الجوع والبيئة والوقود الحيوي

 

جوديث لويس

 

عيوب الوقود الحيوي

في شتاء عام 2005، استبدلت سيارتي الـ"جيب رانجلر"، الحمراء اللون، الشرهة في استهلاك البنزين، بسيارة أخرى شبه جديدة، تعمل بطاقة الديزل من طراز "فولكسن فاجن بيتل". وكنت في ذلك أقلد مجموعة من أصدقائي، الذين سبقوني إلى التحول إلى هذا النوع من السيارات الصغيرة الحجم، الصديقة للبيئة، التي تستخدم وقوداً غير سام، ذا رائحة طيبة، مصنوعاً من مادة نباتية ويطلق عليه الوقود الحيوي، وهو وقود كانت بداياته تبشر بأنه سيكون فاتحة خير على العالم.

كانت سيارتي تختلف عن السيارات الأخرى التي تعمل بالزيت النباتي العادي، من حيث أنها لم تكن تحتاج إلى إجراء عملية تعديل ميكانيكي. يرجع ذلك لأن وقود الديزل يمكن استخراجه من أي نوع من الدهون كالبترول، وشحم الخنزير، وزيت الصويا، بل من الدهون التي يتم شفطها في عمليات شفط الدهون من البدناء من البشر.

لم أكن أتوقع أنني سأوفر كثيراً، لأنني كنت أعرف أن الوقود الحيوي مرتفع التكلفة (تجاوز سعره الصيف الحالي 5 دولارات للجالون)، ولكني كنت أدرك أن التكلفة تساوى الفائدة التي ستترتب عليها. فالوقود الحيوي نظيف، ذو رائحة طيبة تشبه رائحة المكسرات، كما أنه غير سام أو مؤذٍ إذا ما لامس الجلد البشري. وعلى الرغم من أن الماكينات التي تعمل بطاقة الديزل تنفث كمية من أوكسيد النيتروجين المُكَوّن لسحب الضباب المختلط بدخان المصانع، إلا أن احتراقها- بالمقارنة- أقل تلويثاً للجو من البترول والغاز. علاوة على ذلك، فإن المحاصيل التي يُصنع منها الوقود الحيوي، تمتص نسبة من ثاني أوكسيد الكربون من الجو أثناء نموها، ثم تطلق نفس الكمية هذه في الغلاف الجوي عند احتراقها وهو ما يجعلنا نطلق على الوقود الحيوي مسمى "الوقود المتعادل كربونياً".

بيد أن كل ذلك، كما تبين لي خلال فترة قصيرة، لا يعني أن هذه الأنواع من الوقود خالية من العيوب. فقبل هذا الصيف الذي ازدادت فيه تكلفة البنزين زيادة كبيرة، انتشرت تهمة أصابت المتحمسين لأنواع الوقود الحيوي بحالة من الانزعاج والقلق الممتزج بعذاب الضمير. فحوى هذه التهمة باختصار هي أننا نحرم العالم- وخصوصاً الفقير- من طعامه لأن استخدام أنواع الوقود الحيوي يؤدي إلى استهلاك كميات هائلة من المحاصيل الغذائية في إنتاج هذا الوقود، مما يؤدي إلى قلة الكميات المتاحة منها لتغذية الجوعى في العالم ونظراً لأن هذا الاتهام قد أصابني بالقلق والانزعاج كما قلت، فإنني لم أجد مفراً من الاتصال بأحد المتخصصين في الوقود الحيوي وهو "كنت باللارد"، أحد مؤسسي "جمعية لوس أنجلوس التعاونية لإنتاج الوقود الحيوي"، لأسئله عن حقيقة الأمر وعن مدى صحة هذا الاتهام. أكد لي الرجل أن جميع أنواع الوقود الحيوي الذي تقوم الجمعية بتوزيعه مستخلص من زيت الطعام المستهلك، وأن الجمعية تحصل على شهادة تحليل معتمدة من أحد المختبرات المتخصصة على كل شحنة من شحنات الوقود الحيوي المسلمة، تبين لنا كيف صُنع وقود هذه الشحنة، ومصدر المواد المصنع منها.

لم يكن هذا كافياً لطمأنتي، فإذا كان ما قاله "بالارد" صحيحاً بالنسبة لجمعيته، فإن الأمر قد لا يكون كذلك بالنسبة لباقي الجمعيات والمؤسسات والأفراد الذين يستخدمون أنواع الوقود الحيوي. فبالنسبة لي أنا شخصياً، كانت الشركة المنتجة للوقود الحيوي الذي أستخدمه، تقوم بتوصيله إلى منزلي في براميل وضعتها في أحد جوانب حديقة منزلي. بعد ذلك ونتيجة لزيادة الطلب، توقفت الشركة عن توصيل الوقود إلى منزلي، مما دفعني إلى ملء سيارتي من إحدى المحطات القريبة. وعندما سألت "كريس مولر" المدير المسؤول عن حقيقة ما يُقال من أننا نساهم في تجويع العالم من خلال استخدام هذا النوع من الوقود، لم يقدم لي الرجل الإجابات التي تريح ضميري، حيث قال لي إن مورّد الوقود الحيوي لمؤسسته لا يقول له شيئاً عن الخلطات التي يصنع منها، وإن كان هو نفسه يعتقد أن معظمها مستمد من فول الصويا واعترف "مولر" بأن إنتاج الوقود الحيوي من فول الصويا له تأثير طفيف على نقص إمدادات الغذاء في العالم، لكنه استدرك بالقول إننا لا نزال في المراحل الأولى من إنتاج واستهلاك هذه الأنواع، وأن ذلك التأثير السلبي سيقل بمرور الزمن، وإنه إذا ما كان استخدام هذا الوقود تكتنفه الآن بعض المصاعب أو بعض السلبيات، فإن ذلك لا يجب أن يدعونا للتوقف على استعماله، وإنما أن نعمل على تطويره بدلاً من ذلك وهناك طائفة من الحلول المتاحة أحدها ذلك الذي يقدمه "كريس سومرفيل" أستاذ البيولوجيا في جامعة ستانفورد الذي يقترح إنتاج الإيثانول من أحد أنواع الحشائش Miscanthus التي تنتج كتلة حيوية يعادل حجمها ضعف الكتلة التي تنتجها باقي أنواع الحشائش والمحاصيل.

وهناك حل آخر يقترحه "مارك إدوارد" الأستاذ في جامعة ولاية أريزونا، الذي يرى أن الطحالب يمكن أن توفر بديلاً مناسباً لإنتاج هذا الوقود. وفكرته في ذلك أن الطحالب لا تحتاج إلى ماء عذب، كما أنها لا تحل محل أي محصول من المحاصيل الغذائية، وتمتص النيتروجين وثاني أكسيد الكربون من الجو والمشكلة في نظره أن صناعة الوقود الحيوي لا تُعطى الاهتمام اللازم، وأن الأمر يتطلب حملة توعية كبيرة للمستهلكين.هناك بالطبع حلول أخرى- أكثر بساطة وأكثر فائدة- إلى جانب مثل هذه الحلول لعل أهمها: أن نقضي وقتاً أقل وراء مقود السيارة، وأن نتجه إلى استخدام السيارات الصغيرة التي تتمتع بالكفاءة في استهلاك الوقود.

كاتبة أميركية متخصصة في شؤون الطاقة

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"

alittihad.ae