الاقتصاد العراقي والاستثمار في الموارد البشرية

هدى زوير مخلف

 

 

لقد كان العراق في القرون الماضية مركزاً للتطور الاقتصادي والاجتماعي والثقافي , وقد أثبتت شعوبه في قدرتها على ترك بصمات واضحة في مجرى الحياة فماذا يحتاج البلد ليرقا اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وثقافيا من عناصر النهوض التي لا تتعدى (الطاقة ورأس المال والعمل والمعرفة )، وقد توفرت لدينا جميع هذه العناصر ولا أعتقد أن هناك من يجرؤ على أن ينكر توفر مصدر الطاقة الأرخص من أي مكان في العالم  كما لا أعتقد أنه هناك من يستطيع أن ينفي القدرة على أن تتوفر لنا سبل الحصول على رأس المال بسهولة أكثر من توفرها لبلد آخر إلى الحد الذي نستطيع فيه أن نوفر الأمن والأمان له ولكن قد يجرؤ أحدهم على تراجع وتدني عناصر الموارد البشرية  التي تتمثل بالعمل والمعرفة، فبالنسبة للعمل يمكن القول أن الشاب العراقي لا تتوفر فيه القدرة على العمل التي تتوفر في عمال العالم  من مهارة.

والسؤال هنا ماذا يحتاج العامل ليكون عاملا ماهرا؟ يحتاج إلى: وجود الرغبة والمعرفة والقدرة على العمل أي أن يجمع مابين العمل العضلي والعمل الذهني والذي يتحقق من خلال التعليم كاساس ثم التدريب ولا يختلف فيه عامل عن عامل إذا توفرت له فرص التدريب والمناخ الاجتماعي المناسب وان عدم توفير فرص التدريب وتهيئة المناخ ليس من مسؤولية العامل بل متخذ القرار إن مدى إيماننا منا في إن الاستثمار في الموارد البشرية لتحقيق تنمية مستدامة هي السلاح الوحيد الذي يشد من أزرنا وينهض بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والمطلوب منا الآن التركيز على القضايا الثلاث التالية:

أولا: فهم الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي وان  أي استثمار فيه يجب ان يستهدف تحقيق تنمية مستدامة يستفيد منها الجيل الحالي والأجيال القادمة.

ثانيا: ضرورة الارتفاع فوق الواقع ووضع معالجات منهجية من اجل المستقبل والذي يقتضي العودة إلى الواقع مع فهم واضح للمشاكل والتحديات التي تواجه البلد اليوم، وقبول الحاجة إلى التغيير.

ثالثا: بنا على ما سبق يجب إتباع خطوات إصلاحية قادرة على الاستمرار فيما يتعلق بصياغة رؤية جديدة خاصة بالمجتمع العراقي, والتي تتطلب منا دراسة أهم الإستراتيجيات التي يجب إتباعها والمتمثلة في الشفافية والمساءلة والتعددية والمشاركة وسيادة القانون وتوفر المعلومات والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والمساواة الجنسانية ورفع المستوى التعليمي والصحي فليس هناك تنمية اقتصادية  أو اجتماعية دون شفافية ونعني بالشفافية تلك التي تساوي أفراد المجتمع في الحقوق والواجبات, فليس هناك فضل لشخص على آخر إلا بكفاءته، ولا يمكن الحديث عن مجتمع الشفافية إلا في دولة المؤسسات والقانون لحماية عملية التنمية الشاملة اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.

ولابد من بيان الأهمية الرئيسية للمساءلة وسيادة القانون والمشاركة في التنمية وكذلك التشوهات التي تعوقها ولتحقيق الإصلاحات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، و للقيام بالتغيير، يتطلب هذا الأمر الاستثمار في رأس المال البشري والاجتماعي، وتشجيع الحوار الفكري والثقافي حول قضايا التنمية الشاملة والتحديات الداخلية والخارجية والسياسات العامة المتبعة مع التأكيد على قيم التعددية وقبول الرأي والرأي الآخر, ومواجهة التحديات التي باتت تفرضها التطورات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة من خلال تدابير عملية وتعزيز دور القطاع الخاص والذي يكون قادرا على الإسهام بشكل اكبر في مجالي العمالة والنمو, وتشجيعه على التوسع فى المشروعات الإنتاجية وربطها باحتياجات المجتمع.

ويلاحظ إن مرحلة التسعينات كانت فرصة سانحة وكان متوقعا أن يظهر العراق في موقع قوي ولكن ظهوره اختنق بسبب الحروب والحصار كما أن مشكلة المديونية تعود في جانب أساسي منها إلى تباطؤ عملية التنمية، وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وركود الاستثمار، وعدم القدرة على بناء جهاز إنتاجي قوي ومرن يكون قادراً على خلق مصادر تمويلية، كما إن تضيق النطاق أمام القطاع الخاص  وبالتالي بطء وتيرة الإصلاحات الاقتصادية عموما، والتي اقترنت بمناخ غير موات للاستثمار، وهو ما يفسر بوضوح ضعف القطاع الخاص في الإنتاج والاستثمار والعمالة، ونتيجة لذلك ظلت إنتاجية اليد العاملة منخفضة، واستمرت معدلات البطالة في الارتفاع. فعجزت الحكومة أبان فترة التسعينات  عن معالجة  أو إصلاح الاقتصاد وبعد عام 2003 أي بعد سقوط النظام السابق أيضا لم يأت التغيير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي أكله إذ تبين مؤشرات  التنمية البشرية افتقاده إلى ابسط مقومات الحياة الأساسية إذ كان العراق الاستثناء الوحيد بالنسبة لبقية الدول المجاورة والذي جاهد في ظل ظروف غير عادية لهذا فمن غير المنصف أن نقول إن الناس يعيشون أطول، ويواجهون نسبة أقل من وفيات المواليد، ويتمتعون بمستويات أعلى من الالتحاق بالمدارس  والإلمام بالقراءة والكتابة وانخفاض معدلات البطالة.

إن الحاجة إلى تنشيط القطاع الخاص خصوصا في قطاعي الصحة والتعليم ولتوفير الخدمات التي قد تعجز الدولة عن تحقيقها  أصبحت اليوم أكثر إلحاحا مما كانت عليه في ما مضى، وأنه إذا ما أريد الانتقال من القطاع العام إلى القطاع الخاص، فيتعين إدخال تحسينات كبيرة على مناخ  الاستثمار الأجنبي المباشر،كما إن هناك إجماعا على ان العنصر الأساسي لمعالجة مشكلة البطالة يكمن في عملية استحداث نشاط كبير للاستثمار ويمكن أن نقلب الاتجاه السلبي ونصبح قبلة للاستثمار الأجنبي المباشر فالعراق يمتلك قدرات هائلة يمكنه من خلالها أن يتطور ويرقى بواقعه الاقتصادي والاجتماعي.

المقال لايعبر بالضرورة عن رأي المعهد.

المصدر: fcdrs