محددات الحوكمة ومعاييرها

 

محمد حسن يوسف

 

الحوكمة  (GOVERNANCE)

تعريف الحوكمة والهدف منها:

يعد مصطلح الحوكمة هو الترجمة المختصرة التي راجت للمصطلح CORPORATE GOVERNANCE ، أما الترجمة العلمية لهذا المصطلح، والتي اتفق عليها، فهي: " أسلوب ممارسة سلطات الإدارة الرشيدة  وقد تعددت التعريفات المقدمة لهذا المصطلح، بحيث يدل كل مصطلح عن وجهة النظر التي يتبناها مقدم هذا التعريف.فتعرف مؤسسة التمويل الدولية IFC الحوكمة بأنها: " هي النظام الذي يتم من خلاله إدارة الشركات والتحكم في أعمالها " كما تعرفها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD بأنها: " مجموعة من العلاقات فيما بين القائمين على إدارة الشركة ومجلس الإدارة وحملة الأسهم وغيرهم من المساهمين ".

وهناك من يعرفها بأنها: " مجموع "قواعد اللعبة" التي تستخدم لإدارة الشركة من الداخل، ولقيام مجلس الإدارة بالإشراف عليها لحماية المصالح والحقوق المالية للمساهمين وبمعنى أخر، فإن الحوكمة تعني النظام، أي وجود نظم تحكم العلاقات بين الأطراف الأساسية التي تؤثر في الأداء، كما تشمل مقومات تقوية المؤسسة على المدى البعيد وتحديد المسئول والمسئولية وقد ظهرت الحاجة إلى الحوكمة في العديد من الاقتصاديات المتقدمة والناشئة خلال العقود القليلة الماضية، خاصة في أعقاب الانهيارات الاقتصادية والأزمات المالية التي شهدتها عدد من دول شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وروسيا في عقد التسعينات من القرن العشرين، وكذلك ما شهده الاقتصاد الأمريكي مؤخرا من انهيارات مالية ومحاسبية خلال عام 2002. وتزايدت أهمية الحوكمة نتيجة لاتجاه كثير من دول العالم إلى التحول إلى النظم الاقتصادية الرأسمالية التي يعتمد فيها بدرجة كبيرة على الشركات الخاصة لتحقيق معدلات مرتفعة ومتواصلة من النمو الاقتصادي. وقد أدى اتساع حجم تلك المشروعات إلى انفصال الملكية عن الإدارة، وشرعت تلك المشروعات في البحث عن مصادر للتمويل أقل تكلفة من المصادر المصرفية، فاتجهت إلى أسواق المال. وساعد على ذلك ما شهده العالم من تحرير للأسواق المالية، فتزايدت انتقالات رؤؤس الأموال عبر الحدود بشكل غير مسبوق، ودفع اتساع حجم الشركات وانفصال الملكية عن الإدارة إلى ضعف آليات الرقابة على تصرفات المديرين، وإلى وقوع كثير من الشركات في أزمات مالية. ومن أبرزها دول جنوب شرق آسيا في أواخر التسعينات، ثم توالت بعد ذلك الأزمات، ولعل من أبرزها أزمة شركتي أنرون وورلد كوم في الولايات المتحدة في عام 2001. وقد دفع ذلك العالم للاهتمام بالحوكمة وعلى ذلك، تهدف قواعد وضوابط الحوكمة إلى تحقيق الشفافية والعدالة، ومنح حق مساءلة إدارة الشركة، وبالتالي تحقيق الحماية للمساهمين وحملة الوثائق جميعا، مع مراعاة مصالح العمل والعمال، والحد من استغلال السلطة في غير المصلحة العامة، بما يؤدى إلى تنمية الاستثمار وتشجيع تدفقه، وتنمية المدخرات، وتعظيم الربحية، وإتاحة فرص عمل جديدة. كما أن هذه القواعد تؤكد على أهمية الالتزام بأحكام القانون، والعمل على ضمان مراجعة الأداء المالي، ووجود هياكل إدارية تمكن من محاسبة الإدارة أمام المساهمين، مع تكوين لجنة مراجعة من غير أعضاء مجلس الإدارة التنفيذية تكون لها مهام واختصاصات وصلاحيات عديدة لتحقيق رقابة مستقلة على التنفيذ.

محددات الحوكمة

هناك اتفاق على أن التطبيق الجيد لحوكمة الشركات من عدمه يتوقف على مدى توافر ومستوى جودة مجموعتين من المحددات: المحددات الخارجية وتلك الداخلية ( انظر شكل ١ أدناه ). ونعرض فيما يلي لهاتين المجموعتين من المحددات بشيء من التفصيل كما يلي:

أ‌- المحددات الخارجية:

وتشير إلى المناخ العام للاستثمار في الدولة، والذي يشمل على سبيل المثال: القوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي ( مثل قوانين سوق المال والشركات وتنظيم المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية والإفلاس )، وكفاءة القطاع المالي ( البنوك وسوق المال ) في توفير التمويل اللازم للمشروعات، ودرجة تنافسية أسواق السلع وعناصر الإنتاج، وكفاءة الأجهزة والهيئات الرقابية ( هيئة سوق المال والبورصة ) في إحكام الرقابة على الشركات، وذلك فضلا عن بعض المؤسسات ذاتية التنظيم التي تضمن عمل الأسواق بكفاءة ( ومنها على سبيل المثال الجمعيات المهنية التي تضع ميثاق شرف للعاملين في السوق، مثل المراجعين والمحاسبين والمحامين والشركات العاملة في سوق الأوراق المالية وغيرها )، بالإضافة إلى المؤسسات الخاصة للمهن الحرة مثل مكاتب المحاماة والمراجعة والتصنيف الائتماني والاستشارات المالية والاستثمارية. وترجع أهمية المحددات الخارجية إلى أن وجودها يضمن تنفيذ القوانين والقواعد التي تضمن حسن إدارة الشركة، والتي تقلل من التعارض بين العائد الاجتماعي والعائد الخاص.

ب‌- المحددات الداخلية:

وتشير إلى القواعد والأسس التي تحدد كيفية اتخاذ القرارات وتوزيع السلطات داخل الشركة بين الجمعية العامة ومجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين، والتي يؤدى توافرها من ناحية وتطبيقها من ناحية أخرى إلى تقليل التعارض بين مصالح هذه الأطراف الثلاثة وتؤدى الحوكمة في النهاية إلى زيادة الثقة في الاقتصاد القومي، وتعميق دور سوق المال، وزيادة قدرته على تعبئة المدخرات ورفع معدلات الاستثمار، والحفاظ على حقوق الأقلية أو صغار المستثمرين. ومن ناحية أخرى، تشجع الحوكمة على نمو القطاع الخاص ودعم قدراته التنافسية، وتساعد المشروعات في الحصول على التمويل وتوليد الأرباح، وأخيرا خلق فرص عمل.

معايير الحوكمة

نظرا للاهتمام المتزايد بمفهوم الحوكمة، فقد حرصت عديد من المؤسسات على دراسة هذا المفهوم وتحليله ووضع معايير محددة لتطبيقه. ومن هذه المؤسسات: منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وبنك التسويات الدولية BIS ممثلا في لجنة بازل، ومؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي وفي الواقع، نجد أنه كما اختلفت التعريفات المعطاة لمفهوم الحوكمة، فقد اختلفت كذلك المعايير التي تحكم عملية الحوكمة، وذلك من منظور وجهة النظر التي حكمت كل جهة تضع مفهوما لهذه المعايير، وذلك على النحو التالي:

معايير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية

يتم تطبيق الحوكمة وفق خمسة معايير توصــــــلت إليها منظمة التعاون الاقتصــــادي والتنمية في عام 1999، علما بأنها قد أصــــدرت تعديلا لها في عام 2004. وتتمثل في:

1- ضمان وجود أساس لإطار فعال لحوكمة الشركات: يجب أن يتضمن إطار حوكمة الشركات كلا من تعزيز شفافية الأسواق وكفاءتها، كما يجب أن يكون متناسقا مع أحكام القانون، وأن يصيغ بوضوح تقسيم المسئوليات فيما بين السلطات الإشرافية والتنظيمية والتنفيذية المختلفة.

2- حفظ حقوق جميع المساهمين: وتشمل نقل ملكية الأسهم، واختيار مجلس الإدارة، والحصول على عائد في الأرباح، ومراجعة القوائم المالية، وحق المساهمين في المشاركة الفعالة في اجتماعات الجمعية العامة.

3- المعاملة المتساوية بين جميع المساهمين: وتعنى المساواة بين حملة الأسهم داخل كل فئة، وحقهم في الدفاع عن حقوقهم القانونية، والتصويت في الجمعية العامة على القرارات الأساسية، وكذلك حمايتهم من أي عمليات استحواذ أو دمج مشكوك فيها، أو من الاتجار في المعلومات الداخلية، وكذلك حقهم في الاطلاع على كافة المعاملات مع أعضاء مجلس الإدارة أو المديرين التنفيذيين.

4- دور أصحاب المصالح في أساليب ممارسة سلطات الإدارة بالشركة: وتشمل احترام حقوقهم القانونية، والتعويض عن أي انتهاك لتلك الحقوق، وكذلك آليات مشاركتهم الفعالة في الرقابة على الشركة، وحصولهم على المعلومات المطلوبة. ويقصد بأصحاب المصالح البنوك والعاملين وحملة السندات والموردين والعملاء.

5- الإفصاح والشفافية: وتتناول الإفصاح عن المعلومات الهامة ودور مراقب الحسابات، والإفصاح عن ملكية النسبة العظمى من الأسهم، والإفصاح المتعلق بأعضاء مجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين. ويتم الإفصاح عن كل تلك المعلومات بطريقة عادلة بين جميع المساهمين وأصحاب المصالح في الوقت المناسب ودون تأخير.

6- مسئوليات مجلس الإدارة: وتشمل هيكل مجلس الإدارة وواجباته القانونية، وكيفية اختيار أعضائه ومهامه الأساسية، ودوره في الإشراف على الإدارة التنفيذية.

معايير لجنة بازل للرقابة المصرفية العالمية ( Basel Committee )

وضعت لجنة بازل في العام 1999 إرشادات خاصة بالحوكمة في المؤسسات المصرفية والمالية، وهي تركز على النقاط التالية:

1- قيم الشركة ومواثيق الشرف للتصرفات السليمة وغيرها من المعايير للتصرفات الجيدة والنظم التي يتحقق باستخدامها تطبيق هذه المعايير.

2- إستراتيجية للشركة معدة جيدا، والتي بموجبها يمكن قياس نجاحها الكلي ومساهمة الأفراد في ذلك.

3- التوزيع السليم للمسئوليات ومراكز اتخاذ القرار متضمنا تسلسلا وظيفيا للموافقات المطلوبة من الأفراد للمجلس.

4- وضع آلية للتعاون الفعال بين مجلس الإدارة ومدققي الحسابات والإدارة العليا.

5- توافر نظام ضبط داخلي قوي يتضمن مهام التدقيق الداخلي والخارجي وإدارة مستقلة للمخاطر عن خطوط العمل مع مراعاة تناسب السلطات مع المسئوليات ( Checks & Balances ).

6- مراقبة خاصة لمراكز المخاطر في المواقع التي يتصاعد فيها تضارب المصالح، بما في ذلك علاقات العمل مع المقترضين المرتبطين بالمصرف وكبار المساهمين والإدارة العليا، أو متخذي القرارات الرئيسية في المؤسسة.

7- الحوافز المالية والإدارية للإدارة العليا التي تحقق العمل بطريقة سليمة، وأيضا بالنسبة للمديرين أو الموظفين سواء كانت في شكل تعويضات أو ترقيات أو عناصر أخرى.

8- تدفق المعلومات بشكل مناسب داخليا أو إلى الخارج.

معايير مؤسسة التمويل الدولية

وضعت مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي في عام 2003 موجهات وقواعد ومعايير عامة تراها أساسية لدعم الحوكمة في المؤسسات على تنوعها، سواء كانت مالية أو غير مالية، وذلك على مستويات أربعة كالتالي:

- الممارسات المقبولة للحكم الجيد

- خطوات إضافية لضمان الحكم الجيد الجديد

- إسهامات أساسية لتحسين الحكم الجيد محليا

- القيادة

الحوكمة في الجهاز المصرفي

تعنى الحوكمة في الجهاز المصرفي: مراقبة الأداء من قبل مجلس الإدارة والإدارة العليا للبنك، وحماية حقوق حملة الأسهم والمودعين، بالإضافة إلى الاهتمام بعلاقة هؤلاء بالفاعلين الخارجيين، والتي تتحدد من خلال الإطار التنظيمي وسلطات الهيئة الرقابية. وتنطبق الحوكمة في الجهاز المصرفي على البنوك العامة والبنوك الخاصة والمشتركة.

وتتمثل أهم العناصر الأساسية في عملية الحوكمة في مجموعتين: تمثل المجموعة الأولى الفاعلين الداخليين، وهم حملة الأسهم ومجلس الإدارة والإدارة التنفيذية والمراقبون والمراجعون الداخليون أما المجموعة الثانية فتتمثل في الفاعلين الخارجيين، المتمثلين في المودعين، وصندوق تأمين الودائع، ووسائل الإعلام، وشركات التصنيف والتقييم الائتماني، بالإضافة إلى الإطار القانوني التنظيمي والرقابي وترتكز الحوكمة - كما سبق القول-على عناصر أساسية لابد من توافرها حتى يكتمل إحكام الرقابة الفعالة على أداء البنوك، تتلخص في الشفافية، وتوافر المعلومات، وتطبيق المعايير المحاسبية الدولية، والنهوض بمستوى الكفاءات البشرية من خلال التدريب ولا يرتبط نجاح الحوكمة في الجهاز المصرفي فقط بوضع القواعد الرقابية، ولكن أيضا بأهمية تطبيقها بشكل سليم، وهذا يعتمد على البنك المركزي ورقابته من جهة، وعلى البنك المعني وإدارته من الجهة الأخرى ويجب أن تكون إدارة البنك مقتنعة بأهمية مثل هذه القواعد والضوابط، مما يساعد على تنفيذها.

وهذا ما يكشف عن دور كل من مجلس الإدارة بقسميه التنفيذي وغير التنفيذي، ولجان المتابعة التي توفر له البيانات اللازمة عن أداء البنك، وإدارات التفتيش داخل الجهاز المصرفي التي تعرض تقاريرها على مجلس الإدارة والمساهمين، الذين يجب أن يقوموا بدورهم في الرقابة على أداء البنك، إلى جانب المساهمة في توفير رؤوس الأموال في حالة حاجة البنك إليها والممارسة السليمة للحوكمة تؤدى عامة إلى دعم وسلامة الجهاز المصرفي، وذلك من خلال المعايير التي وضعتها " لجنة بازل " للرقابة على البنوك وتنظيم ومراقبة الصناعة المصرفية، والتي من أهمها:

- الإعلان عن الأهداف الإستراتيجية للجهاز المصرفي وللبنك وتحديد مسئوليات الإدارة.

- التأكد من كفاءة أعضاء مجلس الإدارة وإدراكهم الكامل لمفهوم الحوكمة، وعدم وجود أخطاء مقصودة من قبل الإدارة العليا.

- ضمان فاعلية دور المراقبين وإدراكهم لأهمية دورهم الرقابي.

- ضرورة توفر الشفافية والإفصاح في كافة أعمال وأنشطة البنك والإدارة.

حوكمة الشركات

يشير مفهوم حوكمة الشركات، بشكل عام، إلى القواعد والمعايير التي تحدد العلاقة بين إدارة الشركة من ناحية، وحملة الأسهم وأصحاب المصالح أو الأطراف المرتبطة بالشركة ( حملة السندات والعمال والموردين والدائنين والمستهلكين من ناحية أخرى ). وبشكل أكثر تحديدا، يقدم هذا الاصطلاح إجابات لعدة تساؤلات من أهمها: كيف يضمن المالكون ألا تسيء الإدارة استغلال أموالهم؟ كيف يتأكد هؤلاء أن الإدارة تسعى إلى تعظيم ربحية وقيمة أسهم الشركة في الأجل الطويل؟ ما مدى اهتمام الإدارة بالمصالح الأساسية للمجتمع في مجالات الصحة والبيئة؟ وأخيرا، كيف يتمكن حملة الأسهم وأصحاب المصالح من رقابة الإدارة بشكل فعال؟

ويثير مصطلح حوكمة الشركات بعض الغموض لثلاثة أسباب رئيسية مرتبطة بحداثة هذا الاصطلاح: السبب الأول هو أنه على الرغم من أن مضمون حوكمة الشركات وكثير من الأمور المرتبطة به ترجع جذورها إلى أوائل القرن التاسع عشر، حيث تناولتها نظرية المشروع وبعض نظريات التنظيم والإدارة، إلا أن هذا الاصطلاح لم يعرف في اللغة الإنجليزية، كما أن مفهومه لم يبدأ في التبلور إلا منذ قرابة عقدين أو ثلاثة عقود بينما يتمثل السبب الثاني في عدم وجود تعريف قاطع وواحد لهذا المفهوم. فبينما ينظر إليه البعض من الناحية الاقتصادية على أنه الآلية التي تساعد الشركة في الحصول على التمويل، وتضمن تعظيم قيمة أسهم الشركة واستمرارها في الأجل الطويل، فإن هناك آخرون يعرفونه من الناحية القانونية على أنه يشير إلى طبيعة العلاقة التعاقدية من حيث كونها كاملة أم غير كاملة، والتي تحدد حقوق وواجبات حملة الأسهم وأصحاب المصالح من ناحية، والمديرين من ناحية أخرى، كما أن هناك فريق ثالث ينظر إليه من الناحية الاجتماعية والأخلاقية، مركزين بذلك على المسؤولية الاجتماعية للشركة في حماية حقوق الأقلية أو صغار المستثمرين، وتحقيق التنمية الاقتصادية العادلة، وحماية البيئة ويرجع السبب الثالث لغموض هذا المصطلح إلى أن هذا المفهوم مازال في طور التكوين، ومازالت كثير من قواعده ومعاييره في مرحلة المراجعة والتطوير. ومع ذلك هناك شبه اتفاق بين الباحثين والممارسين حـــــول أهم محدداته وكـــــذلك معايير تقييمه.

أهمية حوكمة الشركات

منذ عام 1997، ومع انفجار الأزمة المالية الآسيوية، أخذ العالم ينظر نظرة جديدة إلى حوكمة الشركات. والأزمة المالية المشار إليها، قد يمكن وصفها بأنها كانت أزمة ثقة في المؤسسات والتشريعات التي تنظم نشاط الأعمال والعلاقات فيما بين منشآت الأعمال والحكومة. وقد كانت المشاكل العديدة التي برزت إلى المقدمة أثناء الأزمة تتضمن عمليات ومعاملات الموظفين الداخليين والأقارب والأصدقاء بين منشآت الأعمال وبين الحكومة، وحصول الشركات على مبالغ هائلة من الديون قصيرة الأجل، في نفس الوقت الذي حرصت فيه على عدم معرفة المساهمين بهذه الأمور، وإخفاء هذه الديون من خلال طرق ونظم محاسبية "مبتكرة"، وما إلى ذلك. كما أن الأحداث الأخيرة ابتداء بفضيحة شركة إنرون Enron وما تلا ذلك من سلسلة اكتشافات تلاعب الشركات في قوائمها المالية، أظهر بوضوح أهمية حوكمة الشركات حتى في الدول التي كان من المعتاد اعتبارها أسواقا مالية "قريبة من الكمال".

وقد اكتسبت حوكمة الشركات أهمية أكبر بالنسبة للديمقراطيات الناشئة نظرا لضعف النظام القانوني الذي لا يمكن معه إجراء تنفيذ العقود وحل المنازعات بطريقة فعالة. كما أن ضعف نوعية المعلومات تؤدى إلى منع الإشراف والرقابة، وتعمل على انتشار الفساد وانعدام الثقة. ويؤدى إتباع المبادئ السليمة لحوكمة الشركات إلى خلق الاحتياطات اللازمة ضد الفساد وسوء الإدارة، مع تشجيع الشفافية في الحياة الاقتصادية، ومكافحة مقاومة المؤسسات للإصلاح.

وقد أدت الأزمة المالية بكثير منا إلى اتخاذ نظرة عملية جيدة عن كيفية استخدام حوكمة الشركات الجيدة لمنع الأزمات المالية القادمة. ويرجع هذا إلى أن حوكمة الشركات ليست مجرد شيء أخلاقي جيد نقوم بعملة فقط، بل إن حوكمة الشركات مفيدة لمنشآت الأعمال، ومن ثم فإن الشركات لا ينبغي أن تنتظر حتى تفرض عليها الحكومات معايير معينة لحوكمة الشركات، إلا بقدر ما يمكن لهذه الشركات أن تنتظر حتى تفرض عليها الحكومات أساليب الإدارة الجيدة التي ينبغي عليها إتباعها في عملها وعلى سبيل المثال، فإن حوكمة الشركات الجيدة، في شكل الإفصاح عن المعلومات المالية، يمكن أن يعمل على تخفيض تكلفة رأس مال المنشأة. كما أن حوكمة الشركات الجيدة تساعد على جذب الاستثمارات سواء الأجنبية أم المحلية، وتساعد في الحد من هروب رؤوس الأموال، ومكافحة الفساد الذي يدرك كل فرد الآن مدى ما يمثله من إعاقة للنمو. وما لم يتمكن المستثمرون من الحصول على ما يضمن لهم عائدا على استثماراتهم، فإن التمويل لن يتدفق إلى المنشآت. وبدون التدفقات المالية لن يمكن تحقيق الإمكانات الكاملة لنمو المنشأة. وإحدى الفوائد الكبرى التي تنشأ من تحسين حوكمة الشركات هي ازدياد إتاحة التمويل وإمكانية الحصول على مصادر أرخص للتمويل وهو ما يزيد من أهمية الحوكمة بشكل خاص بالنسبة للدول النامية إن حوكمة الشركات تعتمد في نهاية المطاف على التعاون بين القطاعين العام والخاص لخلق نظام لسوق تنافسية في مجتمع ديمقراطي يقوم على أساس القانون. وتتناول حوكمة الشركات موضوع تحديث العالم العربي عن طريق النظر في الهياكل الاقتصادية وهياكل الأعمال التي تعزز القدرة التنافسية للقطاع الخاص، وتجعل المنطقة أكثر جذبا للاستثمار الأجنبي المباشر، كما تحقق تكاملا للمنطقة في الأسواق العالمية.

...............................................

قائمة المراجع

المراجع باللغة العربية:

1- إبراهيم العيسوي، التنمية في عالم متغير: دراسة في مفهوم التنمية ومؤشراتها. القاهرة: دار الشروق، 2003.

2- البنك الأهلي المصري، النشرة الاقتصادية، العدد الثاني، المجلد السادس والخمسون، 2003.

3- مارك هيسيل " محرر "، ممارسة سلطات الإدارة. مركز المشروعات الدولية الخاصة بالتعاون مع مؤسسة جامعات وسط أوربا، 2001.

4- مركز المشروعات الدولية الخاصة، الإصلاح الاقتصادي اليوم، النشرة الدورية لمركز المشروعات الدولية الخاصة، أعداد متفرقة.

5- مركز المشروعات الدولية الخاصة، دليل تأسيس أساليب حوكمة الشركات في الاقتصادات النامية والصاعدة والمتحولة، مارس 2002.

المراجع باللغة الإنجليزية:

1- Alamgir, M. Corporate Governance: A Risk Perspective, paper presented to: Coorporate Governance and Reform: Paving the Way to Financial Stability and Development, a conference organized by the Egyptian Banking Institute, Cairo, May 7 – 8, 2007.

2- Azab, B. The Role of Commercial Banks in Promoting Corporate Governance of their Clients, paper presented to: Coorporate Governance and Reform: Paving the Way to Financial Stability and Development, a conference organized by the Egyptian Banking Institute, Cairo, May 7 – 8, 2007.

3- BIS. Enhancing corporate governance for banking organizations, Basel Committee on Banking Supervision, February 2006.

4- Freeland, C. Basel Committee Guidance on Corporate Governance for Banks, paper presented to: Coorporate Governance and Reform: Paving the Way to Financial Stability and Development, a conference organized by the Egyptian Banking Institute, Cairo, May 7 – 8, 2007.

5- IIF. Corporate Governance in Poland. Institute of International Finance. February 2003.

6- Iskander, M. and N. Chamlou. (2002). Corporate Governance: A Framework for Implementation. PP: 119-137. Published in: Globalization and Firm Competitiveness in the Middle East and North Africa Region, edited by: S. Fawzy. Washington: World Bank.

7- Fawzy, S. (April 2003). Assessment of Corporate Governance in Egypt. Working Paper No. 82. Egypt, The Egyptian Center for Economic Studies.

8- UNDP, Governance for Sustainable Human Development, UNDP Governance Policy Paper, extracted from UNDP web site, Jan. 1997.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:grcn