سياسات التنمية المحلية في العراق...إلى أين؟

علي كريم العمار

 

منذ مايقارب الأربع سنوات وما جرى من تحديث وتغييرات واسعة في العراق في جميع المجالات وظهور مايسمى بفلسفة التمكين للمجتمعات المحلية لأداء فعالياتها بنفسها نرى  من المهم إن نقيّم هذه التجربة وما حققت ونقاط السلب والإيجاب بهدف وضع رؤيا حقيقية وتقويمية للمراحل القادمة.

جرت العادة في السنوات الأخيرة إن ظهرت عدة سياسات وبرامج للتنمية المحلية تعمل على دعم وتمويل مشاريع ذات صبغة محلية ومحدودة التأثير  ذلك من خلال رفع القدرات المالية والتنظيمية لتلك المؤسسات مكانيا سواء أكانت مؤسسات منتخبة (كمجالس المحافظات) ام مؤسسات داعمة تتمثل بالمجتمع الأهلي والقطاع الخاص.

وبالنظر لتجربة العراق الجديدة والتي نرى أنها جاءت متأخرة وتبعا للظروف والملابسات التي أحاطت بها الا إن هذه التجربة ورغم عمرها القصير فإنها تعطي انطباعات متعددة في غاية الأهمية سواء أكانت ذات طابع ايجابي ومؤثر في تنمية الشعور للسكان في المحليات أم ذات طابع سلبي مؤثر في فقدان تراتبية التنظيم والتنفيذ.

 وعلى العموم فاننا في هذه الورقة نحاول إن نسلط الضوء على واقع المؤسسات التنظيمية والتنفيذية والهياكل الإدارية التي تلعب دورا أساسيا في سياسات التنمية المحلية.

أولا: ماهية سياسة التمكين وإطارها العام؟

 إن حدوث التغيرات الجذرية المؤثرة في جميع المجالات والقطاعات الاقتصادية ماهو الا انتاج للفكر العام العالمي السائد حاليا والمتمثل بـ(حرية رؤوس الأموال، حرية الأسواق، المنافسة الدولية) وما يتبعه ذلك من مواكبة محلية كنتيجة حتمية لسرعة الاتصالات وتطور نظمها وهي كثيرة ومتعددة وبمصادر وأساليب وإشكال متباينة.

وتبعا لتلك المعطيات فان تبلور التغييرات المحلية لم يأت بشكل مفاجئ وسريع لمعظم المجتمعات في العالم إلا في حالة العراق التي جاءت سريعة وغير متجانسة مع الإمكانات الذاتية والعملياتية لاستقبال تلك المتغيرات، فالمجتمع العراقي وخاصة الحضري منه لم تدرس وتقيم نتائج التغيير الذي طرأ عليه بصورة جادة حتى الآن. ثم إن برامج الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والتي كانت ولا تزال تهدف نظريا إلى تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والعمرانية  لعموم المجتمع العراقي .

  من خلال تخفيض الديون الدولية المترتبة على البلد نتيجة أفعال النظام السابق، ومن ثم تحسين ميزان المدفوعات وتقليل المفقود من الإنفاق الحكومي غير المبرر . وسعيا وراء تلك الأهداف فان سياسة حكومات الدولة العراقية المتتابعة منذ تأسيس مجلس الحكم وحتى الآن قد حاولت وتحاول إن تخضع اقتصاد الدولة إلى برنامج إنعاش فوري يتضمن تشجيع الشراكة مع القطاع الخاص  ثم تقليل التبعية للسيطرة المركزية في الاقتصاد من خلال عدد من الطرق منها- إخضاع معظم المؤسسات الحكومية الإنتاجية والخدمية لقواعد السوق الحر (برامج تغطية التكاليف وتعظيم المكسب) وقد ركزت معظم الخطط والبرامج السنوية للدولة على استيعاب وتحفيز القطاع الاقتصادي الخاص نظريا  دون تفعيل يذكر.

ومن القطاعات الاقتصادية المهمة للتنمية تم التركيز على القطاعات الخاصة بالتنمية الاقتصادية المحلية والمتأتية من خلال تنمية القطاع الحضري وبشكل يمكنه من تخطي تبعات الماضي والإيفاء بمتطلبات المستقبل إلا أن الصورة الوردية. هل هي كما نتمنى ونطمح من باب التفاؤل المصحوب بمعرفة الواقع؟ ام كما تأتي باستمارات التقييم والتلميع النظري التي ترسلها وتؤيدها مجالس المحافظات والحكومات المحلية المنتخبة؟

ثانيا: تفويض الصلاحيات: سياسة الانفتاح نحو الاطراف إلى أين تسير؟

بشكل عام نرى أن طبيعة التنازل الذي حدث من سلطة المركز إلى سلطات الأطراف والمحليات لم يأت بشكل تدريجي ومقبول من قبل السلطات المركزية والمحلية على حد سواء بل جاء بشكل أخر ليلبي ويزيد حالة الانهيار التي شملت جميع المفاصل في النظام المؤسسي العراقي وبالتالي فان تحرير السوق وظهور مايمكن تسميته بمراكز التنمية المحلية القوية والمنافسة قد اثر وبشكل أخر على طبيعة فلسفة التنمية بمعناها الحقيقي فتمكين القدرات المحلية والميزانيات الضخمة والانفجارية ماهي إلا بحقيقتها سيولة وإثراء تسيل لها لعاب  الكثير ممن الآن على سدة هذه التشكيلات.

فالدعم غير المحدود وغير المدروس قد ادخل مايسمى بالتخمة المرضية إلى أجساد مريضة وغير متعافية بعيدة عن مفهوم البيروقراطية الإدارية والتنفيذية.

ومن نتائج هذا نجد الكثير من ملفات الفساد والشفافية والإثراء غير المحدود على الكثير من طاولات الاجتماعات والمؤتمرات المحلية والإقليمية والدولية.

فالامداد المالي المتواصل بهدف تنمية القطاعات المحلية وتسريع اعمار مادمر لم يأت بنتائج واضحة وملموسة ما يتطلب أعادة النظر بهذه البرامج ومتابعة النتائج وتفعيل إجراءات المحاسبة المالية والإدارية والتنظيمية... فالمال السائب أصبح خطرا يضاف للإرهاب المتفشي أصلا بسبب المال  والمحاصصة .

إن فكرة اللامركزية الادارية (والتي نسعى لتحقيقها) ستكون أول ضحايا هذا الوضع غير الصحيح .

 ربما  سؤال يطرح نفسه في هذا السياق  بان الوضع العراقي قد يشابه أوضاعا متعددة ومتنوعة للمجتمعات المحلية  للكثير من دول العالم... فلماذا التقييم طالما  إن التجربة في مراحلها الأولى؟

 نعم ربما تأتي الإجابة لكن عندما يتعلق الأمر بتجربة العراق ومبررات ظهورها يتضح أنها قد فشلت في تقييم مراحلها وهذا مطلوب من أية تجربة أو برنامج أو سياسة أن تمارسه عملا بمبدأ المراجعة وإعادة التقييم إل Feed Back.

فالمؤشرات السلبية لم تقلل بل ازدادت والعاملون على هذه الخطط وتنفيذها يمارسون ما يمارسون ويخططون ليس لرفاه المجتمع برمته بل يعملون   باللاتخطيط وربما يكون التعمد موجودا... وبصور متنوعة ومزيفة.. وهذا هو الخوف الأكبر على هذه التجربة..

عندما توصف فلسفة التمكين للمحليات بأنها إعطاء دور أكثر فاعلية وبشكل يتناسب وقدرات المجتمعات المخدومة سواء أكانت حكومات أم قطاعاً خاصاً ومنظمات غير حكومية فان الأهم من ذلك كله هل إننا انتقلنا من الفكر المسيطر إلى الفكر المسيطر عليه.

فمن التجربة الحالية نجد جملة من المخاطر قد ظهرت واستفحلت ومنها:

1- إن الحكومات المحلية قد أصبحت وتحولت إلى نظم مركزية وبيروقراطية ببعدها المكاني المحدد.

2- إن السلطات المحلية المتمثلة بالإدارات المحلية قد تحولت إلى سلطات ذات طبيعة عمل غير فاعلة ومهمشة ومتفككة تتسابق نحو بل وتابعة لسلطات مجالس المحافظات وعاملة بأمرها.

3- سلطات المجالس المحلية من الذي يراقبها وبأية صلاحيات تعمل.. والى متى هي باقية وهذا  ما يبرر  وضعها الحالي.

4- إن تحول السلطات المركزية من مجرد داعم وواضع للسياسات العامة والمتابعة لا يجب إن يفقدها الأهم وهو تحقيق التوازن التنموي بين المناطق  سواء أكانت حضرية أم ريفية  وعلى مستوى الرقعة المكانية للعراق ككل.

5- إن مجمل المشاريع والبرامج التي تنفذها السلطات المحلية ليس لها بعد حقيقي لمبدأ الشراكة الذي يمثل جوهر اللامركزية فالتخصيصات المالية التي تخصص للمجالس  والحكومات المحلية كم منها يذهب فعلا لتنمية القطاع الخاص والمنظمات الأهلية وبأية شفافية تعمل وماهية إجراءات الرقابة والأمان الاجتماعي المتحقق.

6- أن ابرز ظاهرة يمكن ملاحظتها هي حالات التقاطعات السياسية التي أثرت بشكل وبأخر على تسيير برامج الإصلاح المحلي برمته وبالتالي أصبح حافز الإثراء والاستفادة الآنية جوهر عملية النمو المحلي وأية محاولة غير ذلك توصد بوجهها الأبواب.

ثالثا: الواقع العراقي ومشكلات التطبيق للتمكين المحلي؟   

على الرغم من بدء وتنفيذ بعض ملامح برنامج الإصلاح الديمقراطي والشراكة الاقتصادية فان سياسة التمكين المحلي الحالية لايمكن لها إن تعطي ثمارا لا على الواقع ولا على المستقبل القريب.. ونحن هنا ليس بمتشائمين بل نحن نعطي غيضا من فيض الذي يجري ولا يزال يخطط لإبقائه مستمرا...

ولكوننا نعمل بالجانب الأكاديمي والعملي فليس مانقوله جزافا ونظريا.. بل نستطيع إن نعطي جملة من المؤشرات الحالية لواقع التنمية المحلية وكالاتي:

1- إن أكثر من 90 بالمئة من المشاريع المنفذة والتي ستنفذ ارتفعت أقيامها بمعدلات تفوق ارتفاع أو انخفاض سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي والتضخم  فالمشاريع التي كانت تنفذ بكلفة ما ارتفعت بنسبة أكثر من 700بالمئة من كلفتها الحقيقية مما كانت عليه خلال الربع الأول من العام 2003 وقد تكون سياسة الانفتاح التي مارستها الحكومات المتتابعة وسلطة الائتلاف قد عملت على تغذية هذه العملية بهدف ما ربما نجهله طواعية.

2- يلعب القطاعان العام والخاص دورا مؤثرا في الاقتصاد المحلي حيث تشير اخرالتقديرات (تقرير وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي العراقية 2004) لنسب توزيع الأيدي العاملة في القطاع العام (الحكومي) على مستوى العراق بما نسبته 20% من إجمالي العاملين إما نسبة العاملين بالقطاع الخاص فهي تصل إلى 45% ما يعني هذا إن  نسبة تصل إلى النصف من قوة العمل المتاحة تعمل في هذا القطاع إلا إن الصفة المميزة في تنمية المحافظات ومن خلال مجالسها المنتخبة لم تعمل جاهدة على تطوير هذا القطاع ودعمه سواء أكان  ذلك في القطاعات الإنتاجية أم غير الإنتاجية فانتشار البطالة والعمل غير الإنتاجي هو الواضح  والمتنامي حاليا.

3- اما القطاع الإنتاجي المتمثل بالقطاع المحلي الخاص فيتكون في اغلبيته من  شركات مقاولة تغلب عليها نزعة النشاطات الاستهلاكية غير الإنتاجية بشكل محدد النشاط التجاري الخارجي إما النشاط الصناعي فيمكن القول بأنه يعاني الإهمال والتخلف وارتفاع المنافسة من الاستيراد ما أدى إلى انعزاله وانكفائه من السوق.

4- استمرار هيمنة مراكز النمو التقليدية في المحافظات على حساب المناطق الأخرى وباتجاه ساهم في توسيع فجوة التنمية ما بين الاقتصاديات المحلية وبالتالي أثر هذا على فقدان شكل التراتبية والهرمية المفترض في توزيع أو استغلال الموارد المتاحة مكانياً وكذلك قطاعياً ، ونتيجة لذلك فأنه من الصعب نظرياً إثبات وجود أثر اقتصادي مبني على أساس تتبع حركة متوازنة (قطاعية - مكانية) للتدفقات السلعية والخدمية ما بين القطاعات الاقتصادية وفق مبدأ الارتباطات الإقليمية والمحلية المبنية على كفاءة التوقيع والاستغلال الأمثل للموارد المتاحة.

5- أن الحالة الاقتصادية لمعظم سكان المدن العراقية يمارسون أعمالا خدمية وذات نشاطات غير إنتاجية إما نسبة الفقر وحسب أخر التقديرات الإحصائية هي بحدود 35،07% من مجموع القوى القادرة على العمل وهي بتزايد مثير، ان السمة البارزة للسكان في المناطق الفقيرة يعانون جملة من المؤشرات التي هي من احتمال الفقر الحضري فانخفاض نسبة الخدمات التحتية وتلكؤ مشاريع إصلاح الهياكل الأساسية الخاصة بتحسين معيشة السكان والتي منها النقص الحاد لمعايير التغذية والحصة التموينية قد أثرت سلبا على القدرة الشرائية للسكان وبالتالي أصبحت لاتفي سوى للمتطلبات اليومية من نفقات المعيشة من (غذاء ووقود) حيث تؤكد المؤشرات إن الأسر تنفق ما قيمته 70-80% من الدخل المخصص لهذه المستلزمات.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alssabaah