الرد على كيسنجر... من هو الضحية؟!

 

عيد بن مسعود الجهني

 

 

 

في عام 1973 وعلى اثر الحرب الإسرائيلية - العربية، برز دور منظمة «اوبك» في السيطرة إلى حد معقول على الأسعار والإنتاج، وتجاوز النفط دوره التجاري التقليدي ليكون قوة فاعلة في أروقة السياسة الدولية، اثر قطع إمدادات النفط عن الدول التي ساعدت إسرائيل ضد العرب، ما أدى إلى زيادة أسعار النفط في السوق الدولية بشكل مفاجئ لم تتوقعه الدول الصناعية، بل ولم تحضر نفسها له، فكان كناقوس الخطر لهذه الدول لتصحو من غفوتها الطويلة بالمعايير الاقتصادية ولم تتأخر الدول الصناعية عن الرد بقوة على «اوبك»، فجاءت الصحوة التي تزعمها مهندس السياسة الخارجية الأميركية آنذاك هنري كيسنجر، فقد اقترح الرجل في شهر كانون الأول (ديسمبر) 1973 على دولته والدول الصناعية، المستهلكة الرئيسية للنفط، تأسيس منظمة تتولى التخطيط لشؤون الطاقة تتصدى لمنظمة الدول المصدرة للنفط التي رأى أن أظافرها بدأت تبرز وأخذت تسيطر على السوق الدولية للنفط، ومن هنا يجب تقليم تلك الأظافر، فتم عقد اجتماع واشنطن الشهير في شباط (فبراير) عام 1974 الذي ضم الدول الأوروبية واليابان ولم يهدأ لكيسنجر بال حتى تم تأسيس المنظمة الدولية للطاقة IEA في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1974 للحد من هيمنة «اوبك»، وحددت برنامجاً واضحاً أطلقت عليه برنامج الطاقة الدولية International Energy Program.

وفي عام 1977 أقر وزراء تلك الوكالة هدفاً واضحاً للمنظمة ركز على خفض حجم الواردات النفطية بحيث لا يتعدى 26 مليون برميل في اليوم بحلول عام 1985 سعياً منها للحيلولة دون تمكين «اوبك» من السيطرة على إمدادات الطاقة، وحددت الوكالة أهدافاً ملزمة لأعضائها في ما يخص وارداتها من النفط خلال السنوات من 1980 إلى 1985، وفي الاجتماع الوزاري لوكالة الطاقة عام 1979 تم وضع سياسة موحدة لمواجهة منظمة «اوبك» التي حمّلها المؤتمر المسؤولية عن الاستمرار في زيادة أسعار النفط الخام.

وقد أثر ذلك على إجمالي إنتاج «أوبك»، إذ تدنى بنسبة كبيرة حتى وصل إلى 24.5 مليون برميل في اليوم، ومع ذلك لم تكتف الدول الصناعية بما وجهته لـ «اوبك» من ضربة قوية، بل عادت مرة أخرى، بعد أن انتهت اجتماعات «اوبك» التي عقدت في 26 حزيران (يونيو) 1979 في جنيف والتي تم فيها تعديل سعر نفط الإشارة ليصبح 18 دولاراً للبرميل الواحد، الدول الصناعية لتتحرك بسرعة، فعقدت مؤتمراً في طوكيو بتاريخ 28 حزيران 1979 حضره رؤساء تلك الدول لإيجاد الحلول للمشكلات النفطية وتخفيض استيرادهم من نفط «اوبك» وتنظيم سوق النفط العالمية، وقد نجحت الوكالة في إقناع الدول المصدرة بأن العالم يواجه أزمة طاقة عالمية تستدعي تعاون «اوبك» للمساهمة في حل الأزمة باعتبارها تهدد نمو الاقتصاد العالمي.

وبحسن نية معهودة في المنظمة، فقد استجابت بسرعة الريح لمطالب الدول لحل أزمة الطاقة، بل أكثر من ذلك، فقد استجابت لدعوة إعادة تدوير إيرادات النفط، أي إعادة صرف تلك الأموال التي دخلت خزائنها من إيرادات النفط بشكل سريع سواء داخل الدول المصدرة للنفط لاستيراد سلع انتاجية واستهلاكية، او في الخارج في شكل منح ومساعدات ومساهمات في المنظمات الدولية أو إيداعها في البنوك كودائع لأجل بدلاً من استثمارها بشكل حصيف وادخار عائداتها التي كانت طائلة للأجيال في المستقبل واستغلت وكالة الطاقة الدولية التي هي من بنات أفكار كيسنجر ارتفاع أسعار النفط في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي لتشوه صورة «أوبك»، حيث اعتبرتها تمثل الاحتكار والجشع الذي يريد امتصاص ثروات الشعوب خصوصاً في الدول الصناعية، وكان الهدف الانقضاض على «اوبك» وإضعافها بل وتدميرها إن أمكن ولم تكن تلك الاهداف سرية بل كانت معلنة للملأ.

وقد استطاعت وكالة الطاقة الدولية بالفعل، بتخطيط مدروس وموجه ان تسيطر على السوق النفطية الدولية، ما جعل قوى السوق تتحول لمصلحة الدول الصناعية المستهلكة بعد ان أجبرت «اوبك» على الانقياد لسياسات أعضاء وكالة الطاقة الدولية والتي رسمت سياساتها بدقة لخفض الطلب العالمي على النفط بل وانخفاض الأسعار في الوقت نفسه، ما جعلها تستفيد من انخفاض الأسعار إلى حد بعيد تعدى توقعات خبراء النفط، عندما تدنت الأسعار عام 1986 إلى اقل من 7 دولارات للبرميل ومع ارتفاع الأسعار زادت بلا شك إيرادات دول النفط، خصوصاً دول الخليج العربي، وبدأت خزائن دول «اوبك» تفيض بالدولارات التي يسعر بها (للأسف) النفط، وبلغت عائدات «اوبك» للفترة ما بين عام 2002 - 2007 نحو 2150 بليون دولار، وهذا الرقم الكبير مرشح للزيادة اذا بقيت اسعار النفط تدور بين 90 و100 دولار للبرميل وأمام هذا السيل العارم من الثروة، لم يتأخر هنري كيسنجر وزميله مارتن فيلدستين عن إطلاق صيحات التحريض النابعة من حقد دفين فأسرعا لكتابة مقال بعنوان The Power Of Oil Consumers نشرته صحيفة «انترناشيونال هيرالد تريبيون» بتاريخ 18 من هذا الشهر يحذران فيه من تكدس ثروات النفط في دول «اوبك» متّهمينها بابتزاز الدول المستهلكة من خلال تلاعبها في سوق النفط. ومغزى المقال يبرز بجلاء أن كيسنجر لم يتوقف منذ غادر وزارة الخارجية الأميركية عن توجيه النقد تلو النقد للعرب ولـ «اوبك» لكن كونه يصف «اوبك» بالاحتكار والابتزاز والتلاعب في سوق النفط الدولية، فهذا خطأ علمي ما كان للرجل أن يقع فيه، فالسوق ليست سوقاً لـ «اوبك» وحدها، فهناك الدول المنتجة خارج المنظمة ومنها دولته أميركا، وهناك شركات النفط الكبرى، والدول المستهلكة الرئيسية، فكل هؤلاء لاعبون كبار في السوق، وما يؤكد سطحية الطرح أن كيسنجر وفيلدستاين لم يعرفا بعد أن أعضاء «اوبك» أصبحوا 12 عضواً بعد انسحاب اندونيسيا أخيراً على رغم أن مقالهما نشر في 18 من هذا الشهر، أي بعد رحيل اندونيسيا عن المنظمة والشيء المثير للتساؤل أن الرجلين يتحدثان في مقالهما عن المبالغ التي ستدخل خزائن دول «اوبك» من عائدات النفط وقدّراها بأنها قد تصل إلى أكثر من تريليون دولار، إذا كان السعر عند 100 دولار، وهذا صحيح، لكن الأصح والذي لم يتضمنه مقالهما ان خزائن الدول الصناعية تفوز بنصيب الأسد من عائدات النفط الذي تنتجه الدول المالكة له، فهو يزيد كثيراً عن عائدات دول النفط نفسها، فمثلاً ذكرنا أن عائدات «اوبك» ما بين 2002 و2007 نحو 2150 بليوناً لكن الدول الصناعية دخل خزائنها أكثر من 2300 بليون دولار. هذا لم يعترف به كاتبا المقال ولم يذكرا كم يبلغ سعر البرميل من النفط ليصل إلى المستهلك النهائي في الدول الصناعية!

وعلى رغم أن الدول الصناعية تحصد من ثروات النفط أكثر بكثير مما يحصل عليه أصحابه الحقيقيون إلا أن هذا لم يرض الرجلين، فيقولان إن عائدات النفط تذهب الى عدد صغير من البلدان ذات الكثافة السكانية الضئيلة، وضربا مثلاً إمارة ابوظبي التي تملك ثروة مالية تبلغ أكثر من تريليون دولار من عائدات النفط، والرجلان يناقضان نفسيهما عندما يعترفان بأن هذه الأموال الفائضة يُستثمر معظمها في اقتصادات الدول المتطورة، فأموال النفط الفائضة معروف أن الدول بخاصة دول مجلس التعاون الخليجي تستثمر معظمها في الدول الصناعية وفي هذا دفع لعجلة نمو اقتصادات تلك الدول، هذا لأن الدول العربية بخاصة الخليجية منها كانت وما زالت عاجزة عن فتح قنوات استثمارية في بلدانها، ويكاد ينحصر الاستثمار فيها في العقارات والأسهم والحقيقة ان هذا لا يتعدى كونه تهويلاً وتضليلاً كبيراً، فدخل دول «اوبك» مجتمعة من النفط عند مقارنته بالناتج الإجمالي القومي لدولة مثل ايطاليا او فرنسا نجد انه لا يزيد كثيراً عن واحدة من تلك الدول مع ارتفاع أسعار النفط، فكيف إذا ما تمت مقارنته مع إجمالي الناتج القومي الأميركي الذي يبلغ أكثر من 14 تريليون دولار، والأوروبي الذي يتجاوز 11 تريليون دولار. اننا هنا نقارن قزماً بعملاق!

ومع ذلك فإن وضع الدول المنتجة للنفط لا يتوقف عند هذا الحد، بل تستورد كل حاجاتها من الإبرة إلى الصاروخ من الدول الصناعية التي تفرض السعر الذي تريده لمنتجاتها التي تضاعفت أكثر من خمس مرات خلال العقدين الماضيين، بينما النفط لم يتضاعف سعره اذا أخذنا في الاعتبار تدهور سعر صرف الدولار الذي يسعر به النفط والتضخم، وبذا لا يتجاوز السعر الحالي للنفط (عند مئة دولار) ما كان عليه عندما كان بحدود 40 دولاراً عام 1981، لكن الدول الصناعية التي أسست تنظيماً مناوئاً لـ«اوبك» (منظمة الطاقة الدولية)، لا تتوقف ولا يتوقف كيسنجر الذي اخرج مشروعها إلى حيز الوجود عن توجيه السهام إلى صدر «اوبك».

* مفكر سعودي - رئيس مركز الخليج العربي للطاقة والدراسات الاستراتيجية

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat.com