إلى أين سيذهب رأس المال في زمن التخضم وإنخفاض الدولار؟

 

النفط ملاذ المستثمرين والمضاربين في زمن التضخم وانخفاض الدولار

سجلت أسعار النفط الخام أرقاماً قياسية فوق مستوى مئة دولار خلال كل يوم من أيام الأسبوع الماضي، بالتزامن مع اجتماع المجلس الوزاري لـ «منظمة البلدان المصدرة للنفط» (أوبك) في فيينا.

لماذا هذا الارتفاع السريع في الأسعار؟ ولماذا قررت المنظمة عدم زيادة الإنتاج في ظل هذه الارتفاعات غير المسبوقة؟

أصبح واضحاً للعيان الآن، واعتماداً على معلومات أدلت بها مصادر مسؤولة في نيويورك وواشنطن، ان السبب الرئيس وراء هذا الارتفاع غير الطبيعي في أسعار النفط الخام هو لجوء المستثمرين والمضاربين إلى سوق سلع المواد الأولية للهروب من آثار التضخم وانخفاض قيمة الدولار بالنسبة الى العملات الأخرى.

ونجد ان هذه الفئات تراهن الآن على العقود الآجلة للنفط، أو «النفط الورقي»، فتشتري كميات تستحق بعد خمس سنوات في مقابل 200 دولار للبرميل، أي ان السعر يحتمل ان يرتفع إلى هذا المستوى. وطبعاً، لا يوجد ما يدعم هذا الارتفاع المذهل في الأسعار غير المضاربة والربح العالي، فما من أسس نفطية واقتصادية أساسية.

من هنا، نستطيع ان نفهم قرار «أوبك» بعدم زيادة الإنتاج وتفهم منطــقها كذلك، فهي مسؤولة فقط عن تزويد الأسواق ما تحتاجه من النـــفط الخـــام، والتأكد من عدم حصول أي شح، أما التعامل مع الأسواق الآجلة و «النفط الورقي»، فهو خارج نطاق عملها، وهو أمر لا تستطيع التحكم فيه، وهذا ما يبرر سياستها الحالية بعدم زيادة سقف الإنتاج.

وقرر المجلس الوزاري لـ «أوبك» الأسبوع الماضي عدم زيادة مستوى الإنتاج، فلم يتبنّ الوزراء الاقتراح الأميركي زيادة الإنتاج، كما اقترح الرئيس الأميركي جورج بوش، كما لم يتبنوا اقتراح إيران وفنزويلا خفض الإنتاج، وهو اقتراح يصعب تبريره والأسعار تتجاوز مستوى مئة دولار.

ويشير القرار بوضوح إلى طريقة اتخاذ القرار في المنظمة خلال السـنوات الأخيرة، وهو التعامل مع الأرقام والمعلومات الاقتصادية والنفطية المتوافرة للوزراء وللأمانة العامة للمنظمة، بدلاً من الرضوخ لهذه المطالب السياسية أو تلك. ونجحت المنظمة كذلك في تحييد الخلافات السياسية بين بلدانها الأعضاء أو تهميشها، وهي خلافات كثيرة وحادة هذه الأيام، لتركز بدلاً من ذلك على أولويات السياسة النفطية التي تهم كل الأعضاء، ألا وهي الحصول على سعر معقول للنفط الخام. ويجب ان نعترف هنا ان الذي ساعد المنظمة في السنوات الأخيرة هو النمو الاقتــصـــادي غير المسبوق في الولايات المتحدة والصين الذي رفع الطلب على النفط الخام إلى مستويات عالية لسنوات كثيرة من دون انقطاع.

أما الآن، وقد تغير مسار النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، بل أخذ ينكمش بسبب أزمة الرهن العقاري وانعكاساتها على قطاعات اقتصادية مختلفة، بدأت المنظمة تتذكر مرة أخرى الكارثة السعرية التي مرت بها عام 1998 حيث انخفض مستوى سعر النفط إلى ما دون 10 دولارات بسبب زيادة الإنتاج في بداية الأزمة الاقتصادية الآسيوية.

وفي مقابلة مهمة مع الزميل بيار ترزيان، رئيس تحرير نشرة «بتروستراتيجي» النفطية المتخصصة التي تصدر في باريس، قال وزير البترول السعودي علي النعيمي إنه لا يتوقع انخفاض أسعار النفط الخام إلى ما دون 60 دولاراً، وأضاف: «لقد اصبح ثمة خط لن تنخفض الأسعار إلى ما دونه»، متوقعاً ان يستقر السعر بين 60 و70 دولاراً.

هذا التصريح وهذه الرسالة إلى الأسواق يعنيان ان «أوبك» ستكيف إنتاجها للدفاع عن المستوى السعري البالغ 60 إلى 70 دولاراً. ونشاهد الآن كبرى شركات النفط العالمية تطور مشاريعها النفطية الجديدة آخذة في الحسبان سعر 60 دولاراً على الأقل.

لكن من الواضح أيضاً ان هذا التصريح لا يلزم المنظمة أي نطاق سعري محدد، فقد تبنت المنظمة سياسة مرنة منذ فترة طويلة تخلت فيها عن الالتزام بنطاق سعري محدد، وتركت تحرك الأسعار للأسواق العالمية. وبهذا لا تتحمل هي أو بلدانها مسؤولية الأسعار، خصوصاً بعدما وصلت إلى المستويات العالية التي وصلت إليها أخيراً.

فالمنظمة تعتبر ذاتها مسؤولة عن تأمين إمدادات كافية من النفط الخام للأسواق تمنع أي نقص أو شح، ولا تحدث في الوقت ذاته أي فائض أو إغراق للأسواق. أما ما هو غير ذلك، فمتروك للأسواق ذاتها وللبلدان الصناعية الكبرى التي تسمح لأسواقها بهذا النوع من المضاربات الذي يهدد اقتصادها والاقتصاد العالمي. ويصح هذا خصوصاً مع ازدياد أهمية المضاربات وحجمها نتيجة لتعولم هذه الأسواق وعدم تمكن البلدان المصدرة من التأثير في التحركات اليومية للسوق المفتوحة التي يفوق التعامل فيها عشرات المرات قيمة ما تنتجه بلدان «أوبك» مجتمعة.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat-9-3-2008