ماذا يُخبِّئ المستقبل لنا؟

 

جهاد الخازن

 

 

ماذا يُخبِّئ المستقبل لنا؟ قبل ان أجيب عن السؤال أقول إن الفقر العربي حقيقة. الثراء إشاعة. هناك فقر من المغرب وموريتانيا حتى جزيرة العرب، مروراً بكل بلد بينهما. في المقابل نحن متهمون بالثراء، والى درجة ان نهدد مصالح «الخواجات»، وثمة ثروة طارفة سببها ارتفاع أسعار النفط، كما رأينا في أواسط السبعينات، وقرب نهاية ذلك العقد ومطلع الثمانينات، ولكن من يضمن ان تدوم.

نعرف أن الفقر والثراء أرقام، والأرقام لا تكذب، وهي تقول إن هناك عشرات ملايين العرب دون خط الفقر، وإن الثروة العربية، على شكل استثمارات خارجية، لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة في المئة من الأرقام المتداولة. وإذا أخذنا قائمة «فوربس» أو «فورتشن» لأغنى 500 شخص في العالم، أو أغنى الف شخص، نجد ان هناك أفراداً أغنى من دولنا.مضى زمن كان شعار المرحلة فيه «الحمر قادمون، الحُمْر قادمون»، والمقصود الشـــيوعيون، واليوم شعارهم «العرب قادمون، العرب قادمون»، والمقصود المسلمون ومؤسسات الاستثمار أصبح اسمها صناديق سيادية تريد أميركا والاتحاد الأوروبي فرض قيود على استثماراتها لمنعها من دخول أي ميدان منتج.أسمع ان صناديق الاستثمارات العربية قد تتعامل بترليون دولار، مع حلول 2015، وهو رقم مخيف، إلاّ أنه ثلث ما أهدرت الولايات المتحدة في حرب غير مبررة على العراق، وما ستتحمّل من تبعات الحرب في رعاية المصابين والمعوقين على مدى العقود المقبلة.

الأرقام مخيفة فقط عندما يكون مصدرها عرباً، أي مسلمين، ولكن أخشى ان تكرر الكذبة حتى يصدقها أصحابها، ثم نصدقها نحن معهم. ما أذكر هو ان سعر برميل النفط وصل الى 40 دولاراً عام 1979-1980، وهو مبلغ يفوق بقيمته الشرائية في ذلك الحين 140 دولاراً اليوم، وما أذكر أيضاً ان السعر هبط حتى ثمانية دولارات للبرميل في أواسط الثمانينات ونَكَب دولاً ثرية بنت وتوسعت على أساس ان يستمر السعر العالي.الظروف تختلف الآن، ولا أعتقد أن السعر سينهار، غير ان السعر العالي لم يقض على الفقر قبل ربع قرن، ولن يقضي عليه هذه المرة.

مرة أخرى، ماذا يخبِّئ المستقبل لنا؟

قبل أن أحاول سبر غور المستقبل أسجّل أن المدن العربية الكبرى تغيّرت في ربع القرن الماضي حتى أصبحت مختلفة تماماً. جدة والرياض، عواصم الخليج، والعواصم الأخرى أصبحت حواضر عصرية تنافس أي مدينة في العالم الصناعي المتقدم. وكل منا شاهد كيف تغيّرت مدينته من قرية نائمة لا يعرفها غير أهلها الى اسم بارز على خريطة العالم.عندي سيناريو ونقيضه وأنا أنظر الى عالمنا العربي من قلب كرة بلّورية.

الأول ان تسير دولنا نحو الديموقراطية، وأن تقوم عدالة في توزيع الثروة داخل البلد الواحد، وأن نرى عملة موحدة، وحرية في تنقّل العمالة بين دولنا، مع تعليم أفضل وخدمات صحّية متقدّمة.

هذا كله ممكن بما نملك من إمكانات، غير أنني أخشى أن نعيش لنرى السيناريو الآخر:

توتاليتارية متفاقمة، ولا ديموقراطية أو شورى، واستثمار في الحجر من أرض أو بناء، مع التضييق على الاستثمارات الاستراتيجية في قطاعات منتجة أو مستقبلية.العقار في بلد غربي ينتهي بأن ترثه الدولة في جيلين أو ثلاثة لأن «ضريبة الموت» تعني ان ترث الدولة أكثر من الوَرَثة أنفسهم من قيمة العقار، فهذا ما قضى على معظم الطبقة الارستقراطية البريطانية في القرن الماضي. طبعاً العربي ذكي وهو من الذكاء انه قد يسجل العقار باسم شركة، وهو هنا يدفع ضريبتين، ضريبة على دخل الشركة وضريبة على دخل أصحابها. وفي جميع الأحوال يذهب الاستثمار في النهاية الى جيب الدولة المعنية. وحتى اذا لم يكن الاستثمار في عقار، وإنما في شركة سيارات أو أدوية أو غيرها، فإن العربي المستثمر سيدفع الضريبتين، ضريبة الشركات وضريبة الدخل الفردي واذا لم تكفِ القوانين الموجودة في «تدوير» أموال المستثمر العربي، فهو سيتهم بتأييد الإرهاب، طالما انه من دولة توتاليتارية لا تستطيع ان تدافع عن نفسها ناهيك عن ان تدافع عن مواطنيها في الخارج. وتصادر أموال المستثمر العربي، ويحكم عليه غيابياً بالسجن المؤبد.أخشى في هذا السيناريو ان تتحوّل مدننا الجديدة العصرية الفخمة الضخمة في 25 سنة الى شيء يشبه بلدة مهجورة في فيلم «كاوبوي» قديم بالأبيض والأسود، ولا شيء سوى الغبار وكتلة شوك تذريها الريح في شارع مليء بالحفر، وبعض الشيوخ على مصطبة بيت نوافذه مكسورة يتذاكرون الماضي، وما كان، وما كان يمكن ان يكون.

وكل ذلك حسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصاً ودون تعليق.

المصدر :daralhayat