أبناء المحروسة والقتال بالسكاكين في معارك "رغيف العش"...وآخرون جل إهتمامهم شرعنة التوريث !

 

الرصاص والمولوتوف والسكين في معارك الخبز فى مصر

في العامية المصرية يسمى الخبز "عَيشا" ويمثل "رغيف العيش" مكونا اساسيا في وجبات المصريين المختلفة، فلا غنى عنه مع وجبة الفول والطعمية فى الصباح، ومع الخضار والارز او المكرونة بعد الظهر، ومع البصارة او العدس فى ليل الشتاء البارد، او كلقمة "ودن القطة" مع الملوخية فى الربيع والصيف.

فى مصر، وحتى وقت قريب، كان رغيف العيش الطعام الوحيد الذى يمكن ان تملأ به معدة طفل دون شكوى من تكلفة مرتفعة، اذا كنت من اسرة غير ميسورة الحال. كذلك كان عدد محدود من ساندوتشات العيش البلدي بالباذنجان المقلي او"المسقعة" او الفول اوالبطاطس، تكفى لاخماد جوع عامل او موظف محدود الدخل يتنقل بين اكثر من عمل اثناء النهار او الليل، من دون عبء اضافي كبير. انقراض الفرن المنزلي

قبل نحو ربع قرن تقريبا، كان المصريون فى الحضر وفي عواصم الاقاليم فقط يعتمدون على المخابز التجارية فى الحصول على احتياجاتهم من الخبر البلدى، في حين كان الميسورون فقط هم من يقبلون على الخبز " الافرنجي " او " الفينو".

وكان بقية المصريين فى الريف يخبزون الدقيق فى افرانهم المنزلية مستغلين القمح الذى يحصدونه من حقولهم.

وكان من معايير اختيار الزوجة حتى وقت قريب مهارتها في صنع الخبز، وجلوسها القرفصاء لفترة طويلة امام فوهة الفرن البلدى الثابت المصنوع من الطين والذى كان يعمل بالقش والحطب، قبل ان يحل الفرن المعدنى المتنقل الذى يعمل بواسطة اسطوانات الغاز.

لكن القرية المصرية لم تعد كما كانت. فمع تسلل نمط الحياة الحضرية الى الريف، تخلت القرية عن اولويات كثيرة ومنها زراعة القمح، وبات ابناء الريف أعضاء دائمين فى طوابير طويلة تصطف امام نوافذ المخابز للحصول على " رغيف العيش ".

وهكذا انضمت ملايين الاسرة الريفية الى قائمة من ينتظرون الخبز المدعوم من الدولة.

فى بداية ثمانينات القرن الماضى، كان التلميذ يشترى رغيف الخبر بـ "قرش صاغ" ويهرس بداخله قرصي فلافل بـ " خمسين مليما "، ويتناول هذه الوجبة البسيطة اثناء "الفسحة" منتصف اليوم الدراسى.

الان صارت نفس الوجبة تساوى جنيها ويزيد ( الجنيه يتكون من مئة قرش، والدولار الامريكيى يساوى 5.60 جنيهات)، ما يعنى ارتفاعا بنسبة مئة ضعف فى السعر خلال ثلاثين عاما.

وبطبيعة الحال، لم ترتفع الاجور او الرواتب بنفس النسبة خلال نفس الفترة.

وفي العادة، تحتاج الاسرة المصرية المتألفة من ستة افراد الى نحو ثلاثين رغيفا يوميا لسد رمقها من الخبز فقط في ثلاث وجبات يوميا.

ويترواح سعر رغيف الخبز غير المدعم متوسط الحجم حاليا ما بين 25 و 50 قرشا ، في حين يُباع الرغيف المدعوم بخمسة قروش.

وقد ادى ذلك الى تكدس المستهلكين امام افران الخبر، وفي بعض الاحيان يضم الطابور الواحد امام بعض المخابز اكثر من خمسين او ستين شخصا، معظمهم من ربات البيوت، ويستمر الحال لساعتين او اكثر للحصول على 15 او 20 رغيفا.

بعض هؤلاء السيدات يذهبن الى المخبز فى الرابعة فجرا لحجز مكان متقدم فى الطابور، اى قبل بدء عمل المخبز بثلاث او اربع ساعات تقريبا.

عض قلبي ولا تعض رغيفي

في اسبوع واحد فقط كتبت الصحف المصرية عن اكثر من حادثة متعلقة بطوابير العيش.

فى منطقة حلوان، جنوب القاهرة، قتل شخصا واصيب 14 اخرين فى تجدد خلافات قديمة بين عائلتين عندما تشاجر اثنان من ابناء العائلتين امام مخبز لخلاف على اولوية الوقوف في طابور العيش.

فى حادثة مشابهة فى قرية برنشت جنوب الجيزة، تشاجر صبيان من عائلتين مختلفتين لنفس السبب، فتطور الامر الى مواجهة بالعصى والشوم والسكاكين، جرى احتواؤها من قبل الشرطة قبل حدوث كارثة.

واتفق الخصمان على شرط جزائي بعشرات الاف من الجنيهات لمنع التعدي مستقبلا.

فى حادثة ثالثة، عثرت الشرطة فى حي الدقى الراقي بالجيزة على عشرات من زجاجات المولوتوف الحارقة كانت معدة للاستخدام من قبل مجموعة من الافراد ضد مجموعة اخرى بسبب الخلاف على الخبز.

ولكن اعتذار المجموعة الثانية في الوقت المناسب دفع المجموعة الاولى الى ترك الزجاجات فى الشارع امام بعض السفارات الهامة.

حادثة رابعة، مشاجرة بين نجل صاحب احد المخابز واحد الزبائن حول كمية الخبز المباعة تعدى فيها الاول على الثانى ومزق ملابسه ، تؤدي فى النهاية الى حكم عرفي بقيام ابن صاحب المخبز بتوصيل الخبز مجانا الى الطرف المتضرر لمدة شهر امام سكان البلدة.

هذا بالاضافة الى عشرات المشاجرات اليومية التى يجرى احتواؤها بشكل او اخر والاحتجاجات المتكررة التى تنظمها قوى المعارضة للتنديد بارتفاع اسعار السلع وعدم توافر رغيف الجبز المدعم.

وتحذر هذه الاحتجاجات من انفجار جماهيري فى حال استمرار الوضع على حاله مذكرين بما حدث فى مصر قبل ثلاثين عاما عندما خرج الناس الى الشوارع في مظاهرات شهدت حوادث حرق وسلب ردا على ارتفاع الاسعار. القمح والحرية

وتستورد مصر التى كانت تصدر القمح الى اوربا وغيرها حتى منتصف القرن المنصرم، القمح من جهات مختلفة اهمها الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا.

وتعد مصر واحدة من اكثر دول العالم استيرادا للقمح باجمالى نحو 6 ملايين طن سنويا.

وفي مستهل مارس/اذار الجارى، تعاقدت مصر لشراء 125 الف طن من القمح الامريكى والروسي ، يتم توريدها خلال الفترة من منتصف ابريل / نيسان الى منتصف مايو/ ايار القادمين.

واتفقت مصر أيضا على صفقة مشابهة مع فرنسا، بحسب بيانات الهيئة العامة للسلع التموينية فى مصر.

وتحذر تقارير صحفية من آن لاخر من تقلص مخزون الاحتياطى الاستراتيجي من القمح للحد الذى ينذر بازمة شديدة.

ومع وصول تعداد مصر الى نحو 76 مليون نسمة بحسب احدث التعدادات الرسمية، وتضاعف اسعار القمح عالميا، قررت الحكومة رفع سعر توريد القمح المحلي لتشجيع المزارعين على زراعة القمح.

وكانت الخضروات والزراعات قصيرة الاجل المربحة، قد دفعت الفلاح المصرى في كثير من المناطق الى هجر زراعة القمح ، في محاولة منه لكسب المال اللازم لنفقات الاسرة.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:bbc