فن الإعتذار

 

 

أثناء الحرب الأهلية الأمريكية، قام الكولونيل سكوت، وهو أحد قادة القوات التي تقوم بحراسة واشنطن العاصمة من الهجوم الذي قد يحدث من قبل قوات التحالف، بزيارة الرئيس أبراهام لينكولن.

كانت زوجة سكوت قد توفيت في حادث تصادم باخرة في خليج تشيسبيك عندما كانت في طريق العودة إلى موطنها بعد رحلة إلى واشنطن لرعاية زوجها المريض وكان الكولونيل سكوت قد إلتمس من قائده أن يعطيه إجازة لكي يتمكن من حضور مراسم دفنها ولمواساة أبنائه، ولكن طلبه قوبل بالرفض؛ فقد كانت هناك معركة وشيكة وكانت هناك حاجة ملحة إلى جميع الضباط ولأن سكوت كان موقنا ً من أن الحق في جانبه، فقد قام بتمرير طلبه حسب التسلسل الصحيح للقيادة حتى وصل إلى قائد الجيش؛ إدوين ستانتون، الذي رفض طلبه هو الآخر، لذا فقد قام الكولونيل سكون بتصعيد طلبه إلى أعلى مستوى.

وصل سكوت إلى المكتب الرئاسي في وقت متأخر في أحد أيام السبت، وكان هو آخر من سمح له بمقابلة الرئيس في هذه الليلة. استمع لينكولن إلى القصة، وإنتظر سكوت رد فعله، وعندئذ إنفجر لينكولن قائلا ً: ” ألا يجدر بي أن أستريح أبدا ً؟ ألا يوجد أي وقت أو أي مكان أستطيع أن أستريح فيه من هذه الطلبات الملحة؟

لماذا تلاحقني هنا بمثل هذا الطلب؟ لماذا لا تذهب إلى المكتب المختص بشؤون الجيش حيث يوجد المسئولون المكلفون بهذه الأمور؟ وعندما أخبره سكوت عن رفض ستانتون لطلبه، رد عليه الرئيس قائلا ً: “ إذا ً فكان حري بك ألا تقطع كل هذه المسافة إلى هنا، لأن السيد ستانتون على دراية كاملة باحتياجات الساعة، وهو يعلم أيضا ً القواعد الضرورية، والقواعد توضع لكي يتم تنفيذها “.

“ سوف يكون خطأ مني إذا ما تغاضيت عن قراراته وقواعده الخاصة بهذا الشأن، فمن الممكن أن يتسبب ذلك في كارثة محققة عندما تقوم القوات بالتحرك. كما أنك يجب أن تتذكر أن لدي مهام أخرى كثيرة ولا يمكنني أن أجد الوقت للنظر في مثل هذه الطلبات الآن، فلماذا جئت إلى هنا لتناشد إنسانيتي؟“.

“ ألا تعرف أننا في غمرة حرب الآن؟ وأن المعاناة والموت يضغطان علينا جميعا ً؟ وأن التصرفات التي تتسم بالإنسانية والعطف والتي كنا نقوم بها بكل فرحة في أوقات السلم قد وطئت بالأقدام وحرمت من بعد قيام الحرب؟ وأنه لم يعد لها مكان الآن؟ ليس أمامنا الآن إلا واجب واحد، وهو أن نقاتل!“.

“ لقد سحق الحزن كل أسرة على هذه الأرض، ولكن لا يجب أن يأتي الجميع إليّ طلبا ً للمساعدة. إنني أحمل على كاهلي أعباء ً تفوق قدرة أي إنسان. عليك الآن بالذهاب إلى إدارة شئون الحرب، فهي الجهة المختصة بالتعامل مع مثل طلبك. وإن لم يكن بمقدورهم مساعدتك، يتوجب عليك في هذه الحالة أن تتحمل أعبائك، كما يتوجب علينا جميعا ً، حتى تنتهي هذه الحرب. كل شيء يجب أن يطوّع لخدمة الواجب الأسمى وهو إنهاء هذه الحرب“ وإذ ذاك، عاد سكوت مثقلا ً بالهموم والأفكار.

في صباح اليوم التالي، سمع سكوت طرقة على الباب، ففتحه ليجد الرئيس واقفا ً أمامه. وجذب الرئيس يدي سكوت ليصافحه ثم إبتدره قائلا ً: “ عزيزي الكولونيل، لقد كنت في غاية الفظاظة ليلة أمس، ولا يوجد لدي أية أعذار. لقد كنت في غاية الإرهاق، ولكن لم يكن لي الحق في معاملة رجل مثلك؛ وهب حياته لخدمة بلاده، في هذه الطريقة الوقحة، والأكثر من ذلك أنك الآن تعاني ألما ً عظيما ً وحزنا ً شديدا ً لموت زوجتك. لقد قضيت ليلة مليئة بالندم بالأمس، وقد جئت إليك الآن لألتمس منك أن تسامحني“ ثم أخبره أنه رتب الأمور حتى يستطيع حضور جنازة زوجته.

وقام الرئيس الأمريكي لينكولن باصطحابه في عربته الخاصة إلى الميناء ليستقل الباخرة، ودعا له بالتوفيق نعم؛ هذا ما أسميه فن الإعتذار، وقلما يتقنه الأناس في يومنا هذا. لقد كان الرجل يرزخ تحت وطأة أعباء الحرب بكل ما يحيط بها من معاناة وموت ولهذا تصرف لينكولن على ذاك النحو لكن، وفي صبيحة اليوم التالي، ذهب الرئيس بنفسه ليعتذر لـ سكوت عما بدر منه. لم يستخدم لينكولن كلمات رائعة فقط؛ بل إن سلوكه هو الذي أعطى لهذا الإعتذار قوته وفعاليته لقد كان لينكولن على أتم استعداد للتسليم بخطئه والإعتراف به أمام نفسه، كما أنه قد تحمل المسؤولية الكاملة عن أفعاله، وأدرك بصدق أنه في حاجة شديدة إلى تقديم الإعتذار إلى الشخص الذي أساء إليه. وهو الإعتذار بالطريقة الصحيحة، فالكثير منا لا يرغب بالإعتراف بخطأه، أو لا يرغب في أن يقر بالخطأ الذي صدر منه، خوفا ً في أنه قد يفقد الثقة التي حازها، او يفقد هيبته، أو أيا ً كانت الأسباب.

نستنتج من كل هذا التالي - حين صدور خطأ منا - :

أكون صادقا ً وأقر أمام نفسي بأنني قد ارتكبت خطأ ما وأحتاج أن أكفر عنه.

أتحمل كامل المسؤولية عن أفعالي، وأدرك بصدق أنني أحتاج إلى أن أقدم الإعتذار، بغض النظر عن النتيجة، إلى أي شخص ألحقت به أي أذى.

أسلّم بأن الإعتذار هو ضرورة ملحة وأقدم عليه بأسرع ما يمكنني.

أخبر كل من أصابه ضرر بسببي عن الخطأ الذي إرتكبته بالتحديد، وأخبرهم بمشاعري حيال ما إقترفته.

أكمل إعتذاري بالإستقامة، فأعيد التأكيد لنفسي على أنني أفضل من ذلك السلوك السيئ الذي صدر عني، وأسامح نفسي عنه

بالنهاية، أبرهن على إلتزامي بعدم تكرار الخطأ وبأن أغير من سلوكي.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:unseencolors.com