عكس الإنطباع السائد...المدن الضخمة هي الأفضل في الصين

 

 

نمو المدن العملاقة تسبب في نشأة أحياء عشوائية فقيرة وفوضى في أماكن مختلفة من العالم، غير أن تلك المدن أنظف وأكثر كفاءة في الصين

مع استمرار الازدهار في الصين خلال العقود المقبلة، سيكون من مصلحتها التركيز على الضخامة، ونعني بذلك ضخامة المدن. وحتى الآن كانت الهجرة من المناطق الريفية التي لعبت دورا مهما في نمو الصين هي السبب في إقامة العديد من المدن. وقد ساهم هذا النمو المضطرب في تضخيم المشاكل المتعلقة بالنمو العمراني، وهي التلوث وإفساد البيئة واقتلاع المزارعين من أراضيهم المحيطة بالمدن، الأمر الذي تسبب في حدوث الكثير من الاحتجاجات من جانب المزارعين. إن نمو المدن العملاقة ـــ الذي تسبب بالتأكيد في حدوث فوضى في دول أخرى ـــ سيؤدي في الواقع إلى اقتصاد صيني أنظف وأسرع نموا وأكثر استقرارا من الناحية الاجتماعية. وعليه فإن الضخامة هي الأفضل بالنسبة إلى الصين بسبب نمطها الفريد في النمو. ويفترض بعض المراقبين الأجانب أن الصين حققت التنمية العمرانية بنجاح حتى الآن، وذلك لأنهـا تتمتـع بحكومــة مـركزية قوية تستطيع فرض الانسجـــام حتى في أصغر قرية في البلاد، وذلك ما حــدث بالفعــل في المــاضي. لكــن بـعـد أن بدأت الصين في تبني الإصلاحات الاقتصادية والانفتاح بعد عام 1978، لم تعد تتشدد في تطبيق نظام الجوازات الداخلي الذي يطلق عليه اسم هوكو لأنها أرادت توفير أعداد كافية من العمال في المناطق التي تحتاج إليهم بشدة. وحتى يومنا هذا تمكنت الحرية الاقتصادية في الصين من مواكبة سياسة تنطوي على الاستفادة من الديناميكية المحلية، الأمر الذي ينطوي ضمنيا على تشجيع المستثمرين من سكان المدن.

لم يكن هناك عامل أكثر تأثيرا على قدرة المدن الصينية على التوسع العمراني أكثر من الحرية التي منحت لها لشراء وبيع الأراضي. ولهذا السبب نجد أن المدن الصينية نجحت إلى حد بعيد، حتى الآن، في تجنب ظاهرة الأحياء العشوائية الفقيرة التي تشوه المدن التي تشهد نموا عمرانيا سريعا في مناطق أخرى من العالم. ففي دول أخرى مثل البرازيل والهند نجد أن تدفق المهاجرين إلى المدن حدث أولا، الأمر الذي اضطر الحكومات المحلية فيما بعد إلى اللجوء إلى الضرائب من أجل إقامة البنية التحتية اللازمة لخدمة ذلك التوسع العمراني وعلى النقيض من ذلك تمكنت المدن الصينية من تمويل خطة تقوم على أساس "بناء المدن قبل وصول سكانها". ويعزى ذلك من ناحية إلى استغلال مبالغ من المدخرات الهائلة المتوفرة لدى الحكومة المركزية، ومن الناحية الأخرى إلى الموارد التي وفرتها صفقات بيع الأراضي المحلية وحتى وقت قريب توفرت للمسؤولين في المدن الصينية اعتمادات مفتوحة لشراء الأراضي المحيطة بمدنهم بأسعار زهيدة لبيعها بعد ذلك للمؤسسات التجارية الراغبة في الاستثمار وشركات التنمية العقارية بأسعار مخفضة أيضا إلى حد بعيد، واستخدام عائدات البيع لتعزيز القدرة التنافسية وخلق الوظائف وإقامة البنية التحتية. ويقدر معهد مكنسي الدولي أن مبيعات الأراضي خلال العقد الماضي ساهمت بنسبة تصل إلى 60 بالمائة من الموارد السنوية لبعض المدن. ومثلت الوظائف التي خلقتها المؤسسات التجارية التي جاءت إلى المدينة عامل جذب للمهاجرين. فمنذ عام 1990 تضاعف عدد سكان المدن الصينية، في حين توسعت مساحة الأراضي السكنية فيها بنسبة 150 بالمائة غير أنه يبدو أن العهد الذهبي لشراء الأراضي وبيعها ربما يكون قد أوشك الآن على الوصول إلى نهايته. فقد وضعت الحكومة المركزية ضوابط جديدة لتنظيم بيع وشراء الأراضي بعد أن شعرت بالقلق نتيجة لتذمر المزارعين الذين يضطرون للنزوح من أراضيهم. وعليه لم يعد باستطاعة رؤساء البلديات المحلية الاعتماد على هذا المورد المالي، الأمر الذي سيجعلهم يواجهون مصاعب أشد في الحصول على المبالغ التي يحتاجون إليها لتمويل التوسع العمراني في المستقبل. لذا ستضطر تلك البلديات إلى طلب مزيد من الأموال من الخزينة المركزية بصورة مستمرة. وستحتاج المدن الصينية إلى الحصول على الأموال اللازمة لتوفير الخدمات الاجتماعية للأعداد الهائلة من الوافدين إليها (وهم سيشكلون نسبة تزيد على 40 بالمائة من السكان في مدن عديدة بحلول عام 2025) بتكلفة تصل إلى 1.5 تريليون رينمينبي إضافي في ذلك التاريخ حسب تقديرات معهد مكنسي الدولي (وهو مبلغ يعادل 215 مليار دولار بسعر الصرف الحالي) أي ما يمثل نحو 2.5 بالمائة تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي للمدن. وفي الوقت نفسه ستحتاج المدن إلى تمويل التوسع المستمر في البنية التحتية وتغطية التكاليف المتزايدة اللازمة لمواجهة الجوانب السلبية للتوسع العمراني والمتمثلة في التلوث والازدحام.

على مدى الأعوام الـ 17 الماضية انتقل أكثر من 100 مليون شخص من الريف إلى مراكز سكنية تتوسع بسرعة شديدة. وحتى الآن يتم التوسع العمراني في مناطق متفرقة، حيث انتشرت مدن عديدة من وسط البلاد إلى سواحلها، ومن شمالها إلى جنوبها، ونمت جميعها بصورة متوازية. وحسب تقديرات معهد مكنسي الدولي كانت في الصين 858 مدينة عام 2005، وإذا استمرت معدلات النمو الحالية سيصل ذلك العدد إلى 939 بحلول عام 2025. وستتنافس هذه المدن جميعها على الموارد، كما أنها ظلت عبر تاريخها تركز جهودها بصورة رئيسية على زيادة ناتجها المحلي الإجمالي بأسرع ما يمكن وبحلول عام 2025 سنشهد زيادة في عدد سكان المدن الصينية تصل إلى 350 مليون نسمة ـــ وهو عدد يزيد على عدد سكان الولايات المتحدة اليوم ـــ منهم أكثر من 240 مليونا نزحوا من الريف إلى المدن. وستصل احتياجات المدن الصينية من الطاقة والمياه خلال الـ 20 عاما المقبلة إلى ضعف احتياجاتها الحالية. وفي كل الأحوال سيكون التلوث شديدا إلى أبعد الحدود. واليوم نجد أن نحو 60 بالمائة من مياه الأنهار الصينية أصبحت بالفعل ملوثة إلى حد يجعلها لا تفي بالمعايير الدولية للمياه الصالحة للشرب. ولا يستبعد على الإطلاق أن تتضاعف درجة تلوث مياه المدن خمس مرات عام 2025. وقد يصل تلوث الهواء، ولاسيما بأكسيد النترات، إلى معدلات خطرة في المدن الكبيرة. أما الازدحام فقد أصبح بالفعل يعرقل مسيرة الحياة في المدن، حيث لا يستبعد أن يصل الازدحام في شنغهاي مثلا إلى ثلاثة أضعاف طاقة الطرق فيها. كما أن خطط تشتيت المناطق السكنية ستؤدي إلى خسارة نسبة تصل إلى 20 بالمائة من الأراضي الزراعية المتوفرة في الصين والسؤال المطروح الآن هو ما إذا كان من الممكن الاستمرار في الطريقة المتبعة حاليا. وقد خلص البحث الذي أجراه معهد مكنسي الدولي إلى أن الصين ستستفيد كثيرا من الانتقال إلى نموذج توسع عمراني أكثر تركيزا. وينطوي أحد هذه النماذج على إمكانية نمو 15 مدينة عملاقة عام 2025 يصل عدد سكان كل منها إلى 25 مليون نسمة. وينطوي النموذج الآخر على تطوير 11 "شبكة مدن" تربط بينها علاقات اقتصادية قوية، ويصل عدد سكان كل شبكة منها إلى أكثر من 60 مليون نسمة. وقد شهدنا هذين النموذجين مطبقين بشكل أو بآخر في مناطق مختلفة من العالم. فهناك مدن عملاقة مثل نيويورك ولندن وطوكيو. أما نموذج شبكات المدن الديناميكية فيتمثل في الشبكة التي تشكل مدينة سيئول مركزا لها.

لا يدعي معهد مكنسي الدولي أن المدن الضخمة هي الأفضل دائما. غير أن الضخامة ربما تكون هي الأفضل بالنسبة إلى الصين بالنظر إلى تاريخها الفريد وعدد سكانها الهائل ونسبة من ينزحون منهم إلى المدن. توفر المدن الصينية حاليا 75 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في الصين، وبحلول عام 2025 سيصبح الرقم أكثر من 90 بالمائة. ولكن تلك المدن ستكون أكثر ثروة لو أنها كانت مدنا ضخمة. واستنادا إلى النموذجين المركزين المشار إليهما آنفا سيصل دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 75000 رينمينبي أي نحو 10700 بأسعار الصرف الحالية. وينطوي ذلك على زيادة في دخل الفرد بنسبة 20 بالمائة مقارنة بنماذج المدن الأكثر تشتتا. ويعزى ذلك إلى حد بعيد إلى الإنتاجية والكفاءة اللتين تميزت بهما المدن الصينية الكبيرة ومما لا شك فيه أن مدن الصين الكبيرة ساهمت في نمو اقتصاد البلاد أكثر من المراكز السكنية الأقل حجما. ويقدر معهد مكنسي الدولي أنه في عام 2007 كانت هناك 14 مدينة فقط يزيد عدد سكانها على خمسة ملايين نسمة، ورغم ذلك ساهمت هذه المدن بنسبة 33 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي في الصين. كما ساهمت المدن الكبيرة في اجتذاب المستثمرين والعمال المهرة بنسبة تفوق نسبة سكانها. وتجدر الإشارة إلى أن ربع سكان شنغهاي يحملون شهادات جامعية وبصورة عامة ستكون نفقات الدولة عند تقديرها كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي أقل إلى حد ما في المراكز السكانية المركزة مقارنة بمناطق النمو المتفرقة، كما أن استهلاك الطاقة سيكون أقل بنسبة 20 بالمائة. أما خسارة الأراضي الزراعية فستنحصر في نسبة تتراوح بين 7 و8 بالمائة مقارنة بنسبة تزيد على 20 بالمائة في مناطق النمو المتفرقة حيث تتوسع المدن بصورة "أفقية". وكذلك ستقل الانبعاثات الكربونية بدرجة ملموسة حيث إن المدن ذات الكثافة السكانية العالية ستحد من تلك الانبعاثات. ومع أن التلوث في المدن المنفصلة قد يكون عاليا، إلا أن مكافحته على نطاق أوسع ستكون أسهل مما لو كانت المشكلة موزعة في منـــــــطق متفرقة من البلاد.

أمام الحكومة الصينية الكثير من الخيارات إذا أرادت المضي في هذا الاتجاه فباستطاعتها فرض مزيد من القيود على قدرة المدن على شراء الأراضي، الأمر الذي سيؤدي إلى تباطؤ النمو في المناطق السكنية الأقل تطورا، ويشجع على زيادة الكثافة السكانية في المدن الكبيرة. وتستطيع بكين أيضا تشجيع إقامة مشاريع البنية التحتية بما فيها الطرق ومصافي النفط والموانئ في المدن العملاقة وتجمعات المدن، وباستطاعتها كذلك منح المدن الكبيرة مزيدا من صلاحيات الحكم الذاتي، الأمر الذي سيوفر لها مزيدا من المرونة لوضع السياسات الخاصة بها.

قد تساور المراقبين من الخارج شكوك إزاء جدوى إقامة عدد كبير من المدن العملاقة الكثيفة السكان في الصين. فهل ستنشئ الصين جيلا جديدا من المدن المكتظة بالأحياء الشعبية التي يعم فيها الفقر والحرمان الاجتماعي كما نرى في دول أخرى؟ أم أنها ستستطيع التعامل مع ظاهرتها السكانية بصورة فعالة وتتمكن من إقامة جيل جديد من أرقى المدن الحديثة في العالم لتنافس مدنا مثل نيويورك وطوكيو؟

يتمثل الفرق بين هذين الخيارين في فعالية الإدارة. وسيتعين على رؤساء البلديات التفكير بصورة أكثر استراتيجية، ووضع إنتاجية المدن على رأس قائمة اهتماماتهم بالتركيز على جودة التوسع العمراني بدلا من دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي بأي ثمن. وحتى إذا استمر النمو العمراني على وتيرته الحالية، فإن الصين تستطيع تحقيق هدفها الطموح الجديد لمضاعفة دخل الفرد أربع مرات بحلول عام 2020. غير أن وضع إنتاجية المدن على رأس قائمة الأولويات سيمكن شركات الاستثمار العقاري في المدن الصينية من تحسين حياة المواطنين.

تمكن بعض المواطنين بالفعل، من أمثال وهان وكينغداو وهانغزاو، من المضي في هذه الطريق، الأمر الذي سيمكنهم من اتباع أساليب جديدة ورائدة لتحسين كفاءة الخدمات العامة وتطوير المواهب بالتعاون أحيانا مع القطاع الخاص وإجراء تجارب تتعلق بأساليب جديدة لمحاربة التلوث والازدحام. وتحتاج الصين إلى تكرار التجارب الناجحة في جميع أنحاء البلاد، على أن يتم ذلك بصورة عاجلة لأن وطأة ضغوط التوسع العمراني ستكون أشد على المهاجرين الضعاف والمدن الصغيرة.لن تؤثر الطريقة التي يعالج بها الصينيون تحولهم الاجتماعي على شكل بلادهم فحسب، ولكنها ستؤثر بصورة حادة على بقية دول العالم. وبينما يراقب العالم التطور الذي تشهده الصين، لن يكون هناك شك في أن حجم التغيير سيكون مذهلا بحد ذاته. غير أن عبقرية المسؤولين في البلديات، وقدرتهم على استغلال مواردهم بكفاءة، واستخدام أسلوب استراتيجي يتمحور حول النمو المركز وزيادة إنتاجية المدن ستمثل المعايير التي يقاس بها التقدم على المدى البعيد.فاريل هي مديرة معهد مكنسي الدولي، وجاناميترا ديفان عضو كبير في المعهد. وجوناثان وتزيل هو مدير في مكتب شركة مكنسي في شنغهاي.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:newsweek