التوازن المطلوب بين النفط والغذاء والبيئة

 

ميشال مرقص

 

 

إذا كانت أسعار النفط تتصدّر قلق العالم، نظراً إلى موقعها في الاقتصاد اليومي من جهة، وما يصدر عن استهلاكه من انبعاثاتٍ خطرة تهدّد البيئة الطبيعية والبشرية من جهةٍ ثانية، فإن إنتاج المكوّنات الزراعية تتقدّم أيضاً في أولويات اهتمام المنظمات المعنيّة بتأمين الغذاء البشري والحد من توسع الفقر وامتداد مساحته ولا يخفى أن تداخلاً أوجبَ ذاته في تأمين التوازن بين إنتاج النفط واستهلاكه على الأصعدة كافّة، وبين توفير المواد الزراعية لتأمين الغذاء للجميع فالألفية الجديدة حافلة بالمخاوف، لأن كثرةُ استهلاك المحروقات تزيد من حرارة المناخ وتتسبّب بذوبان الثلوج فتحدثُ تغييراتٍ مضرّة بالنُظم الزراعية المتنوّعة، وتهدّد التربة بالتآكل والغابات بالاندثار وتُتلف أنواعاً زراعية وتُنتجُ غيرها لكن السعي إلى تخفيف حجم استهلاك النفط، باعتماد محروقاتٍ نظيفة مثل الإيثانول، يحوّل أهداف الثروة الزراعية الأساسية إلى إنتاج محاصيل، تشكّل أساسات تكوين هذه المحروقات الحيوية النظيفة، ويدفع مزارعين إلى الاعتماد على زراعات هادفة لإنتاج الطاقة النظيفة، على حساب زراعات غذائية أساسية. فاعتماد التربة من أجل زراعات الذرة وقصب السكر بهدف إنتاج الإيثانول، يمكنه أن ينافس الإنتاج الزراعي.

ففي المكسيك مثلاً، ارتفعت المنتجات الغذائية المرتكزة على مكوّنات الذرة 14 في المئة وبالطبع، سيؤدّي النزف في المساحات الزراعية المخصّصة لإنتاج غلالٍ غذائية، إلى ارتفاع أسعار هذه المحاصيل، فلا تعودُ في متناول شريحة كبيرة من المستهلكين من أصحاب الدخل المتدني والمتدني جدّا ويساعد نقص المحاصيل وتراجع المعروض، على رفع أسعار الإنتاج الزراعي الغذائي، وتالياً مكوّنات إنتاجه الصناعي، في مقابل بروز مستهلكين جددٍ، ليسوا نتيجة التكاثر السكاني فحسب، بل وأيضاً هم نتاج لتحسن أحوال المعيشة وزيادة الدخل في دول ناشئة مثل الصين والهند وروسيا وغيرها من دولٍ كانت تعتبر «نامية» أو «متخلّفة» ويبرز عامل التحدّي راهناً، في تأمين 30 في المئة إضافية من الإنتاج الزراعي لتوفير الغذاء الضروري لجميع سكان الأرض، ثم مضاعفة المساحة والإنتاج لإطعام 9 بلايين نسمة يشكلون سكان العالم سنة 2050. فاليوم تحملُ الكرة الأرضية 6.5 بليون نسمة، منهم بليونان يعانون سوء التغذية و854 مليوناً جائعون.تجاه هذا الحجم من المستهلكين يحتاجُ معروض الغذاء في العالم إلى زيادة 30 في المئة لتأمين الكفاية للجميع. وفي الإمكان جهل الحاجة أقل، لو تنازل مترفو العالم عن تخمتهم وأمكنت الاستفادة من هامش الاستهلاك الكلّي فلا تُرمى أطعمة هدْراً وفي فرضية متفائلة، تشيرُ مصادر منظمة الأمم المتحدة للتغذية والزراعة (فاو)، إلى امتداد المساحة المزروعة حالياً فوق 1.5 بليون هكتار، تُمكن زيادتها إلى 2.8 بليون هكتار، نتيجة لمعطيات صورٍ نقلتها أقمارٌ اصطناعية، خصوصاً في أفريقيا وأميركا اللاتينية.

 لغير أنَّ مركز التعاون العالمي للأبحاث الزراعية والتنمية اعتبر المساحات المحتملة للتطور الزراعي مستقبلاً، مبلغاً فيها، لأن ما بدا منها مهملا، هي أراضٍ مستراحة في نظام التبادل الزراعي لإراحة التربة وتلوحُ الفرضية الثانية من خلال احتمال تفعيل مردود المساحات الزراعية، كمساعد في زيادة الإنتاج لكن الاحتمال يبقى جزئياً ففي البلدان المتقدّمة بلغ مردود الهكتار ذروته بإنتاج 10 أطنان من المحاصيل، ويمكن أن ينسحب هذا التحسين إلى جنوب الكرة الأرضية حيث المردود الزراعي متدنٍ وقابل للزيادة إنما هذه الزيادة تتعثّر بسبب استخدام الأسمدة الكيماوية المكثّفة والمبيدات ذات السمّية التي لوّثت مساحات الشمال، فضلاً على أن أسعارها مرتفعة وليست في متناول المزارعين الفقراء، وتقديراً ستزيد خلال فترة ثلاثين إلى أربعين سنة بالتلازم مع ارتفاع أسعار النفط وليس مستحباً، أيضاً، الاعتماد على الزراعات المعدّلة جينياً، لتكثيف المحاصيل، لأنها بدورها مرتفعة الثمن، تحتاج إلى أسمدة وإلى آلياتٍ طاقوية تزيد تلويث التربة.

كما أن الشركات المنتجة للبذار المعدّل جينياً تحتكرُ امتياز إنتاج سنوياً وبأسعار عالية فيصيرُ المزارع مرتهناً لها. وتميلُ الاحتمالات، الأقلّ تكلفةً، إلى زيادة المحاصيل باعتماد الزراعات البيئية المحافظة على النظم الإيكولوجية وبحسب المؤسسة الوطنية الزراعية في فرنسا، تُمكن مضاعفة الإنتاج الزراعي، باعتماد التلازم بين زراعة أنواع من الأشجار وأنواعٍ من الحبوب، يوفّر كلٌ منها غذاءً للآخر في التربة المشتركة (الذرة البيضاء وأشجار الأكاسيا) وتجاه التخوّف من تفكك الأراضي الزراعية، وتفتت التربة وتحوّلها إلى رمالٍ تزيدُ تصحّراً مع الطلب الهائل على المياه، لتلبية الاحتياجات البشرية والزراعية والصناعية، تبدو المعضلة أشدَّ صعوبةً فتدفئة المناخ ستؤدي حتماً إلى تغييرات جيولوجية وزراعية والمناطق الأكثر برودةً تصيرُ اكثر دفئاً مثل كندا وروسيا وشمالي الصين ويتحسّن الإنتاج الزراعي فيها. لكن الأراضي البرازيلية والأسترالية فيتوقّع أن تشهد تراجعاً في معدلات خصبها.

هنا تلعبُ السياسات الدولية دوراً مهمّا. فالدول المتقدّمة تدعم بقوّة مزارعيها وبوسائل شتّى، فينافس إنتاجهم محاصيل الدول النامية والناشئة، حيث الوسائل متخلّفة والتكلفة مرتفعة والأثمان أعلى مما هي لدى الدول المتقدمة. وإذا باع المزارع محاصيله بأسعارٍ متدنية، لا يعود قادراً على توفير الطعام له ولأفراد أسرته، أو أن يتابع نمطه الزراعي. هؤلاء المزارعون يتحوّلون إلى المدن، بحثاً عن مورد رزقٍ، في مناخٍ من عدم القدرة على توفير العمل للجميع، خصوصاً وأن موجات النزوح المباشر لا تشمل المهرة بل من يفتقر إلى المهارة. ويبدو أن الواقع الحالي في العالم، يعمل ضد الزراعة، وتالياً لا يوصل إلى الحلول المطروحة أو المحتملة ومع الالتفات الجديد نحو اهتماماتٍ ثانيةٍ ترتفع أسعار المواد الأولية الزراعية وتالياً الغذائية وانتقلت ترددات هذه الظاهرة سريعاً وبات يشعر بها الجميع في أي مكانٍ من العالم فارتفاع أسعار المنتجات الزراعية والغذائية يؤثّر على ميزانيات الأسر. والإنفاق العائلي عليها في الدول المتقدمة، يراوح بين 10 و20 في المئة من إجمالي الإنفاق للأسرة الواحدة، في حين تشكل هذه النسبة 90 في المئة لدى الأسرة في الدول المتأخرة اقتصادياً والمطلوب تحقيق التوازن بين معادلات النفط والغذاء وإنتاج المحروقات النظيفة.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:daralhayat