الطاقة...وقود إرتفاع أسعار الغذاء

 

د. أكمل عبد الحكيم 

أسباب الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء

في مقابلة حديثة مع هيئة الإذاعة البريطانية، أعرب "بان كي مون" سكرتير عام الأمم المتحدة عن قلقه العميق، تجاه الارتفاع الحاد والمستمر الذي تشهده حالياً أسعار الغذاء، موضحاً أن استمرار هذه الزيادة، من شأنه أن يعيق تحقيق جهود الألفية الرامية إلى خفض مستويات الفقر حول العالم بمقدار النصف بحلول عام 2015، ومحذراً من أن برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة (World Food Program)، وغيره من المنظمات الخيرية، سيضطر لخفض مقدار ما يقدمه من مساعدات غذائية للمحتاجين حول العالم. وهو ما أكدته الأسبوع الماضي "جوست شيران" (Josette Sheeran)، مديرة برنامج الغذاء، عندما صرَّحت بأن المخزون العالمي من الغذاء يشهد حالياً أدنى مستوياته منذ أكثر من ثلاثين عاماً، ومحذرة من أن تكلفة الغذاء ستظل تزداد حتى عام 2010 على الأقل. هذه التصريحات والتحذيرات، هي نتيجة بلوغ أسعار المحاصيل الغذائية في الأسواق العالمية أرقاماً قياسية خلال الشهور الأخيرة، وخصوصاً الذرة والقمح والأرز. مما أدى ببعض الدول إلى رفع رسوم التصدير على هذه المحاصيل إلى خارج أراضيها، كما فعلت الحكومة المصرية يوم الاثنين الماضي، بينما حرمت دول أخرى تصدير هذه المحاصيل إلى خارج أراضيها بالمرة. ولكن ما السبب في هذا التحول الفجائي في أسعار الغذاء، بعد أن كانت تشهد استقراراً نسبياً خلال العقود الأخيرة؟ إجابة هذا السؤال تتضمن قائمة من العوامل والظروف التي تضافرت مؤخراً، لتجعل حياة فقراء العالم أشد بؤساً مما هي عليه، ولتزيد من صعوبة المعيشة على الأفراد والأسر متوسطة الدخل. هذه القائمة تتضمن: 1) ارتفاع أسعار الطاقة وخصوصاً النفط. 2) تزايد استخدام المحاصيل الزراعية لإنتاج الوقود الحيوي. 3) التغيرات المناخية بما تؤدي إليه من هلاك للزرع والمحاصيل. 4) تزايد تصحر الأراضي الزراعية. 5) تضاعف أعداد أفراد الجنس البشري، وازدياد نسبة استهلاك الفرد من المحاصيل الزراعية.

السبب الأول، أو ارتفاع أسعار الطاقة، يظهر في بلوغ سعر برميل النفط بداية هذا الأسبوع أكثر من مئة وسبعة دولارات. وغني عن التوضيح أن الزراعة الحديثة أصبحت تعتمد بشكل كبير على الميْكنة، التي تتطلب آلات زراعية تستهلك كميات كبيرة من الوقود. هذا بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة النقل والتخزين والتبريد، التي تستهلك جميعها مقادير لا يستهان بها من الوقود.

وحتى السبب الثاني، أو استخدام المحاصيل الزراعية لإنتاج الوقود الحيوي (biofuels)، هو في الحقيقة نتيجة للسبب الأول. فبسبب بلوغ النفط تلك الأسعار القياسية، يصبح من المربح اقتصادياً تحويل المحاصيل الزراعية إلى أنواع مختلفة من الوقود الحيوي. هذا بالإضافة إلى أن المزارعين يفضلون من الأساس زراعة المحاصيل التي تصلح لإنتاج الوقود الحيوي، بدلاً عن المحاصيل التي كانت تستخدم للاستهلاك الآدمي. هذه العلاقة السلبية بين النفط والوقود الحيوي وأسعار الغذاء، أشار إليها الرئيس الكوبي السابق "فيدل كاسترو" في مقالين شهيرين، انتقد فيهما سعي الولايات المتحدة لاستخدام المحاصيل الغذائية كوقود للسيارات الأميركية الضخمة، مشيراً إلى أن مثل هذا الاتجاه سيؤدي إلى زيادة العبء الغذائي على الشعوب الفقيرة، وستنتج عنه زيادة في معدلات الجوع والفقر حول العالم، وهو ما حدث بالفعل.

السبب الثالث، أو التغيرات المناخية وما تؤديه من هلاك للزرع والمحاصيل، أطلَّ برأسه القبيح العام الماضي، عندما أصيبت أستراليا بفترة جفاف لم تشهد مثلها منذ أكثر من مئة عام، أدت إلى تضرر مساحات زراعية واسعة، وإلى انخفاض إنتاج المحصول الشتوي من القمح الأسترالي بمقدار النصف. هذا السيناريو أصبح يتكرر في العديد من مناطق العالم، كما حدث مثلاً في مناطق إنتاج القمح في شمال شرق الصين. وبخلاف فترات الجفاف، تتسبب موجات البرودة والصقيع في فشل مواسم المحاصيل أيضاً، كما حدث العام الماضي مع محصول القمح الأوكراني. وترتبط التغيرات المناخية -إلى حد ما- بتصحر الرقع والأراضي الزراعية، وإن كان التصحر ينتج غالباً عن أسباب أخرى، ترتبط غالبيتها بالنشاطات البشرية. وتظهر فداحة مشكلة التصحر على الإنتاج الزراعي، وبالتالي على أسعار الغذاء، من حقيقة أن استمرار التصحر بمعدلاته الحالية في القارة الأفريقية، سيؤدي بحلول عام 2025 إلى عجز الدول الأفريقية عن إطعام 75% من أفراد شعوبها، حسب تقديرات معهد المصادر الطبيعية الأفريقية التابع لجامعة الأمم المتحدة. السبب الخامس والأخير، والمتمثل في زيادة عدد أفراد الجنس البشري، يتضح من حقيقة أن تعداد البشر عام 1804 كان ملياراً واحداً فقط، وبحلول عام 1927 وصل التعداد البشري إلى مليارين، واستمرت هذه الزيادة لتصل عام 2007 إلى 6.6 مليار. وتشير توقعات الأمم المتحدة إلى أن تعداد الجنس البشري سيتخطى التسعة مليارات بحلول عام 2050، وهو ما يعني زيادة في الطلب على المصادر الطبيعية -بما في ذلك الغذاء- بمقدار 50% عما هو عليه الآن، وخلال العقود الأربعة القادمة فقط. وبخلاف الازدياد الكمي في عدد الأفراد، أصبح هناك أيضاً زيادة نوعية، متمثلة في حجم ما يستهلكه الفرد الواحد. هذا الأثر الأخير يظهر بالتحديد في الدول التي زاد معدل دخل الفرد فيها بمقادير كبيرة خلال السنوات الأخيرة، مثل الصين والهند، حيث ترافقت زيادة الدخل بزيادة مماثلة في مقدار ما يستهلكه الفرد الواحد يومياً من طعام.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alittihad-13-3-2008