أزمة الغذاء··· حلول عالمية فاترة

 

سباستيان مالابي

 

الدول النامية ساهمت في تفاقمها

لقد مضت علينا ستة شهور، ونحن نعاني من أزمة الغذاء العالمية، وهي أشد جسامة بكثير من أزمة الرهن العقاري لدى معظم الناس في العالم. فأسعار الطعام تضاعفت مرتين خلال 3 سنوات مهددةً بدفع 100 مليون إنسان إلى دائرة الفقر المدقع، وهو ما يلغي آثار التقدم الذي تم في مجال التنمية في السنوات القليلة الماضية وقد أدت تداعيات الأزمة إلى إثارة الاضطرابات من هاييتي إلى مصر إلى إثيوبيا، الأمر الذي هدد الاستقرار السياسي في تلك الدول.

وعلى رغم أن تلك الأزمة قد استدعت مجموعة متفرقة من السياسات الحمائية التي تهدد العولمة في الصميم، فيمكن القول بشكل عام أن استجابة الحكومات في مختلف أنحاء العالم لتلك الأزمة كان فاتراً على أقل تقدير للدلالة على ذلك نبدأ بتلك القصة المجنونة عن تخزين الغذاء في اليابان. فهناك ورقة صدرت من ''مركز التنمية العالمية'' تصف الكيفية التي تقوم بها الحكومة اليابانية باستيراد الأرز بما يتماشى مع التزاماتها التجارية العالمية، ثم الكيفية التي تقوم بها بتخزين ذلك الأرز المستورد لحرمان معظم المستهلكين منه خوفا من أن يؤدي الإقبال عليه إلى جعله مفضلاً- لدى هؤلاء المستهلكين- عن النوع المحلي. فاليابانيون المتمسكون بالتقاليد يرون أن استهلاك النوع المحلي من الأرز الرديء النوعية والذي يلتصق ببعضه بعد الطهي واجباً وطنياً.

من منظور اليابان يعتبر تخزين الأرز ممارسة باهظة التكاليف للشوفينية، تستطيع تحمل تكلفتها. أما من المنظور العالمي، فإن عملية التخزين تلك، تحمل أبعــــاداً أكثـــر خطـــــورة، لأن هنــــاك قرابـــة 3 مليارات إنسان يعتمدون على الأرز كغذاء أساسي -نصفهم يعانون من الفقر المدقع- وتستطيع اليابان إنقاذ العديد منهم لو أفرجت عن كميات الأرز المودعة في مخازنها والفضيحة ليست يابانية فقط. فلكي تبيع اليابان الأرز المخزون خارج أراضيها، فإنها تحتـــاج إلى الحصــول أولاً على إذن من البلاد التي استوردت هذا الأرز منها وهي تايلاند وفيتنام وهو ليس بالأمر السهل. ولو استخدمت الولايات المتحدة قدراً قليلاً من نفوذها وقيادتهـــا، فإنهـــا يمكن أن تجعل مسألة الحصول على تلك الأذونات أكثر سهولة، بيد أنها لا تفعل ذلك خوفاً من رد فعل مزارعي الأرز الأميركيين الذين يرون أن ارتفاع أسعار الأرز في صالحهم، وأنه ليس هناك ما يدعو حكومتهم إلى التدخل لتسهيل تصدير كميات الأرز المختزنة في اليابان. وهذه في الحقيقة ليست المرة الأولى التي يدوس فيها لوبي المزارع على الشعوب الأكثر فقراً في العالم تفضيلاً لمصلحته.

وبمناسبة الحديث عن اللوبي الزراعي في الولايات المتحــــدة، قد يكـون من المفيد هنا أن نذكر أن الكونجرس قد مرر مشــــروع قانون زراعي الأسبوع الماضي بموافقة ساحقة من الحزبين. وذلك المشروع يشتمل على تقديم إعانات معقولة للأميركيين محدودي الدخــل الذين يعانون من آثار ارتفاع أسعار الغذاء، ولكنه في الوقت نفســه يبعثر النقــود على المزارعين الذين يكسبون أكثر من دافـع الضرائب المتوسط الدخل، كما يحتوي على مساعدات ضئيلة بدرجة صادمة لفقراء العالم. وينظر الكونجرس في الوقت الراهن في مشروع قانون منفصل سيؤدي إلى تعزيز المساعدات الغذائية الدولية بشكل على نحو كبير، بيد أن هذا الإجراء للأسف قوبل بلامبالاة مخجلة من قبل مشرعي القوانين مما أدى إلى تعطل صدوره أما الأوروبيون، من جانبهم، فلهم طريقتهم الخاصة في تكريس الجوع فمثلما أن اليابان مرتبطة بثقافــــة الأرز، فإن أوروبا معادية بشكل غير معقول للغاية للأطعمة المعدلة وراثيا. فعلى رغم أن الدراسات المتتالية أثبتت عدم وجود أي خطر في البذور التي تمت معالجتها، بحيث تنمو بشكل أفضل، وتكون أكثر قدرة على مقاومة الحشرات والآفات، وعلى النمو في التربة القاحلة، فإن الأوروبيين لا زالوا يشعرون بالتوجس من الأطعمة المعدلة وراثيا وهو ما يعوق المزارعين الأفارقة من الاستفــــادة من التطورات العلميـــة في زراعة المحاصيل، خوفاً من أن يـــؤدي ذلك إلى إعاقــــة وصــول منتجاتهـــم إلى الأســواق الأوروبيـــة.

نأتي للنقطة الأخيرة هنا وهي أن الدول الفقيرة نفسها قد ساهمت في تفاقم الأوضاع. فالدول التي يوجد لديها فوائض من المحاصيل، عمدت تحت وطأة الخوف من اندلاع المظاهرات، إلى منع تصدير تلك الكميـــات الفائضة، لإبقاء أسعارها منخفضة محلياً. ويُشار إلى أن هناك 40 دولة قد فرضت قيودا من نوع أو آخر على تصدير المحاصيل التي تنتجها، وهو إجراء وإن كان قد أدى إلى إبقاء الأسعار منخفضة في هذه البلدان، إلا أنه دفع أسعار هذه المواد في الدول المستوردة لها والتي يعتمد سكانهـــا عليها في غذائهم إلى عنان السماء وتخزين المحاصيل الغذائيـــة بواسطـــة الدول المصدرة أدى كذلك إلى التأثير سلبا على جهود الإغاثة الدولية. فعلى سبيل المثال سعى برنامج الغذاء العالمي إلى شراء الطعام من الدول ذات الفوائض مثل باكستان لشحنها إلى الدول المجــاورة التي تحتاجها بصورة ماسة، ولكن السلطات الباكستانية تباطأت ولا تزال في الموافقة على البيع من ضمن الحلول المقترحة لأزمة الغذاء كما يرى ''بول كوليه'' أستاذ الاقتصاد في جامعة أكسفورد ذلك الخاص بتحسين وسائل الزراعة الواسعة النطاق في الدول الفقيرة. كي يتم هذا، يجب على المستثمرين أن يعرفوا أن هناك سوقا لصادراتهم. فهم لن يخاطروا بأموالهم إذا ما كان الكونجرس سيعمل على دعم منافسيهم الأميركيين، كما أنهم لن يستثمروا أموالهم إذا ما أدى التمييز الأوروبي إلى منعهم من استخدام أفضل البذور التي يقدمها العلماء، ولن يخاطروا بأموالهم كذلك، إذا ما عملت الدول النامية على تقليص أرباحها باستخدام سياسات غير رشيدة لحظر تصدير المواد الغذائية.هل حكومات العالم تتآمر من أجل تقويض التنمية في الدول النامية؟ وهو ما يجعلنا نتساءل: هل تنوي تلك الدول دفع عشرات الملايين من البشر إلى دائرة الفقر؟

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:wajhat