مستقبل العولمة ؟

 

 نايان تشاندا

 

 

العولمة مسار ثابت لا أمل في كبحه ولا في الخروج منه

تطرح العولمة أسئلة كثيرة تتناول مكانتها وضروراتها في ضوء نتائجها في مختلف المجالات التي حققت فيها نجاحات ملموسة، ونجم عنها بعض الإخفاقات. وحمل هذا بعضهم على الدعوة الى التخلي عنها، وبعضاً آخر على التمسك بها. ومن الأمثلة البارزة على نجاح العولمة الصين والهند. فهما حققتا نتائج باهرة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، بفضل الإصلاحات الاقتصادية، وتطور التجارة الشاملة، والتوسع في تبادل التكنولوجيا وفي الاستثمارات. فالصين تحولت الى رابع اقتصاد في العالم حجماً، واحتلت المركز الثالث في مراتب التجارة الدولية. وثلث عدد سكانها، البالغ 1.3 بليون شخص، تخطى مستوى الفقر. وأما الهند، فإن قسماً ملموساً من سكانها انتقل الى الطبقة الوسطى. وهي استخدمت علاقاتها الدولية لتحقيق برامجها، ومواطنوها يلمّون باللغة الانكليزية، ويملكون نصف مرافق العمل والوظائف المطلوبة في السوق العالمية. والى ذلك، فإن بلداناً كثيرة في آسيا، وإرلندا، ومجموعة الدول الاشتراكية السابقة، وبعض بلدان أفريقيا وأميركا اللاتينية، شهدت نمواً اقتصادياً سريعاً.

وفي الوقت نفسه، يزداد القلق من العولمة. فسكان البلدان النامية يمضون على فقرهم. وفي العالم الصناعي يتعاظم التفاوت الاقتصادي، والبطالة، والمنافسة على الوظائف، وتنشأ رغبة في الحماية، والمطالبة باتباع سياسة أكثر قساوة ضد الهجرة. وقد يتحول بناء جدار طوله 700 ميل على طول الحدود الأميركية - المكسيكية رمزاً حقيقياً لسياسة الغرب ضد الهجرة. وفي البلدان الصناعية المتطورة تظهر الطبقة المتوسطة عدم ثقة بالعولمة، وهي التي ازدهرت منذ زمن جراء التجارة الدولية والاستثمارات. والصفقات الالكترونية، والتنظيم المصرفي الحديث يسرا حركة الرساميل، كما يسرا البحث عن قوى عاملة ماهرة ورخيصة، وإنشاء مصانع وشركات.. فخشي العاملون والموظفون في الولايات المتحدة وأوروبا فقدان أعمالهم. وبعضهم يخشى أن تبلى كفاءته المهنية وتموت في عالم يتغير بسرعة وثمة مخاوف من أن تشكل التكنولوجيا الجديدة، وأسواق العمل المعولمة، خطراً على العمل في الحلقة المتوسطة. فالمصانع في الغرب تغلق أبوابها لأن تكلفة انتاج السلع في الصين، أو تشيكوسلوفاكيا، أقل. ويؤدي تصدير الصين الضخم، بأسعار مخفضة نسبياً، الى الإقبال على شرائها، ويكسب المستهلكون ورواد المخازن الكبرى شطراً من الأرباح. لكن هذا كله لا يعوض خسائر المفصولين من العمل الذين قد لا يعودون أبداً اليه جراء العرض غير المحدود للقوة العاملة الرخيصة في الخارج.

والأسلوب التقليدي الذي كان يتبع لمعالجة البطالة من طريق التأهيل للعمل في قطاعات الانتاج الحديثة لم يعد ينفع. فالعاملون المهرة يمكن الحصول عليهم بواسطة الانترنت السريع، لقاء عُشر الأجر في الولايات المتحدة أو أوروبا. والعاملون في الحلقة الدنيا، وهم يحصّلون أجوراً مرتفعة معرضون للإقصاء بسبب منافسة عمال ماهرين يتقاضون أجوراً متدنية. وانقطاع نمو مستوى العمالة، وارتفاع النفقات الاجتماعية، من العوامل التي حفزت انبعاث القومية الاقتصادية في الغرب. وعجز السلطات في كثير من البلدان الأوروبية عن معالجة هذا الاختلال استدعى موجة من مطالب الحماية نادى بها الشغيلة، تتعارض مع سياسة الانفتاح التي تفرضها العولمة وأما الدول النامية التي انخرطت في العولمة، فنما فيها التفاوت الاجتماعي واتسعت الشقة بين الريف والمدينة. فالقطاع المديني والطبقة الوسطى أحرزا مكاسب فعلية من طريق شبكة النقل، والمواصلات، والاتصالات، في حين أن سكان الريف الفقراء، الذين لم يحصّلوا بعض التعليم، تخلفوا بشكل ملحوظ. وفي الصين، يملك 0.5 في المئة من الأسر أكثر من 60 في المئة من ثروة البلد. وأكثر من 150 مليوناً من العمال النازحين ينهضون ببناء المدن الصينية البراقة، الى ملايين الكادحين العاملين في المشاغل الريفية البالية، يعيشون حياة تعسة وبائسة. وجراء الازدهار المرتبط بالعولمة ازدادت حدة الفروق بين الأغنياء والفقراء في الهند.

فما يميز العولمة الحالية عن سابقاتها هو التطور الرفيع لوسائل الإعلام والاتصالات وخطوط المواصلات. ففي بداية 2006، مثلاً ذاعت محطات التلفزة وشبكة الانترنت خبراً عن سعر لكشمي ميتال الهندي لابتلاع شركة الفولاذ العملاقة الفرنسية - اللوكسمبورغية، أكسيلور، وأشعلت الأخبار هذه شرارة القومية الاقتصادية في أوروبا والولايات المتحدة، وحملت الحكومات على اتخاذ تدابير سريعة لا تتفق وقناعاتها. وفي العالم النامي تقود ثورة الإعلام والاتصالات الى انفتاح الشعوب بعضها على بعضها الآخر، وزيادة ترابطها، وتوحد العالم. ولكن برامج التلفزة في شتى المجالات تؤدي الى التقارب بين البشر، والى توترات اجتماعية معاً.

فيرى الفقراء كيف يعيش الأغنياء ويبذخون. وبسبب الأخبار والبرامج السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية وغيرها، والجدل الذي يرافقها، ينحاز الناس ويتنازعون. ويتألم المشاهد جراء رؤيته مشاهد الكوارث الطبيعية والمعاناة البشرية، والبشر الذين لا يزالون يعيشون في ظروف اقتصادية تعود الى القرن الثامن عشر، في حين يعيش آخرون حياة زاهرة بالكماليات والتبديد والنظام العالمي القائم يهدده الانزلاق نحو أزمة ضخمة. وقدرة مؤسساته على مواجهة القضايا الراهنة ضعيفة. فمنظمة الأمم المتحدة تفتقر الى الفاعلية المطلوبة. ولكن هل يمكن أن تنهار العولمة بشكل كامل نتيجة نزاع عالمي؟ إن مثل هذا النزاع غير ممكن من الناحية الاقتصادية في عالم متكامل ومترابط، ومتشابك تشابكاً وثيقاً بآلاف مؤلفة من خيوط الصلات والعلاقات المتبادلة. ومثل هذا الانهيار ثمنه باهظ على الجميع. والواقع أنه لا يمكن اعتراض المسيرة المعقدة نحو التكامل والعولمة، وعلى رغم أن التاريخ يبطن أموراً مفاجئة وغير متوقعة، إلا أن جل ما يمكن أن ننتظره في الوقت القريب هو تباطؤ هذه الحركة، والإخلال الموقت بالصلات المتبادلة. وللمرة الأولى في التاريخ رأى مئات الملايين من البشر بأم العين كيف تحولت الحياة، وتحققت الآمال، وأيقنوا أن أولادهم سيتمتعون بحياة أفضل من حياتهم. ورغبة المواطنين العاديين هي ألا تفوتهم الفرصة التي يوفرها الانفتاح الاقتصادي وأما الوجه الآخر للعولمة فيتمثل بهلع الطبقة الوسطى الأميركية والأوروبية، والفقر المعذب، ويأس الذين بقوا خارج هذا المسار. والسؤال الأساس هو هل يسيطر الخوف والرعب على التفاؤل ويعيدان العالم الى الوراء، الى مرحلة من العزلة الكئيبة؟ فالحق أن التكامل الاقتصادي، ومعه العولمة الثقافية، تقدما على تكويننا الداخلي الذي يعتمد مفاهيم القومية. فنحن نستخدم لمنفعتنا ما يمكن أن يقدمه العالم بأجمعه، ولكننا نفكر وفق مدركات الحدود القومية المعاصرة. وأما الأسلاك الشائكة، والحواجز الشبكية، ومفارز حفظ الأمن، ودوائر الهجرة والجمارك التي تعزلنا عن باقي العالم فتعجز عن تغيير ارتباطنا بخيوط التاريخ غير المرئية ونحن، اليوم، نمتلك آلات تخولنا البصر بالمخاطر الكامنة وراء الأفق. ففي تصرفنا مؤسسات معولمة، وعشرات الآلاف من منظمات المجتمع المدني التي تسهم في الحؤول دون تقلص التكامل العالمي، تمهد الطريق للذين لا يزالون خارج المجتمع المعولم. ونحن لا نملك خياراً غير التعالي على المصالح الإتنية الضيقة. فطوال الأعوام القادمة تبقى مصائر الذين يعيشون على الكرة الأرضية مترابطة والدعوات لصد العولمة لا أسس لها. فهذا المسار لا يسيطر عليه أحد وتضامننا معاً وحده قد يمكننا من بناء عالم متكامل ومتماسك.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat-عن «روسيا ف غلوبالنوي بوليتيكي» الروسية