السلع الغذائية... واستدامة ارتفاع الأسعار

د. أكمل عبد الحكيم

 

شهد الأسبوع الماضي تطورات محلية وإقليمية ودولية مهمة، تتعلق بقضية استمرار ارتفاع أسعار المواد الغذائية. فعلى الصعيد المحلي، خرج نائب مدير جمعية أبوظبي التعاونية على وسائل الإعلام، بخبر قرار إدارة الجمعية ببيع 200 سلعة بسعر الاستيراد، وموجهاً دعوة إلى الحكومة إلى إعفاء جميع السلع الغذائية والأساسية من الرسوم الجمركية التي تصل نسبتها 5%، مضيفاً أن مجلس إدارة الجمعية، قد ناقش في اجتماعه الأخير تخصيص جزء من الميزانية لدعم السلع، وعرضها بأقل من ثمن استيرادها، لضبط الأسعار في حالة ارتفاعها بشكل غير مبرر. وبنظرة سريعة إلى هذا التطور، سواء من جانب مطالبة الحكومة بالتخلي عن إيرادها من الرسوم الجمركية، أو بيع السلع بقيمة الاستيراد دون حساب تكاليف التشغيل والعمالة، أو اللجوء لبيعها بأقل من ثمن استيرادها، نجد أننا أمام نوع من الدعم الحكومي أو الاجتماعي للمواد الغذائية، في واحدة من أعلى دول العالم على صعيد متوسط دخل الفرد. فدولة الإمارات العربية المتحدة تحتل المرتبة السادسة عشرة بين دول العالم، على صعيد متوسط الدخل الفردي، وهو ما لم يقِ سكانها من وطأة الارتفاع المستمر في أسعار المواد الغذائية.

بينما في مصر، التي تحتل المرتبة الأولى بين الدول العربية من حيث عدد السكان، اضطر الرئيس المصري خلال اجتماع مجلس الوزراء يوم الاثنين الماضي إلى مطالبة الجيش للتدخل لحل أزمة رغيف الخبز المتفاقمة، والتي أدت بالفعل إلى وقوع عدة قتلى بين المنتظرين في الطوابير أمام المخابز. ويحتل رغيف الخبز أهمية خاصة في التاريخ السياسي المصري، وفي الاقتصاد عموماً. فلا زالت الذاكرة السياسية للقادة المصريين، مليئة بأحداث الشغب الهائلة التي اجتاحت البلاد عام 1977، عندما قررت حكومة الرئيس المصري السابق أنور السادات رفع الدعم عن بعض السلع الأساسية، بما فيها الخبز، ضمن خطوات الإصلاح الاقتصادي. وعلى رغم أن مطالبة الرئيس المصري الأسبوع الماضي للقوات المسلحة بالتدخل تنحصر في زيادة الطاقة الإنتاجية للمخابز التابعة للقوات المسلحة ووزارة الداخلية، إلا أنها أظهرت مدى تدهور الوضع محلياً، وزادت من مخاوف تسبب رغيف الخبز في إحداث زعزعة أمنية على نطاق واسع. فأحداث الشغب في شهر يناير عام 1977 تسببت في مقتل أكثر من سبعين شخصاً، وتدمير كم من الممتلكات الحكومية والخاصة، تعدى حجم ما دمر، في أحداث الشغب التي وقعت في يناير عام 1952 ضد المصالح البريطانية، المعروفة بأحداث "حريق القاهرة". والمفارقة أن هذين الحدثين وقعا في نفس اليوم، من نفس الشهر، وبفارق ربع قرن.

أما على الصعيد الاقتصادي، فيتمتع الشعب المصري بعلاقة خاصة مع رغيف الخبز، أو بالتحديد القمح الذي يستخدم لإنتاجه. فبداية، تحتل مصر المرتبة الأولى على صعيد حجم استيرادها من الإنتاج العالمي من القمح. فبنسبة 6.8% من حجم التجارة الدولية في القمح، تتخطى مصر بذلك نسبة ما تستورده دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة، بتعداد سكانها البالغ ثلاثمائة مليون نسمة، وإلى درجة أن الأسعار التي يتفق عليها ممثلو الحكومة المصرية مع منتجي القمح سنوياً، تعتبر من أكبر العوامل في تحديد السعر العالمي للقمح لتلك السنة. والجانب الآخر من العلاقة بين الشعب المصري وبين القمح، يتضح من حقيقة أن سعر رغيف الخبز في مصر يعتبر هو الأدنى على مستوى العالم، حيث لا يتخطى سعره حالياً "سنتاً" أميركياً واحداً، وبغض النظر عن السعر العالمي للقمح. وهو ما يتضح من حقيقة أنه على رغم تضاعف السعر العالمي للقمح ثلاث مرات منذ بداية الصيف الماضي، لا زال رغيف الخبز البلدي يباع بخمسة قروش في الأحياء الشعبية. وإذا ما أردنا معرفة السعر الحقيقي لرغيف الخبز، فما علينا إلا الانتقال إلى أحد أحياء القاهرة الراقية، لنجد أن السعر قد تضاعف عشر مرات. وهذا الفارق الهائل، يتم تمويله من خلال الميزانية العامة، وبتكلفة تتخطى المليارات من الدولارات، وبالتحديد 2.67 مليار هذا العام. وهو ما يعني أن المصريين يدفعون في استيراد القمح فقط ما يقارب 85% من الدخل السنوي لقناة السويس، البالغ 3.24 مليار العام الماضي.

غير أن هذا الحديث عن القمح والخبز، لا ينبغي أن يجرنا إلى الاعتقاد بأن المشكلة تتعلق بالقمح فقط، أو ببلد معين، بل إنها تشمل جميع المنتجات الغذائية تقريباً. حيث تشير إحصائيات منظمة الزراعة والأغذية العالمية إلى أن مؤشر أسعار المواد الغذائية حول العالم، قد ارتفع بنسبة 50% عن مستوياته العام الماضي. وإذا ما أفردنا القمح بالذكر، فسنجد أن أسعاره ارتفعت بثلاثة أضعاف عن الصيف الماضي، بينما ارتفعت أسعار فول الصويا بمقدار 87%، وأسعار الذرة بمقدار 30%. وبسبب أن هذه الحبوب ومشتقاتها تستخدم في علف الحيوان، نجد أن التأثير يمتد إلى المنتجات الحيوانية، وإلى منتجات الألبان بالتبعية، وهلم جرا. وفي ظل التوقعات بأن عدد أفراد الجنس البشري سيزداد بنسبة 50%، ليصل إلى أكثر من تسعة مليارات بحلول عام 2050، لا يتوقع أن تشهد أسعار الأغذية تراجعاً، أو حتى تباطؤاً في معدلات زيادتها. وإذا ما أضفنا إلى هذا وذاك، الارتفاع المستمر في أسعار النفط، وتحول الكثير من الدول، وخصوصاً الولايات المتحدة، لزيادة إنتاجها من الوقود الحيوي باستخدام الذرة وغيرها من الحبوب، يمكننا أن نستشرف صورة الوضع الغذائي العالمي مستقبلياً. وهو الوضع الذي كان يتوقع له أساساً أن يتدهور بشكل كبير، بسبب التغيرات المناخية وما ينتج عنها من فشل متكرر للمحاصيل، وتصحُّر مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة، حتى ولو ظل تعداد أفراد البشر عما هو عليه، وبقي سعر النفط عند مستوياته خلال العقد المنصرم.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alittihad