التفتيش عن المسؤول... دراسة عن أزمة أسعار الوقود ودور شركات النفط

 

 

مسئولية شركات النفط عن ارتفاع أسعار

في ظل الارتفاع المتوالي لأسعار النفط لم يكن من المستغرب أن تشغل هذه القضية حيزاً مهماً من أجندة صانع القرار الأمريكي، وذلك بالنظر إلي تداعياتها المختلفة سواء علي الاقتصاد الأمريكي ككل، أو علي المواطن الأمريكي مباشرة. وفي محاولة لتسليط الضوء علي هذه القضية المهمة اجتمعت اللجنة الفرعية للطرق والنقل بمجلس النواب في 6 مايو 2008 للاستماع إلي شهادة Tyson Slocum مدير البرنامج العام لطاقة المواطن Public Citizen’s Energy Program، وهو أحد مشاريع منظمة مصلحة المواطن Public Citizen، حول هذا الموضوع.

أسباب زيادة أسعار البنزين والديزل

قبل عرض شهادة Slocum Tyson اطلعت اللجنة علي تقرير حول أسباب ارتفاع أسعار البنزين والديزل وتداعيات ذلك الارتفاع علي صناعة الشحن البري والمواطن. وحسب تقرير إدارة معلومات الطاقة (Energy Information Administration (EIA الصادر في 30 أبريل 2008 فقد ارتفع متوسط سعر بيع البنزين للأسبوع الخامس علي التوالي إلى سعر أعلى من 360.3 سنت لكل جالون. والشيء نفسه بالنسبة لأسعار الديزل التي سجلت ارتفاعاً زاد عن 417.7 سنت للجالون. وتظهر إحصائيات الـ EIA أن سعر البيع الفردي لجالون البنزين تزايد بنسبة 25% بين مارس 2007 ومارس 2008، وبنسبة 41% خلال السنوات الثلاثة الأخيرة و102% منذ عام 2003. وبالمقارنة ارتفع سعر جالون وقود الديزل بنسبة 48% عن العام الماضي وبنسبة 78% في السنوات الثلاثة الأخيرة و166% منذ عام 2003 وترجع الزيادة في أسعار البنزين والديزل إلي مجموعة من الأسباب منها أن هذه الأسعار تتضمن عدد من التكليفات الأخرى مثل سعر النفط الخام وتكلفة التكرير والضرائب الفيدرالية والمحلية. ويخضع كل من البنزين والديزل للضرائب الاتحادية وضرائب الولاية بالإضافة إلي الضرائب المحلية. وتبلغ الضرائب الاتحادية المفروضة علي البنزين 18.4 سنت لكل جالون، و24.4 سنت لجالون الديزل. أما ضرائب الولاية علي البنزين فيصل متوسطها إلي 21 سنت لجالون البنزين و22 سنت لجالون الديزل غير أن الأسباب الأكثر أهمية لارتفاع الأسعار منذ 2005 هي الزيادة الحادة في سعر برميل النفط الخام الذي كان 47 دولاراً في يناير 2005 مقارنة بـ 118 دولاراً في 25 أبريل 2008، والخسارة التي لحقت بالإنتاج الأمريكي وقدرة التكرير نتيجة لإعصار كاترينا، بالإضافة إلي نمو الطلب العالمي علي النفط وضعف القوة الشرائية للدولار الأمريكي.

تداعيات ارتفاع أسعار النفط علي صناعة الشحن البري والمواطن

ترتب علي ارتفاع أسعار الوقود مجموعة من الآثار السلبية التي انعكست علي صناعة الشحن البري. وقد قدرت رابطة الشحن البري الأمريكية أن صناعة الشحن البري أنفقت أكثر من 112 بليون دولار علي وقود الديزل خلال عام 2007. وتتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلي 140 بليون دولار في عام 2008. بالإضافة إلي ذلك فإن كل سنت زيادة في سعر وقود الديزل يؤدي إلي تكلفة إضافية سنوية تقدر بـ 391 مليون دولار في صناعة الشحن البري وبالإضافة إلي الآثار علي صناعة الشحن البري والسائقين فإن التكلفة المتزايدة لنقل البضائع إلي الأسواق كان لها تأثير مهم في أسعار الكثير من السلع الاستهلاكية. وعلي سبيل المثال ذكرت تقارير إعلامية مؤخراً أن أسعار الغذاء ارتفعت بنسبة 4% في عام 2007 وهو ما يعد أكبر زيادة خلال عقدين.  وأدي ارتفاع أسعار البنزين إلي خلق مشقة مالية لملايين العائلات، نتيجة زيادة متوسط الإنفاق السنوي على الجازولين إلي 1000 دولار للعائلة.

دور شركات النفط في زيادة أسعار البنزين

ركز Tyson Slocum في شهادته أمام اللجنة الفرعية للطرق السريعة والنقل بمجلس النواب المنبثقة عن لجنة المواصلات والبني التحتية، علي دور شركات النفط الأمريكية الكبيرة في ارتفاع أسعار البنزين وأشار إلي أن شركات النفط الأكبر الخمس التي تعمل في الولايات المتحدة - إكسون موبيل ExxonMobil ، كونوكوفيليبس ConocoPhillips، شيفرون تكساسكو ChevronTexaco، بي بي BP وشل Shell - قد حققت أرباحاً منذ عام 2001 بلغت 586 بليون دولاراً. كما حققت البنوك الاستثمارية، والصناديق المالية وشركات الأسهم الخاصة مكاسب قياسية.

تناول Slocum الدور الذي تلعبه شركات النفط في رفع الأسعار من خلال مناقشة بعض النقاط المهمة التي تمثلت فيما يلي:-

الاندماجات بين الشركات ترفع الأسعار

طبقاً لمكتب المحاسبة الحكومية الأمريكي، فقد أنجزت أكثر من 2600 عملية اندماج في صناعة النفط الأمريكية منذ التسعينيات. وفي السنوات القليلة الماضية فقط، أدي اندماج شركات النفط العملاقة - مثل إكسون وموبيل Exxon and Mobil ، شفرون وتاكسكو Chevron and Texaco ، كونوكو وفيليبس Conoco and Phillips - إلى وجود بضعة شركات تسيطر على كمية كبيرة من البنزين الأمريكي، الأمر الذي أسهم في القضاء علي المنافسة حيث تتحكم شركات النفط الخمسة الكبار الآن نتيجة لكل هذه الاندماجات في 55% من حجم السوق ما أدي إلي انفجار أرباح الاندماجات وتحقق هذه الشركات مكاسبها الهائلة من خلال عملية التكرير. وقد كشفت دراسة حكومية حديثة أن "مصدر قوة السوق الاحتمالية في سوق تجارة البنزين بالجملة يكمن في مستوى التكرير لأن سوق التكرير يتسم بانخفاض التنافسية ويتحكم المكررون بشكل جوهري في مبيعات البنزين بالجملة"، واستنتجت الدراسة أن "الاندماج وتزايد تركيز السوق أدى إلى أعلي سعر جملة للبنزين في الولايات المتحدة عموماً وبناء علي ذلك يمكن تفسير عدم إقدام تلك الشركات علي بناء مصافي تكرير جديدة وذلك لأن من مصلحتها أن تستمر حدود التكرير ضيقة بقدر الإمكان لما في ذلك من أرباح أكثر.

وقد قفزت هوامش ربح شركات التكرير الأمريكية من 22.8 سنتاً لكل جالون بنزين في عام 1999 إلي 53.5 سنتاً لكل جالون في عام 2006 بنسبة زيادة 135%. وقفزت حدود ربح الديزل من 11.9 سنتاً لكل جالون في 1999 إلى 55.7 سنتاً في 2006 بنسبة زيادة 368 بالمائة، الأمر الذي دفع صحيفة الوول ستريت لاستنتاج أن "السوق الأمريكية مربحة، فأحياناً تكسب شركات تكرير النفط 20 دولاراً أَو أكثر على كل برميل من النفط الخام يقومون بتكريره".

وقد أظهر أحدث تقرير مالي لشركة BP أن هوامش ربح التكرير في الولايات المتحدة أكثر من ضعف هوامش الربح في البلدان الأخرى. ففي 2007 كان هامش الربح لديBP يبلغ 12.81 دولاراً لكل برميل يتم تكريره في Midwest و 13.48 دولاراً لكل برميل في ساحل الخليج the Gulf Coast و15.05 دولاراً لكل برميل على الساحل الغربي West Coast أما هوامش ربح تكرير الشركة في أوروبا فقد بلغت (4.99 دولار / برميل) وفي سنغافورة (5.29دولار / برميل) وكنتيجة لإستراتيجية إبقاء طاقة التكرير في حدود ضيقة، فإن تجار الطاقة في نيويورك يدفعون سعر البنزين إلي الأعلى، وبعد ذلك يدفعون سعر النفط الخام إلي أعلي ليتبع البنزين.

فرض ضريبة على أرباح شركات النفط

يجادل المدافعون عن أرباح شركات النفط القياسية بأن الشركات تحتاج وتستحق الأرباح المفاجئة القياسية من أجل استثمارها في إيجاد مصادر جديدة للطاقة. غير أن تحليلات برنامج المواطن العام Public Citizen تظر أن شركات النفط تنفق مبالغ لا مثيل لها علي منفعة حملة أسهمها في شكل إعادة نقداً (أسهم وحصص الأرباح)، ولا تستثمر بشكل كافي في مصادر الطاقة المستقلة الضرورية لإنهاء إدمان أمريكا للنفط. وقد أنفقت الشركات النفطية الخمسة منذ يناير2005، نحو 170 بليون دولار علي إعادة شراء أسهمها واحتجزت 70 بليون دولار نقداً وفي دلالة علي حجم مكاسب هذه الشركات يقتبس Tyson Slocumمن التقرير السنوي لشركة اكسون موبيل لعام 2005 والذي تعبر فيه الشركة عن اعتقادها بأن "عودة متوسط رأسمال المستخدم هو الأداة ذات العلاقة الأكثر لقياس الأداء المالي في مجال عمل كبير مثل النفط". ويوضح تقرير مكاسب ExxonMobil لعام 2007 أن أعمال الشركة الدولية حققت عائداً شكل 32% من متوسط رأس المال المستخدم، أما أعمالها في الولايات المتحدة فقد حققت عائداً بلغ 35 % من متوسط رأسمال المستخدم، بينما وصل عائد التكرير المحلي إلي 65 %. و في المتوسط، تتكلف شركة نفط مثل ExxonMobil حوالي 20 دولاراً لاستخراج برميل النفط من الأرض، بينما تبيع ذلك البرميل إلى المستهلكين الأمريكيين في السوق بـ 60 دولاراً ومع فشل شركات النفط في اتخاذ الإجراءات لحماية المداخل المتوسطة والدنيا للعائلات الأمريكية من أسعار الطاقة المرتفعة التي تغذي أرباحهم، فإنه يجب إلغاء إعانات صناعة النفط المالية (9 بليون دولار سنوياً) مع استثمار العوائد في مصادر متجددة للطاقة ، والوقود البديل، ورفع كفاءة الطاقة ودعم النقل الجماعي، وفرض ضريبة أرباح مفاجئة وإصلاح نظامَ الملكية المفروض علي الشركات التي تنقب عن النفط والغاز الطبيعي في الأراضي المملوكة للدولة، حيث أن ثلث النفط والغاز الطبيعي الذي ينتج في الولايات المتحدة يأتي من أرض يمتلكها دافعو الضرائب، لكن مدفوعات الملكية التي تدفعها شركات النفط لا تجاري الانفجار في أسعارِ الطاقة والأرباحِ التي تحققها هذه الصناعة.

لجنة التجارة الاتحادية لا تحمي المستهلكين بشكل كاف

ساهمت لجنة التجارة الاتحادية (FTC ( Federal Trade Commission في المشكلة بالسماح للكثير من الشركات بالاندماج وأْخذ موقف متسامح جداً من ممارسات لا تنافسية، وعلى سبيل المثال، سمحت الـ FTC بشكل كبير لشركات قليلة بالتحكم في طاقة التكرير، وذلك من خلال السماح للشركات بالإبقاء علي أغلب أصول التكرير عند اندماجها فقد كان الشرط الرئيسي الذي طلبته الـ FTC للموافقة في أغسطس 2002 علي اندماج ConocoPhillipsعن بيع الشركة لاثنين من مصافيها وهو ما يمثل أقل من أربعة بالمائة من قدراتها.

وقد استمرت ConocoPhillips كأكبر شركة تمتلك معامل تكرير تتحكم في عملية التكرير بطاقة تزيد عن 2.2 مليون برميل نفط يومياً، أَو 13 % من كامل القدرة الأمريكية. كما سمحت FTC لـ ConocoPhillips بشراء شركة Premcor التي تقوم بتكرير300. برميل يومياً في مصفاة إلينويز Illinois في 2004.

انتهاكات تجارة الطاقة تتطلب إشراف أقوى

هناك عاملين تنظيميين مكنا من وجود ممارسات لا تنافسيةَ في أسواقِ تجارة الطاقة يتمثل أولهما في استغلال شركات النفط والبنوك الاستثمارية والصناديق المالية عملية تحرير أسواق الطاقة مؤخراً للتلاعب في أسعار الطاقة. وثانيهما، قيام تجار الطاقة بالمضاربة بناء علي معلومات جمعت من مؤسسات فرعية تابعة لشركاتهم. وقد تولدت هذه الثغرات التنظيمية من الاتصالات الغير ملائمة بين المسئولين العامين وشركات الطاقة القوية وأدت إلى أسعار أعلي وأكثر تقلباً للمستهلكين وعلى نقيض بعض الرأي العام، لا تحدد أسعار النفط بواسطة منظمة (أوبك)؛ فهذه المنظمة مقيدة بأفعال تجار الطاقة في الأسواق. ومن الناحية التاريخية، يشتري أكثر النفط الخام من خلال إما عقود ثابتة أَو من السوق وهناك أسواق مستقبلية طويلة المدى للنفط الخام تسيطر عليها بورصات منظمة مثل ( the New York Mercantile Exchange ( NYMEX وينظم عمل NYMEX اللجنة الأمريكية لتجارة أسهم السلع (The U.S Commodity Futures Trading Commission (CFTC وتطبق الـ CFTC قانون بورصة السلع، الذي يعطي اللجنة السلطة للتحري ومحاكمة تلاعب السوق. لكن بعد سلسلة من الإجراءات التي اتخذها الكونجرس والـ CFTC والتي ألغت قيود التنظيم، اقتيدت أسواق الأسهم المستقبلية على نحو متزايد وبدون أساليب سليمة غير منظمة من خلال ما يعرف بأسواق الـ (OTC) خلال السَنَوات القليلة الماضية. وهذه الأسواق الإلكترونية تخدم أكثر كأسواق مضاربة تماماً، بدلاً من تجنب أو تطويق تقلب الأسعار أَو اكتشاف السعر. والأهم أن هذا النشاط يحدث خارج السلطة القضائية التنظيمية للـ CFTC.

والي جانب ذلك تم تحرير أسواق تجارة الطاقة في خطوتين. أولاً، استجابة لعريضة قدمت بواسطة تسع شركات تحت قيادة Enron في 16 نوفمبر 1992. ثانياً، إعفاء بعض عقود تجارة الطاقة من مطلب المتاجرة في بورصة منظمة مثل NYMEX، وبذلك سمح لشركات مثل Enron و Goldman Sachs للبَدء بمتاجرة في الطاقة خارج البورصات المنظمة وهو استغلته الشركات للتلاعب في الأسواق والأسعار وهناك موافقة جماعية تقريباً بين محللي الصناعة أن المضاربة ترفع أسعار النفط والغاز الطبيعي وقد جاء في تقرير Citigroup بشأن متوسط القيمة الشهرية لحالات المضاربة في أسواق السلع الأمريكية، الذي وجد أن قيمة حالات المضاربة في النفط والغاز الطبيعي بَلغ 60 بليون دولار، ما أجبر Citigroup علي استنتاج أن " الزيادة في حالات المضاربة كانت عاملاً رئيسياً وراء الزيادة المفاجئة الأخيرة في أسعار السلع".

ما هي الحلول المقترحة؟

في ختام شهادته طرح Slocum مجموعة من الحلول التي دارت حول إلغاء كل التخفيضات الضريبية التي تتمتع بها شركات النفط حاليا ًوفرض ضريبة علي الأرباح المفاجئة، وتكريس العائدات الجديدة لتمويل طاقة نظيفة، ورفع كفاءة الطاقة والنقل الجماعي. إعادة تنظيم بورصات تجارة الطاقة لإعادة الشفافية وفرض برامج حماية لإيقاف تجار الطاقة والمضاربات. تفعيل صلاحيات الجهات المختصة بمكافحة التلاعب في الأسواق. تحسين معايير الوقود الاقتصادي. اتخاذ إجراءات لتقييد صانعي قرار الحكومة الاتحادية من ترك مناصبهم للذهاب إلى كيانات تحت سلطتهم القضائية والتنظيمية لسنتين على الأقل.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:taqrir