النفط والإسلام واليمين الأميركي

 

مروان اسكندر

 

 

الاقتصادي الاميركي جيريمي ريفيكن، رئيس مركز الدراسات الاقتصادية المستقبلية في واشنطن والاستاذ في كلية وارتن للعلوم المالية، وضع كتابا عام 2002 عنوانه "اقتصاد الهيدروجين"، خلاصته ان مستقبل الطاقة واستهلاكها في العالم يرتكزان على تطوير تقنيات تطوير وسائل خزن الهيدروجين واستهلاكه كوقود والهيدروجين هو أحد مكونات المياه والمكون الآخر هو الاوكسجين، وتاليا يمكن ان تعمم التقنية المطلوبة عالمياً لان المياه متوافرة في انحاء المعمورة وجدير بالذكر ان ثمة سيارات تعمل على وقود الهيدروجين حاليا. وأول من لحظ هذا الامكان كان المفكر المستقبلي الفرنسي جول فرن اواخر القرن التاسع عشر.

ان الحاجة الى تقنية الهيدروجين في رأي ريفيكن، تعود الى ان النفط والغاز متوافران في البلدان الاسلامية في المقام الاول والبلدان الصناعية التي تحتوي على الغاز والنفط واجهت ارتفاع الانتاج الى الذروة وبدء انخفاضه بشكل متسارع، كما هو الوضع في الولايات المتحدة وكندا وبحر الشمال وتالياً، يرى ريفيكن ان البلدان العربية النفطية ستكون الملجأ لاستمرار استهلاك الوقود السائل والغاز، لكن هذه البلدان عرضة للحركات الاسلامية المتطرفة. وليس هناك من مصدر آخر للنفط والغاز غير مستغل حاليا الى الحدود القصوى سوى روسيا، وكان قد اعتبر عام 2002 ان أسعار النفط والغاز سترتفع الى حدود الـ 100 دولار للبرميل، ويجب التذكير بأن السعر في ذلك التاريخ كان نحو 20 دولاراً البرميل.

ريفيكن ابدى تخوفه من ارتفاع الاسعار، وفي الوقت ذاته تخوف من استمرار ارتفاع درجات الحرارة في العالم بسبب استهلاك الوقود السائل واستهلاك الفحم الحجري في مصانع توليد الكهرباء. علما بان مصادر الطاقة هذه مسؤولة عن نسبة 75 في المئة من ارتفاع حرارة الكرة الارضية مع ما تسببه هذه الظاهرة من مخاطر تتمثل في ارتفاع مستويات مياه المحيطات وذوبان جبال الثلوج في القطب الشمالي في المقابل، فات ريفيكن ان الولايات المتحدة هي أكبر مستهلك للوقود السائل (25 في المئة من مجمل استهلاك الطاقة عالمياً) مع ان عدد سكانها لا يزيد على نسبة 4،5 في المئة من سكان الكرة الارضية.  ومع ذلك رفضت السلطات الاميركية الانضمام الى اتفاق كيوتو لإقرار سياسات خفض استعمال الغازات التي تساهم في رفع درجات الحرارة في العالم وفي الوقت ذاته لم يتوقف ريفيكن عند سياسات اليمين الاميركي التي سمحت بانخفاض سعر صرف الدولار تدريجا، واستمرار عجز ميزان المدفوعات الاميركي وعجز الموازنة، بعدما كان الرئيس بيل كلينتون قد توصل الى ضبط العجز وتحقيق وفورات كبيرة كانت ستؤمّن فائضاً يوازي 1600 مليار دولار يمكن تخصيصها للمنافع الاجتماعية والصحية والتعليمية في الولايات المتحدة.

الرئيس جورج بوش ونائبه ديك تشيني تسببا بقرارهما شن الحرب على العراق بعجز الموازنة وبتضخيم الدين العام الاميركي.  كما ان ألان غرينسبان. حاكم مجلس الاحتياط الفيديرالي (المصرف المركزي) كان متقاعسا عن استباق التطورات المضرة بإقرار السياسات الوقائية، فشهدنا في عهده الاطول في هذه الوظيفة أزمة مؤسسات التوفير والإقراض عام 1991 التي التهمت 500 مليار دولار، وأزمة التكنولوجيا التي كلفت 700 مليار دولار عام 2000، أما ازمة القروض العقارية الحالية فكانت تباشيرها واضحة خلال السنة الاخيرة من وكالة غرينسبان وهذه الازمة تعتبر الافدح،  فخسائرها ستفوق، بحسب التقديرات الحالية الـ 1500 – 2000 مليار دولار والجديد في الامر ان هذه الازمة أصابت بخسائر كبيرة جداً المصارف الاوروبية وصناديق الاستثمار السيادية والكثير من الدول التي تعتمد الدولار عملة اساسية في احتياطها فبعدما اعلن مصرف "ليمان برذرز" افلاسه، وعمر هذا المصرف 150 عاما، مما سيؤدي الى تكبيد المصارف الاوروبية خسارة مليارات الدولارات، اشترى "بنك اوف اميركا"  شركة "ميريل لينش" بخمسين مليار دولار، أي بنحو نصف قيمتها السوقية وعلى صعيد التأمين، تعرضت مجموعة التأمين الاميركية ِ"إي آي جي" للإفلاس حيث ان رأس مالها انخفض من 147 مليار دولار عام 2007 الى 7،2 مليارات دولار حالياً، وإفلاسها يضر بـ 64 مليون مؤمّن في مختلف بلدان العالم، لكن انقاذها تم بضخ 85 مليار دولار من مجلس الاحتياط الفيديرالي، أي المصرف المركزي الاميركي.  وهي على سبيل الذكر، الشركة الكبرى في حقل التأمين على الحياة في لبنان، ومعروفة باسم "اميركان لايف" وأخيرا، نكرر انتقادنا لمؤسسات التصنيف التي كانت تصنف وضع هذه الشركة ممتازاً لقد أصيبت جميع اسواق المال الرئيسية في العالم بشظايا الاهمال المتعمد من السلطات الاميركية لأصول ادارة المال العام. وتوسعت الخسائر من الاسواق الاوروبية الى روسيا وأسواق الشرق الاقصى والخليج، ومع كل ذلك يقول الرئيس بوش ان الاسواق - وهو يعني السوق الاميركية - قادرة على تصحيح اوضاعها بنفسها، مع أن الواقع هو نقيض تماما.

لقد كتبنا سابقاً ان أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة هي السبب الاساسي في ضعف سعر صرف الدولار، وان هذا الضعف والاستمرار في سياسات استهلاك الطاقة من دون ترشيد تسبب في تعجيل ارتفاع اسعار النفط، وبتحمل الدول المنتجة الاعضاء في "اوبيك" مسؤولية هذا التطور.  والواقع ان امدادات النفط والغاز، حتى خلال الازمة الروسية - الجورجية، لم تتأثر الى حد ينذر بضرورة رفع الاسعار.  فأسباب الارتفاع كانت ضعف سعر صرف الدولار، وخصوصاً بسبب عجوزات الموازنة وازمة الرهن العقاري، وعدم توسيع منشآت التكرير في العالم الصناعي وتطويرها من اجل تعزيز ربحية شركات النفط مع ارتفاع اسعار المشتقات، وأخيراً المضاربات عبر العقود المستقبلية لقد حان وقت المصارحة والشروع في عمل يجب ان تقوده الدول الصناعية، وأخصها دول السوق الاوروبية وروسيا واليابان والصين.

فثمة حاجة ملحة وضرورية لصحة الاقتصاد العالمي الى ابتكار نظام عالمي مالي جديد يبعد الدولار عن احتلال موقع المرتكز، ويستبدله بعملات البلدان الصناعية الكبرى مع حفظ موقع للدولار يتناسب مع حجم الولايات المتحدة في التجارة العالمية، لا أكثر ولا أقل هذه النتيجة، إن لم تتحقق، ستساهم في اطالة عمر الازمة العالمية.  والخوف كل الخوف ان ينجح اليمين الاميركي المتطرف في الانتخابات الرئاسية فتستمر سياسات جورج بوش وديك تشيني  مع جون ماكين الذي يجهل اصول الاقتصاد أكثر من بوش ومع المرشحة لنيابة الرئاسة وهي اختصاصية في الصيد والسلاح والغنج اكثر منها تلميذة بسيطة في درس أصول الاقتصاد.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:annahar.com