بعدما إجتاحت كبرى إقتصادات العالم...ما هي إستراتجيتنا لمواجهة التضخم؟

 

د. محمد العسومي 

مواجهة التضخم على الطريقة التركية

يعتقد البعض أن الاقتصاد علم جاف وبقوانين وتفسيرات لا يمكن فهمها في بعض الأحيان، مما قد يولد للمتابع للشأن الاقتصادي عدم الارتياح، إلا أن العكس هو الصحيح، فالاقتصاد علم ديناميكي تصحبه التغيرات ليس كل يوم، بل كل دقيقة، فأسعار السلع والأسهم في الأسواق العالمية على سبيل المثال في ارتفاع وانخفاض مستمرين، كما أن التضخم المرتبط بالأسعار يؤثر بصورة كبيرة في مستويات الناس المعيشية وفي أمزجتهم.

ومن باب التأكيد على الطرق والأساليب الاقتصادية الظريفة التي تشبه نوادر جحا، يمكن الإشارة إلى المعالجة التركية للتضخم، فتركيا تعد واحداً من أكثر بلدان العالم معاناة من التضخم، فبين عشية وضحاها تفقد الليرة التركية 40 أو 50% من قيمتها، وذلك قبل الإجراءات الأخيرة، والتي ساهمت في الاستقرار النسبي لليرة التركية، وذلك ضمن الاستعدادات الرامية إلى إيجاد أوضاع مالية ونقدية مستقرة لزيادة الاندماج في الاتحاد الأوروبي والتحضير للانضمام لهذا الاتحاد.

قبل سنوات قليلة مضت وعندما كانت معدلات التضخم تؤدي إلى تآكل رواتب ومدخرات الأتراك، كان المصرف المركزي التركي يلجأ إلى أساليب سريعة وذات طابع مسرحي، فيعمد إلى حذف صفرين أو ثلاثة من الأوراق النقدية، فالألف ليرة تتحول في اليوم التالي إلى عشر ليرات، والمئة ألف إلى ألف ليرة.. وهكذا.

وعندما ينزل المستهلك التركي إلى السوق لشراء حاجياته في صباح اليوم التالي يرى أن التضخم اختفى تماماً، بل إن الأسعار أصبحت رخيصة، فالسلعة التي كانت تباع بالأمس بألف ليرة، يمكن شراؤها اليوم بعشر ليرات فقط. ومع عملية الحذف هذه يبدأ المستهلك في رسم برامج مصروفاته وطموحاته، والتي تشمل العديد من القضايا، بما فيها إجازات الصيف والتمتع بالأسعار الجديدة لليرة.

المفاجأة تكمن عندما يستلم المستهلك العادي راتبه آخر الشهر ليجده ناقصاً صفرين، مما يجعله يعيد حساباته من جديد، لينتظر فترة من الزمن تزيد معها الأصفار، ومن ثم تحذف مرة أخرى مخفية معها وبصورة مموهة التضخم المتزايد.

هذه ظاهرة انتهت بانتقال تركيا إلى مرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية وبتطلعها للانضمام للاتحاد الأوروبي، حيث تسود القوانين والأنظمة العلمية الحديثة، علماً بأن الأسلوب التركي هذا لا زال متبعاً في بعض بلدان العالم النامي الفقيرة، والتي لا تجد حلولاً غير حذف الأصفار من عملاتها وإصدار أوراق نقدية جديدة.

التضخم اليوم أصبح قضية ساخنة في كافة بلدان العالم دون استثناء، ففي بداية هذا الأسبوع اجتاحت مصر احتجاجات بسبب ارتفاع أسعار الفول، وهو وجبة رئيسية عند المصريين لاحتوائه على مواد غذائية تعوض عن بعض السلع غالية الثمن والتي لا تتوفر للكثير من الناس، كما اتخذت الحكومة المصرية قراراً بزيادة الضرائب على صادرات الأرز بنسبة 50% للحد من هذه الصادرات لتلبية احتياجات السوق المصرية.

وإذا كان الأسلوب التركي لا يمكن تطبيقه في الوقت الحاضر بالنسبة للبلدان التي تلتزم بمعايير مالية ونقدية حديثة وصارمة، فما هو الحل إذن؟

نظراً لتعدد الأسباب واختلافها بين بلد وآخر، فإنه لا توجد وصفة سحرية واحدة تصلح لكافة البلدان لمعالجة التضخم المتنامي والذي بدأ يتمخض عن مشاكل اجتماعية في البلدان الفقيرة التي تعتمد أساساً على إنتاجها من السلع الزراعية، والتي لا تستطيع زيادة الرواتب أو تقديم دعم كبير للعديد من السلع الأساسية.

لذلك من المهم أن يعمد كل بلد أو مجموعة من البلدان المنضوية تحت تكتل اقتصادي واحد، كمجلس التعاون الخليجي، والاتحاد الأوروبي، إلى دراسة أسباب التضخم وتحديد العوامل التي ساهمت في زيادة معدلاته عن المعدلات السابقة ووضع الأساليب التي تناسب كل بلد أو مجموعة اقتصادية للتخفيف من حدة التضخم الذي يعتبر ظاهرة ملازمة للاقتصاد في مراحل نموه، بحيث لا يمكن تفاديه في بعض مراحل التنمية الاقتصادية.

وإذا ما تم تحديد الأسباب، فإنه يمكن اتخاذ الإجراءات المناسبة، وبالأخص النقدية والمالية منها، وذلك بالإضافة إلى العوامل المساعدة الأخرى، بما في ذلك اللجوء إلى سلع بديلة بنفس الجودة والمواصفات، مثلما قامت به بعض الجمعيات التعاونية في الدولة، ومثلما تحاول القيام به سلطنة عمان من خلال غرفة التجارة والصناعة.

أما الأسلوب التركي لمعالجة التضخم الذي تحدثنا عنه في البداية، فإنه أدى في نهاية المطاف إلى وزن العملة بدلاً من عدها أثناء عمليات البيع والشراء في بعض البلدان الآسيوية والأفريقية، كما رأينا في العديد من المناسبات في وسائل الإعلام المختلفة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alittihad-13-3-2008