القيادة الادارية مفهوما وممارسة

 

 

اولاً: في مفهوم القيادة الادارية: مهما تعددت مفاهيم القيادة، فانها لاتبتعد، او ربما يمكن حصرها في المفهومين التاليين: المفهوم الوصفي الذي يذهب الى تعداد الصفات المرغوب توفرها في القائد الاداري الواحد، ويمكن اعتبارها مقومات عامة للقيادة، فهي التي تمجد البطل السوبرمان ـ الرجل العظيم ـ وتجسدها كذلك دراسات الرجل المبدع، ونظرية القائد الفعال، ونظرية قوة القائد، ونظرية سلوك القائد الى غير ذلك.

المفهوم الوظيفي

الذي يعتبر القائد مرادفاً لكبار موظفي الدولة الذين يتصلون بالسلطات السياسية المباشرة، وعددهم لايشكل الا نسبة ضئيلة من الموظفين العوميين في البلد الواحد، وذلك عندما يجري تحديد مستويات هؤلاء الموظفين العاملين في الهياكل التنظيمية لمنظمات الادارة العامة وهي:

المستوى التنظيمي الاعلى

وتعكس هذه المناصب في هذا المستوى في واقع الامر طابعاً سياسياً اكثر منه ادارياً.

المستوى التنظيمي الاوسط

الذي يطغى عليه الطابع الاداري حيث انه يضم في الغالب وكلاء الوزراء ورؤساء الهيئات والمؤسسات العامة، ويغلب على مناصب هذا المستوى الاستقرار الوظيفي مقارنة مع المستوى السابق واعضاء هذا المستوى يغلب عليهم الطابع الاداري الذي يتمثل في قدرة ومؤهلات وخبرات اعضائه في مجال تنفيذ السياسة العامة من ناحية، فان بعض النظم السياسية، ولاسيما الانظمة النيابية منها، فانها تعطي هذا المستوى بعداً سياسياً كونه يعكس الولاء والحماس لتنفيذ السياسة العامة من ناحية اخرى، وذلك لان هذه النظم السياسية تتعهد بتنفيذ الوعود الانتخابية ومايرتبط بها من اهداف عامة منشودة.

المستوى التنظيمي الادنى

الذي يقيم بقية الوظائف الادارية التي لاتقع في دائرة اختصاص المستويين التنظميين السابقين، مع ذلك فأن العبء الفعلي لتنفيذ السياسة العامة يقع على اعضاء هذا المستوى، وبالتالي فأن نجاح تحقيق اهداف السياسة العامة من عدمه يتوقف على مدى اخلاص وحماس وخبرات ومؤهلات المناصب الاشرافية مثل مدراء الادارات ورؤساء الاقسام.

ومهما يكن من امر فان التحليل الدقيق لمفهوم القيادة الادارية لابد ان ينصرف الى الوقوف على مقوماتها، والتركيز على موضوع تأهيلها، والساحات التي تظهر عليها ادوارها.

اولاً: مقومات القيادة الادارية

هناك مقومات متعددة للقيادة الادارية منها ماهو موروث ومنها ماهو مكتسب، اهمها:

1 ـ الحيوية الذهنية

2 ـ الوعي الهدفي وتحسس الاتجاه

3 ـ الحماس الرشيد في تنفيذ العمل

4 ـ الاستقامة

5 ـ المودة والتعاطف مع من يلتف حوله في العمل.

6 ـ القدرة على التصميم والتقدير والارشاد

7 ـ الهيمنة الفنية.

ويمكن ان تضيف الى هذه الصفات او المقومات مايأتي:

1 ـ النضوج والاستقرار العاطفي

2 ـ القابلية على الاعتماد على النفس والثقة بها وتحمل المسؤولية

3 ـ القدرة على التطبع للمهام الجديدة.

4 ـ المرونة الاجتماعية

5 ـ الصمود امام الضغوطان كل هذه الصفات تساعد ولاشك على اداء القائد الاداري لادواره الادارية بصورة فعالة في مجال التغيير والتطوير.

وهناك معوقات ابرزها:

1 ـ ان توقعات الجماهير وأولي الامر من القائد الاداري في الشعوب المتخلفة تفوق كثيراً مايجابهه نظيره في الشعوب المتقدمة، هذا الى جانب النقص الواضح في التقنية والجهل المطبق، ووجود جماعات ضاغطة متعددة وقيم رائجة مختلفة تحاول ان تؤثر تاثيراً سلبياً في انظمة الادارة، كل هذه الامور تجعل القائد الاداري في هذه الشعوب يحارب بيد واحدة وهو محاط من جميع الجهات بجماهير فاغرة افواهها منتظرة سقوطه لتحث عليه التراب.

2 ـ وجود الشبكة المتوترة داخل الدائرة الواحدة او الدوائر المتعددة العاملة والمشدودة بين من يريد ان يعمل ويغير، وبين من يود المحافظة على الوضع القائم وهناك عوامل تساعد على وجود بيئة مشحونة وتوتر يستنزف معظم وقت القائد الاداري الى ان يجعله لايتمكن من انجاز اعماله التي جاء من اجلها بغية تنفيذ السياسة العامة على الوجه الاكمل الامر الذي يتسبب في تصديع سمعته حتى ولو كان ذا مزايا عالية.

3 ـ ان المشاكل التي تحيط بالقائد الاداري قد تتأتى من النظام الاداري والسياسي فوجود المصادر المتعددة للتعيين وازدواج منابع المسؤولية يعملان في كثير من الاحيان على شل عمل القائد الاداري فكثيراً مايجري تعيين شخص او أشخاص لدائرة او دوائر دون علم القائد الاداري وقد يحدث العكس في بعض الاحيان، كما يؤدي تعدد مصادر المسؤولية او ثنائيتها الى ضعف وحدة أمر وتوجيه القائد الاداري على أتباعه، وهي امور لايمكن نكران تأثيرها في كفاية الاداء وفي عملية النمو والتغيير.

والخلاصة فان كل هذه المعوقات تؤثر بصورة مباشرة او غير مباشرة على القيادة الادارية والتزاماتها وهوية انتمائها وعلى قواها الذهنية والمادية، وبناء على ذلك فأن هناك بعض الاطر التي تساعد على حماية القائد الاداري وتأهيله وتنشيطه فضلاً عما ذكرناه من مقومات، والتي يمكن ذكرها على سبيل المثال لاالحصر.

1 ـ ان تعتمد عملية الاختيار للمناصب الادارية العليا والمتوسطة اعتماداً كلياً على المؤهلات الادارية والقابليات العملية والصفات الخلقية، وعلى التفهم العميق لمقتضيات المرحلة التي يمربها المجتمع.

2 ـ ان يمنح للقيادة الادارية في الشعوب النامية حصانة ضد التقلبات السريعة والذبذبة المفاجئة في تغيير القادة فلايتم إبعادهم عن مراكزهم الا لضرورة قصوى.

3 - التوسع النسبي في ادخال نظام الدوائر الاستشارية الادارية والفنية، وربطها بالقائد الاداري، وتدعيمها بنوعية من المستشارين المتميزين.

4 ـ التشريع لحماية الاجتهاد للقادة الاداريين والوقوف ضد مبدأ رجعية العقوبة على التصرفات الادارية التي تكتسب حجية الشيء المحكوم فيه، وقبول اولي الامر لها حين اتخاذها.

5 ـ يجب ان تكون هناك طرق مدروسة وفعالة لتنشيط القائد الاداري وتأهيله لتساعده على الوقوف بوجه التغييرات المفاجئة، وتساعده ايضاً على توسيع الرؤيا في مجال عمله واستشراف المستقبل.

ثانياً تأهيل القيادة الادارية: ان موضوع تأهيل وتزكية وتنشيط القائد الاداري تحيطها هالة واسعة من المعرقلات، خاصة في المجتمعات النامية، التي تؤثر في حسن سير نمو هذه المجتمعات وتطويرها، فالقبلية والطائفية والعرقية والحزبية، وفقدان الاستجابة المشروطة بمقومات المواقف من قبل الرؤساء، والطموحات غير الموزونة، والاحلال والابدال على أساس الازاحة غير الرشيدة كلها سلبيات جعلت الادارات مكتفية بالحكم الخاوي من غير قائد مدير، ولا بأس ان نذكر بعض النماذج التأهيلية،وهي: الدراسة ، المؤتمرات ( الداخلية والخارجية )، الندوات اما عملية التزكية والتنشيط، وهي مرهونة بظروفها ايضا، فانها يمكن ان ترتكز على النقاط التالية :ـ

1- توسيع المعرفة:

اذ على القائد الاداري ان يعرف نفسه أولا معرفة دقيقة، وان يعرف محيطه المباشر ومقوماته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية معرفة موضوعية لا تشوبها عرقية او طائفية. حيث ان هذه المعرفة ستساعده على ان يلعب دوراً فعالاً مقنعاً امام رؤسائه السياسيين ومساعدتهم بالمشاركة البناءة في وضع السياسة العامة، وستزيد من قدرته على تحمل اعباء تنفيذها وهنا يمكن اقتراح اطارً عملي لهذه المعرفة وهو:

أ. معرفة علم السياسة العامة

وضعها مشاكلها وفلسفتها والتنمية السياسية والتحليل الوظيفي لها.

ب . الادارة العامة

معايير التخطيط ، فلسفة التنظيم، النماذج الملائمة في ادارة شؤون العاملين، النماذج في الشؤون المالية والسيطرة عليها، العلاقات العامة التركيب القانوني للبلد.

ج. الادارة التقنية:

التي تساعد على تذكية قابلية البحث والتحليل.

د. دراسات سلوكية

والتي تركز على معرفة العلاقات المتشابكة داخل مجتمع القائد الاداري وداخل دائرته وعلاقتها بزيادة الكفاءة الادارية كالجماعات الاولية من ذوي المصالح والجماعات الضاغطة والتيارات السياسية.

هـ . دراسات اقتصادية

ذات العلاقة بمقومات التنمية الاقتصادية ومصادرها وافرازاتها.

و. دراسات تجريبية

متعلقة بأستراتيجية الادارة والتي تركز على عملية صنع القرار ، وتحفز على روح الابتكار في حل المشاكل المعقدة.

2. التروي

وتقوم هذه الركيزة على غرس سجية النظر في العواقب والتبصر باعتبار ان القيادة الادارية كيان عقلي يتميز بالاحساس وتعلم كيفية التجنب بروح متفائلة في التغيير والتجديد، ولاشك ان دراسة التاريخ تفيد القائد الاداري في تنمية هذه السجية.

3. الصبر

وهو من اعظم الركائز التي تعتمد عليها فلسفة التذكية للقادة الاداريين ولاسيما انهم محاطون بأناس هلوعين غير صبورين، وحكام جزعين وموظفين مقهورين، وطامحين في الحكم، فهؤلاء جميعا وغيرهم يشكلون حالات جذب مشدودة على خصر القائد الاداري بل على رقبته، خاصة في الشعوب النامية.

ثالثا : ادوار القيادة الادارية :ان دور القائد الاداري عبارة عن سلوك يأتي به القائد لانه يحتل مركزاً محدداً ضمن الدائرة العاملة، وان هذا المركز ينطوي على توقعات ينظر اليها وكأنها واجبات تم فرضها على هؤلاء الذين يحتلون تلك المراكز، فالقائد الاداري بمجرد احتلاله ذلك المركز الوظيفي، سواء كان مفروضاً عليه او انه يحتله طواعية فهو مطالب بانجاز واجبات تعتبر كأنها الوجوه الحركية لتوقعات المجتمع من تلك الوظيفة.

ان مجرد قبوله لان يلعب ذلك الدور يعد قراراً اتخذه القائد مسبقاً حول ما يجب عمله، كما ان القائدالاداري يساعد الرئيس التنفيذي في وضع تنفيذ السياسة العامة من جانب اخر، ولذلك يمكن تبيان الباحات التي تظهر عليها ادوار القائد الاداري بما يأتي:

1. انه مطالب بتقديم المعلومات الكافية لتوسيع ادراك واضعي السياسة العامة، فهو في هذه الحالة يقوم بدور الباحث ودور المستشار رغم انه لا يرتقي الى مستوى واضع سياسة بحد ذاته.

2. انه مطالب ليس فقط عن مساعدة السلطات السياسية في وضع السياسة العامة وتخطيطها فحسب، وانما ايضا مطالب بوضع تلك السياسة في قوالب تنظيمية عملية، الامر الذي يجعل الدائرة العاملة اكثر تحركاً وتجاوباً لكي تصبح معولاً عليها في تنفيذ السياسة العامة روحاً وشكلاً.

3. انه مطالب باختيار العنصر البشري لدائرته، اذ ان نوعية الموظفين وكيفية اختيارهم ومعرفة ميولهم واتجاهاتهم تعد من الامور ذات الاهمية لتحقيق مشاريع التنمية.

4. انه مطالب ان يلعب دور ترجمة السياسة العامة الى عقيدة يلقنها لمن يعتبر تلقينه امرا تقتضيه طبيعة عمله، وهي عملية اصبحت من الضرورة بمكان خاصة اذا كانت السياسة العامة جديدة، او ان سرعة انجازها ضرورة ملحة او ان هناك مقاومة ناجمة من جهل او عدم رغبة في الانصياع.

5. انه مطالب ان يكون حكيماً في تشخيصه وصبوراً في معالجاته، ومطالباً ايضا بايجاد نوع من التوازن بين المطالب المتناقضة وتشذيب حدة الاحتكاك، ولا سيما انه يعمل في بيئة اجتماعية تعيش تحت ضغط اقتصادي واجتماعي، وهي الحالة التي تؤثر تأثيراً مباشراً في الدوائر العاملة، فتدفع بها الى حالة من التوتر والتزمت وعدم الالتزام بالوقت والتبذير وعدم التنسيق.

6- انه مطالب ان يكون مسؤولاً عن ايجاد درجة عالية من التعاون الودي بين دائرته والدوائر الاخرى بدرجة تقترب ان لم نقل تفوق ما هو مألوف في الشعوب المتقدمة، وذلك عندما نعلم ان الدوائر الحكومية في الشعوب المتخلفة تعيش ظاهرة الابتلاع والكسب والتباعد والتفرد والتوسع.

7- انه مطالب بخلق الرجل الثاني في الدائرة العاملة لكي يقوم مقامه في حالة غيابه، والتوسع بهذا الخلق اذ ان كمية الاحتياط من الرجل الثاني، فضلاً عن انها مؤشر على نكران الذات والحكمة، فانها تتحكم في تقرير امر التوسع في التنظيم الحكومي واعادته.

وتتجسد ادوار القيادة الادارية في العديد من الجوانب لعل من بين البارز منها:

1- صنع القرار

وهو ذو صلة مباشرة بسلوك القائد الاداري وعمله، اذ يعد المرآة التي تنعكس عليها اعماله، وهو يؤثر تأثيراً سلبياً وايجابياً في تماسك الدائرة العاملة ونشاط موظفيها، لذلك اهتم علم الادارة العامة بهذا الامر اهتماماً بارزاً، وتكاثرت حوله النظريات والنماذج التي عالجها العلماء في العلوم الاخرى.

2- تقييم الاداء

وهو يعد اسلوباً رشيداً لقياس تدرج وجدوى التنمية الادارية، ولذلك اخذت العديد من النظم السياسية التباهي باعتماده كوسيلة ديمقراطية لاكتشاف المواهب واعطاء كل ذي حق حقه ووضع القائد الملائم لمفاصل وصنع القرار، فهو عبارة عن وسيلة ادارية تتضمن معنى السيطرة على العلاقات الوظيفية داخل الدائرة العاملة، لمقارنة جودة العمل للموظفين المسؤولين عن القيام به على المستويات الافقية ضمن الهرم الاداري، ومن ثم يستعمل كوسيلة لاكتشاف الامكانيات التي تؤهل موظفاً معنياً بالذات لان يرتقي على السلم الاداري عمودياً لاشغال وظيفة اعلى في المستقبل.

3- مواجهة الازمة

حيث ان مواجهة القائد الاداري للضغوط الداخلية والخارجية (الازمة) تتطلب قدرات لقابليات جبارة من اهمها القدرة على الصمود، والشجاعة، والتثبت من مواقع الامور، والتعمق في بواطن الحوادث، ودرء الشك، وعدم الهروب لمجرد الاشاعات الى غير ذلك من الصفات التي يجب توافرها رغم علمنا بأن سردها يسير، الا ان معرفة توافرها في الاداء الاداري من اعسر الامور.من كل ما تقدم يمكن القول: ان مراكز القيادة الادارية تعتبر تكليفاً ما بعده تكليف، وامانة لا تدانيها اية امانة.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:qeyadah