس يكرهون منْ ينسب الفضل لنفسه ، ولأنهم عادة لايتحمسون لأفكار غيرهم ، ولايعملون بها كما يتحمسون لأفكارهم ، ويعملون بها.

نعم دع ْ محاورك يشعر تماماً بأن الفكرة فكرته وليست فكرتك حتى إذا لم ينازعك هو في ذلك أوبدا لك أنه لم يهتم بملكية الفكرة .

اليوم الأول من عيد الأضحى المبارك - 9-12-2008

...............................................

المصـادر :

( 1 ) غرر الحكم : 9149 .

( 2 ) أمالي الصدوق : 28 / 4

( 3 ) معاني الأخبار : 381 / 9 .

( 4 ) بحار الأنوار ج 75 ص 369

( 5 ) :  تحف العقول - ابن شعبة الحراني - ص 359

( 6 )  : غرر الحكم : 9968

( 7 ) : الدرة الباهرة من الأصداف الطاهرة - الشهيد الأول - ص 11

( 8 ) :من كلمة لسماحته ألقاها بجمع من أئمة الجمعة والجماعة من مدينة النجف الأشرف في 24 ربيع الثاني 1427 للهجرة.

( 9 ) : مستدرك سفينة البحار - الشيخ علي النمازي الشاهرودي - ج 8 - ص 5

( 10 ) : شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج 19 - ص 44