حملوا معهم طرق جديدة في التفكير...المهاجرون ودورهم المتميز في الإقتصاد الأمريكي

 

سكوت إي بايج

 

طرق جديدة في الرؤية والتفكير

أحد الأسباب الهامة للنجاح الديناميكي لإقتصاد الولايات المتحدة الأميركية يكمن في الطرق الجديدة في رؤية الأمور والأساليب الجديدة في التفكير التي أتى بها المهاجرون من جميع أنحاء العالم .أدت سياسات الهجرة في الولايات المتحدة الى قيام وطن متنوع. يساهم هذا التنوع في الثقافات، والجنسيات، والإثنيات، والأديان في متانة الاقتصاد وغنى إنتاجيته، وبشكل مباشر أكثر يفسر هذا التنوع، ولو جزئيا، لماذا تقود الولايات المتحدة اليوم العالم في الإنجازات الابداعية والعلمية.

أثبت المهاجرون بنسبة عالية انهم من أصحاب المبادرات في الأعمال. فمن العام 1995 وحتى العام 2005، تضمن أكثر من ربع شركات "التقنيات العالية" التي تم انشاؤها مهاجرين ضمن قياداتها. وفي العام 2005، ووظفت هذه الشركات ما يقارب نصف مليون عامل، وحققت أرباحاً تزيد عن 5 مليارات دولار. ومن بين هذه الشركات نذكر، إنتل، غوغل، ياهوو، صن، وإي باي أما تأثير المهاجرين في حقل العلوم فهو مماثل، حيث ان أكثر من ثلث الأميركيين الحاصلين على جوائز نوبل في العلوم هم من المهاجرين. ومن بين الحائزين على جائزة نوبل في الطب للعام 2007 ماريو كابيتشي و أوليفر سميثيز، اللذين يدرّسان في جامعتين حكوميتين.

علاوة على القدرات التي يمتلكها المهاجرون، فإنهم يدينون بجزء من نجاحهم ببساطة إلى حملهم مهارات متنوعة، وطرق جديدة لرؤية الأمور وطرق جديدة للتفكير. فعندما يصل المهاجرون إلى الولايات المتحدة، فإنهم يحملون معهم تواريخ، وروايات، وثقافات وأديان متنوعة. كما يحملون معهم إصراراً على النجاح. هاتان الميزتان، أي تنوع المعرفة والرغبة، مكنّت المهاجرين من إنجاز تلك المساهمات الباهرة.

البيانات التي توضح فوائد تنوع المعرفة كثيرة لا لُبس فيها. نجد هذه الفوائد في الاقتصاد: فالعمال في المدن الكبرى التي تحوي إعداداً أكبر من المهاجرين هم الأكثر إنتاجيةً في اقتصاد الولايات المتحدة، وذلك جزئيا بسبب فيض الأفكار المتنوعة. كما وتظهر الفوائد أيضا في الحقل الأكاديمي: فالأبحاث التي أنتجتها فرق الباحثين المنتمين إلى خلفيات متنوعة كان لها تأثير اكبر من تلك التي أنتجها علماء يعملون بمفردهم. وتبرز الفوائد أيضا في عالم الفنون والثقافة: تعتمد الإنجازات في هذه المجالات بشكل حاسم على تدفق الأفكار الجديدة التي حملها معهم المهاجرون.

منظور مختلف

بدأ علماء الاقتصاد والاجتماع وعلماء النفس بفك رموز الآلية التي يعمل عبرها التنوع. لماذا تنتج المواطنية المتنوعة ابتكارات أكثر، واختراقات علمية أكثر، وفنون مشوقة أكثر؟

الجواب المختصر هو ان التنوع الثقافي والإثني يترجم إلى طرق متعددة أكثر في الرؤية والتفكير. ويسمى علماء الاجتماع هذه الطرق "المنظور والاستكشافية" لن تكون "موجة المستقبل غزو العالم على يد عقيدة واحدة متعصبة، إنما عن طريق تحرير الطاقات المتنوعة للأمم الحرة وللرجال الأحرار". هذا القول للرئيس كينيدي .يتيح المنظور المتنوع للناس إعادة طرح المشاكل الصعبة وتحويلها إلى مشاكل سهلة. فالمنتجات الجديدة، والاختراقات العلمية، والإشكال الجديدة من الفنون جميعها تولدت من المنظور المتنوع. فبعد رؤيته لحقل محروث، أدرك المخترع، فيلو فارنورث، كيف يمكن إرسال صور عبر الهواء، وهذه الرؤية أدت إلى اختراع التلفزيون. لا يمكننا أن نتوقع أبدا ما هو المنظور الذي سوف يؤدي إلى اختراق معين، ولكن يمكننا تشجيع طرق متنوعة للرؤية بحيث تحدث الاختراقات تلقائيا.

ينتج تنوع طرق التفكير تحسينات روتينية أكثر واصغر حجماً من الاختراقات الأكبر التي يمكن ان تأتي من المنظور الأكثر تنوعاً. ان الناس في أي مجتمع تحمل وتكتسب مجموعة هائلة من تقنيات حل المشاكل والقواعد غير التقليدية المبسطة التي يتعلمونها من التجارب، والتعليم، والعائلة. هذه الطرق المتنوعة في التفكير تتيح للمجتمع إنجاز ابتكارات صغيرة ومتناسقة، سواء كانت في المختبر أو على أرض خط التجميع الصناعي.يتوقف النمو الاقتصادي والتقدم العلمي على دمج الاختراقات مع الابتكارات المستديمة. وأول الأمر يكون على احد ما ان يأتي بمنظور جديد ويقدم، مثلا، فكرة الدراجة الهوائية، أو الكمبيوتر الشخصي، أو الأعمال التي تتيح طرح المزادات على الانترنت. ثم يقضي آخرون عدة عقود من تنقيح وتحسين الأفكار عن طريق استخدام طرق مختلفة في التفكير توفر الهجرة تدفقاً ثابتاً من الطرق الجديدة في رؤية الأمور والتفكير مما أدى إلى النجاح العظيم للمهاجرين في الانطلاقات الجديدة للأعمال، والعلوم، والفنون.

الاستفادة من التنوع

لن تظهر الفوائد الاقتصادية والعملية والثقافية للهجرة من دون بنية تحتية سياسية واقتصادية واجتماعية ملائمة. تختلف المجتمعات المتنوعة عن المجتمعات المتجانسة في ثلاثة جوانب مهمة: أولا، التنوع يزيد التعقيد. وإدارة التعقيد لم تكن يوماً عملاً سهلاً. هذا الأمر صحيح في الحقلين الاقتصادي والاجتماعي وعلى صعيد العمل ضمن فريق واحد. فالتفاعلات ضمن المجموعات والجماعات المتنوعة، تكون أحيانا مثيرة للمنازعات ولا يمكن التنبؤ بها.

ثانياً، يتطلب التواصل مع الطرق المختلفة في الرؤية والتفكير، صبراً وتسامحاً. ويتطلب النجاح قبول الاختلاف والنظر إلى ما وراء لون الآخر، وسماع أفكاره، وتجاهل لهجته. وأكثر ما يتطلبه النجاح هو القبول في ان الآخر المختلف قد يكون لديه الجواب الأفضل.

ثالثاً، المجموعات المتنوعة من الناس لا تختلف فقط في طريقة التفكير والرؤية إنما أيضا في الأهداف والمثل العليا. فإذا اختلف الناس في تفضيلاتهم الأساسية، أي مثلاً، إذا كانوا يناضلون من أجل أهداف قومية متباينة، عندها تحدث المشاكل. لا يمكن للناس المتنوعين ان يتفقوا على حل مشكلة معينة إذا لم يتفقوا على تعريف المشكلة. يجب ان يتفق الناس على أهدافهم وقيمهم الأساسية. ومهما كانت الأدلة قوية التي تشي إلى ان الطرق المتنوعة في الرؤية والتفكير تولد منافع هائلة، فإن هناك أدلة أخرى، لا تقل قوة عن سابقاتها، تشير إلى ان القيم الأساسية المتنوعة يمكن ان تخلق مشاكل كبيرة أيضا.

البيئة الملائمة

بضوء هذه السمات الثلاث، فإن فوائد التنوع الناتجة من الهجرة، لا يمكن ان تتحقق من دون بيئة ملائمة. ويجب ان تشمل هذه البيئة قواعد مجتمعية غير تقليدية تلائمها أيضا، أي الاستعداد لسماع الآخر والتسامح ازاء الاختلاف، اضافة إلى وجود قوانين رسمية مثل تلك التي تحظر التمييز على أساس الهوية. النتائج المأمولة من ذلك هي قيام ثقافة قومية، تشجع الناس على التفكير المختلف، وفي الوقت نفسه تحقق اتفاق واسع على الأهداف والمبادىء القومية ففي الأنظمة السياسة السليمة، على سبيل المثال، غالباً ما يختلف الناس حول طريقة الاستجابة للتحديات. نرى هذا الاختلاف في الولايات المتحدة من خلال النقاشات حول كيفية تمويل المدارس الحكومية وكيفية إرساء السياسات البيئية. لكن هؤلاء الأشخاص أنفسهم يجب ان يتفقوا بدرجة واسعة على الأهداف النهائية: أهمية التعليم ونظافة البيئة.

صحيح ان سياسات الهجرة المفتوحة تخلق تنوعاً ثقافياً واثنياً ودينياً، لكنها تخلق كذلك تنوعاً في المعرفة تكمن فيه القيم الاقتصادية والعلمية والثقافية للمهاجرين. وتنتج عن الطرق الجديدة للرؤية اختراقات مهمة. المهاجر التايواني، ديفيد هو، كان أول من أدرك انه بالرغم من عدم تمكن أي عقار واحد مضاد للفيروسات ان يضع حداً لمرض الإيدز، بينما يمكن لمزيج متنوع من هذه العقاقير ان يحقق ذلك. بإتباع هذا المنطق، تمكّن العلماء من تطوير عقاقير جديدة للإيدز، وإنقاذ حياة الملايين، وتم اختيار ديفيد كرجل عام 1996 في مجلة تايم وإذا ما استطردنا من هذا المنطق يمكن أن نفسر قيم الهجرة. فالناس من ثقافات مختلفة يحملون معهم طرقاً متنوعة من الرؤية والتفكير في التحديات والفرص التي تواجها دولة معيّنة فلا يمكن لفرد واحد مواجهة كل تحد، لكن التدفق المستمر للطرق المتنوعة والجديدة في الرؤية والتفكير الناتجة عن الهجرة المفتوحة يضمن النجاح في المواجهة، إذا ما سعينا إلى ذلك مجتمعين.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:akhbaar