نهوض الإمبراطورية البريطانية

 

علي بن طلال الجهني

 

 

إن تدهور إمبراطورية ونهوض أخرى أكثر تعقيداً وأكثر شمولاً من مجرد العوامل الاقتصادية كما قد يوحي ما تم ذكره في مناسبات سابقة في هذا الحيز. فقد سبق القول إن قادة الإمبراطورية الإسبانية، على الأقل خلال القرن السابع عشر، خلطوا بين أداة القياس أو المكيال، وما يراد تحديد كميته، إذ توهموا أن مجرد قدرتهم على سك مزيد من العملة، حتى لو كانت من الذهب والفضة، يكفي بحد ذاته، لبناء اقتصاد قوي يخلق فائضاً يُمَكِّنُ من بناء الجيوش وتمويل الاكتشافات والحروب غير أنه كانت هناك عوامل أخرى قد تكون أقل أهمية كاختلاف أبناء الملوك الإسبان في ذلك الوقت ومقاومة الكنيسة الكاثوليكية المسيطرة في إسبانيا للإصلاح الديني الذي وجد قبولاً في مناطق من شمال أوروبا كالدول الاسكندينافية وهولندا والجزر البريطانية وأجزاء من ألمانيا وسويسرا وبلجيكا ومع كل ما سبق ذكره، فإن الاعتماد على عائدات مادة خام (الاقتصاد الريعي) سواء أكانت ناضبة كـ «البترول» أم سيقضي على أهميتها النسبية التقدم التقني كـ»المطاط والقطن» لا يهيئ الظروف لإيجاد اقتصاد منتج. وأهم أسباب تصاعد كفاءة الإنتاج بالدرجة الأولى، التطور المستمر لآليات الإنتاج، ووجود الأسواق الحرة التي تخلق الدوافع لدى الإنسان لتكوين الثروة أو على الأقل السعي الحثيث لرفع مستوى معيشته وإذا تجاوزنا الاعتبارات الشخصية لحياة «الملك هنري الثامن» (حكم 1509 - 1547)، المضحكة المبكية كما خلدها عباقرة المسرح الإنكليزي وغيرهم من المسرحيين والسينمائيين من أنحاء العالم كافة، فإن بدايات نهضة الإمبراطورية الإنكليزية بدأت في عهده بتشجيعه للمغامرين الإنكليز بنهب السفن الإسبانية العائدة محملة بالذهب والفضة من «العالم الجديد» والمهم تشجيعهم باستخدام المنهوب من ذهب وفضة لتمويل الاكتشافات.

ولا يخفى أن المواضيع التاريخية تكتنفها في معظم الأحيان الاختلافات بين المؤرخين. غير أن ذوي العلم شبه متفقين على أن «الثورة الصناعية» بدأت أولاً في بريطانيا ثم هولندا وألمانيا وفرنسا وشمال أميركا غير أن الثورة «الصناعية» التي حدثت في بريطانيا أولاً في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر ما كانت ستحدث لو لم يسبقها «ثورة علمية» حقيقية في كل المقاييس في القرن السابع عشر وفي بريطانيا أيضاً قبل أن تصل إلى غيرها من مناطق «أوروبا البروتستانتية» وشمال أميركا مع العلم أن المذهب البروتستاني كان هو السائد حينئذ في الولايات الأميركية الثلاثة عشر وفي المناطق المأهولة في وسط وغرب كندا.

«والثورة الصناعية» مكنت البريطانيين من توظيف المكننة على نطاق واسع في الزراعة وفي النسيج وفي غيره من الصناعات وفي وسائل النقل البحري والبري. فنما الاقتصاد البريطاني بنسب متصاعدة حتى حقق نقله نوعية ابتداءً من عام (1850) حينما تم توظيف الطاقة البخارية لتسيير السفن الضخمة، ومكائن القطارات التي تسحب عشرات العربات والحاويات، والجرارات الزراعية، مع وجود فكر «آدم سميث» لتشجيع حرية الأسواق التي تحكمها الدوافع الذاتية أو كما أسماها «الأيدي الخفية» التي تصنع المعجزات لخلق الحوافز المناسبة للاختراع وزيادة كفاءة الإنتاج.

ولذلك توسعت التجارة الدولية بين بريطانيا وبقية دول العالم من مستعمرات وغير مستعمرات كالصين واليابان. وجميع الاقتصاديين المهنيين يرون أن توسع التجارة الدولية يفيد الأطراف كافة من ممولين وناقلين ومصدرين ومستوردين. ومن المرجح أنه لن يجادل من ذوي العلم أحد بأن الحضارة المادية السائدة اليوم وانتصار «الرأسمالية» نصراً مبينا على الاشتراكية الماركسية وما يشبهها من أنظمة فاشستية يعود بالدرجة الأولى إلى جذوره التي امتدت في الجزر البريطانية ابتداءً من الثورة «العلمية» في المجالات الطبيعية والتي قادها إسحاق نيوتن الذي نشر أهم أعماله في عام (1687) وآدم سميث في المجال الاقتصادي الذي نشر كتابه المؤسس لعلم الاقتصاد في عام (1776) والهدف من ذكر كل ما تقدم ليس الحديث عن «الإمبراطورية البريطانية» ولا «الإسبانية» التي سبقتها ولا عن «البروتستانية» ولا عن التأثير السلبي «للفاتيكان» حينما كان باباواته يتدخلون في السياسة وفي الاقتصاد، وإنما عن قصر باع الاقتصاد «الريعي» عن تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة وتفوق الاقتصاد «المنتج» الذي يُسيِّرْ إنتاجه «العلم» وتطبيقاته مع وجود «سوق حرة» تُسيرها الدوافع الذاتية، لا ما يسمى بـ «الضوابط» في لغة البيروقراطية، لخلق نهضة دائمة مهما مر عليها من تراجع بين الحين والآخر وقد أثبتت مارغرت ثاتشر أن ما مر به الاقتصاد البريطاني من صعوبات قبل توليها وإعادة «ملكية» الشركات البريطانية الكبرى في جميع المجالات إلى القطاع الخاص حتى عاد الاقتصاد إلى سابق مجده بعد أن حررته المرأة المذهلة من استعباد البيروقراطيين، لم يكن نتيجة لضعف في جوهر الاقتصاد البريطاني المنتج، وإنما كان بسبب السياسات الاقتصادية الضالة التي تتابع في سنها وتنفيذها حكومات «حزب العمال» منذ نهاية الحرب الكونية الثانية.

والله من وراء القصد.

أكاديمي سعودي

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat.com