صعوبة التشخيص... طبياً واقتصادياً

 

على بن طلال الجهني

 

ليس المراد هنا تشخيص الأمراض فقط. ولكن قد يساعد إعطاء مثل من حقل الطب على إيضاح المقصود. فعلى سبيل المثال، لو كان هناك شخص متخصص في الصيدلة، أو في علم الأحياء، أو في كيمياء الأحياء، ولديه إلمام كامل بأسماء الأدوية، ويعرف من اليونانية واللاتينية ما يمكنه بسهولة من قراءة، وحتى فهم، كل ما جاء في مقالة علمية طبية منشورة في أشهر دورية طبية مثل (نيوانغلاند جورنال)، فهل هذا يعني أن ما يستنتجه الشخص المتخصص في الصيدلة مـــن قـــراءة هذه المقالة، هو ما يستنتجه طبيب متخصص قرأ المقالة نفسها؟

إن ذوي العلم يؤكدون أن معرفة معاني الألفاظ في حقول المعرفة المنهجية لا تكفي، وهذه مشكلة حقيقـــية من مشكلات الإعلام الحديث، بوسائله وقدراته البشرية الهائلة، التي مكنت أهم الوكالات والصحف القيادية في العالم، وشبكات التلفزة، من تعيين محررين متخصصين في متابعة تطورات حضارية وعلمية واقتصادية، يهتم بها عدد كبير من الناس. وبما أن كل وسيلة إعلامية تهدف إلى الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الناس، لاجتذابهم إلى ما تذيع أو تنشر؛ فإن هناك إعلاميين متخصصين في متابعة التطورات الطبية، وهؤلاء ينقلون عن مصادر طبية أشياء كثيرة متنـــاقضة أحياناً، وتضر أكثر مما تنفع - في غالب الأحيان - وخصوصاً ما ينشر عن أمراض خطيرة كالسرطان وأمراض القلب والشرايين، أو مزمنة كالسكر وضغط الدم. وما ينقله الإعلاميون المتخصصون عادة دقيق، ولكن مصدر المشكلة أنهم لا يعرفون إلا أجزاء من الموضوع. فلنفرض مثلاً أن دراسة علمية استنتج المشرفون عليها أن هناك علاجاً معيناً يساعد في خفض الضغط. فينقلها إعلامي قرأ الموضوع وفهم ما جاء فيه.

إذاً، ما المشكلة؟

المشكلة أنه قد لا يعرف عدد الأفراد الذين خضعوا للتجربة، ولا سنهم، ولا ظروفهم الصحية، ولا من أي عرق أو جنس، والأهم أنه قد لا يعرف أن هذا العلاج فعلاً يؤدي إلى خفض الضغط، إلا أنه قد يضر أعضاء حيوية أخرى كالقلب أو الكبد أو أي عضو آخر.

إن الإلمام بالمعاني والألفاظ لا يكفي، وموضوع علمي منشور عن أمراض ضغط الدم يحتاج إلى قراءة طبيب ممارس متخصص في الكلى (وليس المسالك البولية)، ليس لتحديد معنى المنشور، وإنما لمعرفة دلائله ونتائجه التي يمكن تطبيقها، وعلى أية فئة من المرضى يمكن تطبيقها دون غيرهم.

ومنذ طفرة الأسهم وتحسن الأوضاع الاقتصادية، استُحدث في القنوات الفضائية، وفي بعض الصحف، من يسمون أنفسهم كتاباً اقتصاديين أو ماليين، ألموا بالمفردات الاقتصادية أو المالية، وبعضهم فهم معناها. وهذا الإلمام والفهم المعزول عن فهم بقية الموضوع، أغراهم باقتراح السياسات الاقتصادية لمعالجة كل ما يظهر لهم أنها أمراض اقتصادية.

أما من يسمون أنفسهم بمحللين ماليين، فهم مصدر مشكلة أخرى، لأسباب أخرى. أهمها أن المحلل إما أن يكون ملماً بموضوعه، ولكنه صاحب مصلحة، ولذلك رأيه مشوب بغرضه الشخصي. وقد ثبتت مثل هذه الأشياء في المحاكم الأميركية بعيد انفجار فقاعة الانترنت وأخواتها، في مستهل عام 2000، إلى درجة أن بعض القنوات المتخصصة في أسواق المال حالياً، تسأل من تنشر آراءه من المحللين، إن كان يملك هو، أو أحد أفراد أسرته، أو الشركة التي يعمل لها، شيئاً له علاقة مالية بالشركة التي يوصي بشراء أسهمها. ويحسن بالقنوات العربية عموماً والخليجية خصوصاً، التي تتابع أسواق المال، أن تجعل مذيعيها ومن يستضيفون، يعلنون إن كانت لهم أية مصلحة أو علاقة بمحفظة يديرونها أو أسهم معينة يذكرونها. والشيء نفسه ينبغي أن يصاحب كل ما ينشره المحللون، حفاظاً على مصالح الناس.

أما المحللون الذين يجمعون بين الجهل والمصلحة، فإن ذنبهم ينتقل إلى المشرفين على البرامج والمشرفين على التحليل في الصحف.

فالآراء الماليــة التـــي تهدف إلى بيع أو شراء، ليست من قبيل الرأي للجميع، إلا الجميع المحــــايد أياً كانت درجات علمه أو جهله. فالجــهل، فـــي نهاية المطاف، كالكذب «حباله قصيرة».

والشيء نفسه يلاحظ في ما يتعلق بالبطالة وإيجاد أفضل الحلول للقضاء عليها، أو التخفيف من شرورها. فكل ذي مصلحة، أو حتى غير ذي مصلحة ممن يجيد صياغة العبارات، يقترح يومياً الحلول التي يرى أنها مناسبة، ونادراً ما يكون من يضعون الحلول ألموا بأولى أولويات اقتصاديات البطالة.

والله من وراء القصد... .

و كل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور.

المصدر: الحياة اللندنية-23-5-2006