اليمن: تصاعُـد الأسعار تحدٍّ مُـزدوج

 

أعاد لهيب الأسعار المُـتصاعد في الأسواق اليمنية مجدّدا المطالب الدّاعية إلى عودة تدخّـل الدولة لدعم أسعار المواد الغذائية الأساسية بعد أزيد من عقد على تخلِّـيها مُـجبرة عن آليات الدّعم وتحرير الأثمان، وفي وقت تُـطالبها المؤسسات المالية الدولية برفع الدّعم عن الوقود.

وهذا يجعلها في مأزق خطر بين إرضاء البنك الدولي أو تلبية الحاجات الشعبية المُـلحَّـة في هذه الظرفية الحرجة التي تطرح تحديا مُـزدوجا على كل من صنعاء ومؤسسات "بريتون وودز" على السواء.

شهِـدت الأسواق اليمنية ارتفاعا غيرَ مسبوق للأسعار، لاسيما منها أسعار الخبز والألبان ومشتقاتها والخدمات، في وقت تعرف مداخيل الغالبية العظمى من السكان تدنِـيا كبيرا، مما يُـنذر بانزلاق المزيد منهم عتبة الفاقة، إن لم تكن حالة من المجاعة، طِـبقا لما يذهب إليه المهتمّـون والمتابعون لتطورات الأسعار في السوق اليمنية في الآونة الأخيرة.

يأتي ذلك في الوقت الذي تُـظهر المؤشرات الاقتصادية والمالية للبلاد عجز الحكومة عن التدخل لمواجهة المشكلة، نتيجة لما تواجِـهه من ضغوط قوية من قِـبل المؤسسات المالية الدولية - البنك الدولي وصندوق النقد الدولي – التي ما فتِـئت تُـطالبها برفع دعم الوقود والطاقة، التي تمثل ما نسبته 9% من الناتج المحلي الإجمالي.

مفارقات قاسية

ومن المفارقات القاسية، أنه في الوقت الذي بادرت الحكومة اليمنية أواخر الشهر الماضي إلى عرض حالة الاقتصاد والمالية العامة أمام البرلمان في سابقة هي الأولى من نوعها، مُـبرزة جُـملة من الاختلالات والتحدّيات التي تواجه البلاد، قفزت أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية مجدّدا، خاصة أسعار الخبز التي انسحبت على أثمنة بقية السِّـلع والخدمات وتخطّـت أسعار كيس القمح 7 ألف ريال يمني - الدولار يساوي 199.8 ريال – مقارنة بـ 3 ألف ريال منتصف العام الماضي، فيما يستقر الحدّ الأدنى للأجور في 20 ألف ريال فقط، ونسبة الإعالة في البلاد تُـعتبر من أعلى النسب في العالم، ومتوسط دخل الفرد أقلها عالميا بحيث لا يتجاوز 590 دولار في السنة.

وطِـبقا للمراقبين والمحللين الاقتصاديين، فإن الوضع الذي تعيشه البلاد محصلة لعدّة عوامل، داخلية وخارجية. فعلى الصعيد الداخلي، تخلت الدولة تدريجيا عن دعم المواد الغذائية الأساسية منذ عام 1995 تحت ضغوط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، عندما أذعنت لمُـقتضيات برنامج الإصلاحات الاقتصادية والمالية، وصولا إلى رفع الدّعم النهائي عنها وتحرير الأسعار عام 2003، وهو أمر زاد من الصعوبات المعيشية للغالبية العظمى من الساكنة.

وعلى المستوى الخارجي، توالت أسعار الحبوب والألبان وبلغت مستويات قِـياسية، في الوقت الذي يستورد اليمن حوالي مليوني طُـن متري من القمح سنوياً ويعتمد بدرجة أساسية على الواردات من الألبان والأدوية، خاصة من منطقة اليورو، فيما تشهد العُـملة الوطنية تدهورا مُـستمرا أمام العملات الأجنبية، مما جعل الحالة اليمنية تقع تحت تضخم مركّـب مستورد ناشئ عن ارتفاع المواد الأساسية في السوق الدولية من جهة، وركودي ناتج عن تدني المداخيل والأجور وارتفاع الطلب على المواد الغذائية الأساسية، من جهة أخرى.

موجة تضخمية وفوضى سعرية

ومع أن الحكومة عمدت إلى اتخاذ عدد من التدابير الرامية إلى الحد من تزايد الأسعار وبادرت إلى مراقبة الأسواق ومنع الاحتكار وملاحقة المتلاعبين بالأسعار قضائيا، كما رفعت من مستوى الأجور بالبدء بتطبيق المرحلة الثانية من الإستراتيجية الوطنية للأجور، إلا أن ذلك لم يُـجدِ نفعا في الحدّ من الموجة التضخّـمية التي تُـخيم على السوق اليمني، خاصة أن جُـل المبادرات والإجراءات الحكومية لم تُـؤت أكلها، إذ أن ضعف الآليات الرقابية لم تنجح في الحد من التلاعب بالأسعار.

وتشير الدّلائل إلى أن الرغيف الذي يزن 100 غم ارتفع سعره بنسبة 100% خلال الأيام الأخيرة، إلا أنه سُـرعان ما تراجع وزنه إلى أقل من 70 غم، مما يدل على قصور الآليات الرقابية من جهة وشراهة الباعة وارتفاع أسعار القمح على المستوى الدولي، من جهة أخرى.

وفي هذا السياق، قال الدكتور أحمد الرفيق، أستاذ الاقتصاد بجامعة المستقبل اليمنية، لسويس انفو: "إنه في الوقت الذي تبدو فيه الحكومة غير قادرة على مواجهة مشكلة ارتفاع الأسعار، هناك قصور في أداء الفعاليات الأخرى"، مشيرا إلى أن الأسعار، وإن كانت قد ارتفعت على المستوى العالمي، قد تجاوز ارتفاعها في اليمن النسبة العالمية بكثير.

ويعزو ذلك إلى أن كل بائع يطلب السِّـعر الذي يناسبه، وأن الاتحادات المهنية والحرفية والتجارية تتخذ من الزيادات المزاجية موقفا سلبيا، فيما هي في كل بلدان العالم معنية بهذه المسألة وتبادر إلى وضع نظام للتكاليف والتسعيرات يلتزم بها أعضاؤها، لكن هنا في اليمن الصانع والتاجر والطبيب والمهندس والمحامي وغيرهم، كل واحد منهم يطلب الثمن الذي يُـحدِّده بنفسه.

ويخلِّـص الرفيق في حديثه إلى القول: "جميع مَـن هم على رأس الهيئات المهنية والنقابية، مطالبون كغيرهم أن يمارسوا دورهم في مثل هذه الظروف العصيبة، ولو لمرة واحدة، لحماية المستهلك من ارتفاع الأسعار وحماية الاقتصاد القومي، إن لم يكن حماية استمرارهم ووجودهم".

خشية من الاستياء الشعبي

العامل المشترك بين كافة المعنيين والمراقبين، هو خِـشيتهم من أن تتطوّر حالة الاستياء الشعبي إلى مظاهرات احتجاجية، قد تخرج عن نِـطاق السيطرة، نظرا لما هو عليه حال الشارع اليمني من توتر واستياء غير مسبوق، على الرغم من الزيادات التي أقرّتها الحكومة على المرتّـبات، إلا أنها لم تكن مجارية الحقيقية في قيمة المواد الاستهلاكية، ناهيك عن بقية السِّـلع والخدمات التي صعدت متأثرة بأسعار المواد الأساسية.

ونظرا لخطورة الأوضاع التموينية في البلاد وما تحمله من آثار شديدة الوطأة على الغالبية من السكان، بادرت العديد من الفعاليات إلى التحذير من العوز والفاقة قي اليمن.

وذهب فضل مقبل منصور، نائب رئيس الجمعية اليمنية لحماية المستهلك، في خطاب له بمناسبة اليوم العالمي للمستهلك يوم السبت 15 مارس إلى القول أن "نحو 75% من المستهلكين في اليمن ادخلوا إلى دائرة العَـوز والفقر الغذائي"، مضيفا أن المستهلك اليمني يمُـر بأصعب الظروف ويعاني من شتّـى التحدِّيات التي تعصف بواقعه الاستهلاكي، نتيجة تصاعد غير مسبوق في أسعار السِّـلع، خاصة منها الأساسية والتي تخطّـت نسبة 400%".

وطالبت الجمعية اليمنية لحماية المستهلك الحكومة إلى القيام بدورها تُـجاه المستهلكين وحمايتهم من مخاطر الفقر والعوز المادي والغذائي، عن طريق جملة من الإجراءات التي ترى الجمعية أنها ستُـخفف من قساوة الأوضاع المعيشية للسكان، ومن تلك التدابير التي تقترحها الجمعية، تخصيص الحكومة مبالغ مالية لخفض سقف أسعار السلع الغذائية الأساسية، تحمل تكاليف النقل الخارجي والداخلي أو بتغطية جزء من أسعار السِّـلع المستوردة من بلد المنشأ وإلغاء ضريبة الدخل على الموظفين والعاملين في الجهاز الإداري للدولة والقطاعين، العام والمختلط والقطاع الخاص، وتبني سياسات فعالة لتأمين بدائل محلية من الأغذية.

موجة جنونية ومأزق حرج

البنك الدولي لم يشذ عن استشعار خطورة الوضع وانعكاساته على السكان، إذ ذهب الأسبوع الماضي في تقرير له، إلى التأكيد على أن ارتفاع أسعار القمح ومنتجاته سيترتّـب عليه ازدياد عدد الفقراء في اليمن بنسبة 6% "نتيجة للتضخّـم القياسي الذي يشهده البلد".

ونقل عن تيروملاي سرينيفاسان، خبير اقتصادي بالبنك الدولي - أن اليمن، "إذا لم يتم اتخاذ التدابير اللازمة، فإن ذلك يُـمكن أن يؤدّي إلى عكس مسار المكاسب التي تحقّـقت مؤخراً في هذا البلد في مجال الحدّ من الفقر، الذي تراجع خلال فترة السنوات 1998-2005".

ويعني ذلك أن العبء الأكبر سيقع على الشرائح الفقيرة من السكان وسيُـعيد ارتفاع معدّل الفقر مجدّدا، بعد أن كانت الجهود المبذولة لمكافحته حقّـقت تقدّما طفيفا، أثمر تراجعه من 41% عام 1998 إلى حوالي 34.8%، حسب مسح ميزانية الأسرة للعامين 2005-2006، فيما تبقى البطالة مرتفعة 16.3%، طِـبقا لنتائج المسح المشار إليه.

الخلاصة التي ينتهي إليها المتابع للموجة الجنونية لارتفاع الأسعار، هي أن البلاد بدون شك دخلت مرحلة صعبة كونها تُـعاني من مشاكل تمويل موازنتها العامة، بسبب تراجع إنتاج النفط، الذي يساهم بـ 33% من الناتج المحلي الإجمالي، لكنه منذ عام 2006، بدأ يتناقص بنسبة 8.3% وهو مرشح للتراجع المستمر، طِـبقا لما يذهب إليه البنك الدولي، مما يترك أثارا وخيمة ويُـبقي البلاد تحت رحمة التوترات الشعبية الداخلية من جهة، وتحت ضغوط البنك الدولي، من جهة ثانية.

ويبدو أن على صنعاء أن توازن بين ما يُـمكن أن تخسره شعبيا، وتضحّي بما بقي لها من رصيد شعبي متدنّـي وتكسب رضاء البنك الدولي أو تنحاز إلى القضايا المعيشية للسكان وتضرب بتبريرات مُـنظِّـري البنك الدولي عرض الحائط، وتصرف النظر عن التبريرات التي يسوِّقونها، وأبرزها أن رفع الدّعم عن المشتقات النفطية، الذي يُتوقع أن يرتفع إلى 30% من إجمالي النفقات العامة العام الجاري، سيوفر مساعدة اجتماعية لـ 1.5 مليون فقير، مع أن التجارب السابقة أكّـدت أن رفع الدّعم عن المشتقات النفطية لم تنتج إلا مزيدا من الفقراء، في وقت كانت فيه الأسعار مستقِـرة إلى حدٍّ ما.

أما والأسعار مشتعلة حاليا، فإن الأثر لن يكون شديد الوطأة على الفقراء، بل على المجتمع بأسرة، مما يُـهدّد الاستقرار الاجتماعي والسياسي في البلاد، والدّعوات تتعالى مطالبة بعودة تدخل الدولة لدعم المواد الغذائية الأساسية.

عموما، يبدو أن الحالة اليمنية بما هي عليه من مأزق حرج وحالة الاقتصاد العالمي وما تشهده من ارتفاع عالمي للأسعار، بقدر ما تطرح على البلدان المنفّـذة من تحديات، تطرح بالمقابل على المؤسسات المالية الدولية تحدّيات تتعلق هذه المرة بمدى جدوى الصيغة النمطية لوصفة هذه المؤسسات، التي ظلت تفرضها على البلدان المُـدينة، على أساس تحرك نسبي لأسعار المواد الاستهلاكية، لم يكن في الحسبان أن تصل إلى المستويات الحالية التي وصلتها، مما يطرح تحديا جديدا، لكنه هذه المرة تحدّيا مزدوجا على الحكومات وعلى مؤسسات "بريتون وودز"، التي أصبحت الوقائع كما هي حاصلة في حالة اليمن، تدحض فرضياتها.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:swissinfo-20-3-2008