الإقتصاد الأمريكي :فجوات اجتماعية... تفوق الدخول

 

روبرت بي رايخ

 

 

هاهي الولايات المتحدة الأميركية تمضي نحو الركود الاقتصادي أو ما هو أسوأ، بينما تتجه إدارتها صوب المعالجات التقليدية لهذا التراجع المخيف. غير أنه ليس من المرجح أن تجدي المعالجات التقليدية هذه المرة، لأن ما نشهده الآن ليس تراجعاً عادياً، إذ تعود جذوره إلى مستوى أعمق مما يتصور البعض، فهو حصيلة ثلاثة عقود من إنفاق المستهلكين الأميركيين بمعدلات تفوق دخولهم وإمكاناتهم. أما الآن فقد انتهت هذه الفترة لأنه لم يعد للمستهلكين من الموارد ما يمكنهم من الإبقاء على دوران عجلة الاستهلاك هذه. وفيما عدا قبول الأميركيين بالعيش في مستويات أدنى مما تعودوا عليه، إلى جانب إعادة تكييف الاستثمارات على نمط اقتصادي أكثر صغراً ومحدودية، فإن المعالجة الأكثر فعالية، هي رفع معدلات دخول الفئات الاجتماعية الوسطى والدنيا من المجتمع، بما يساعدها على رفع قوتها الشرائية بشكل مستديم وليس مؤقتاً وهذا ما يدعوني إلى الحكم على الجزء الأكبر من الحوار العام الجاري حول الحلول المقترحة لهذه الأزمة، بالعقم والبعد عن نطاق المعضلة الآنية. فإذا كان القصد من السياسات المتبعة مؤخراً، مثل خفض ضرائب الاستثمار بغية خفض أسعار السلع والخدمات، فالمؤكد أن الشركات لن تواصل المزيد من الاستثمار في المصانع والمعدات الإنتاجية، طالما واصل الطلب على المنتجات والخدمات انخفاضه بوتائر متسارعة، مثلما هو حادث الآن. كما أنه ليس متوقعاً لسياسات حفز الاستهلاك التي بدأ العمل بها، أن تعيد المستهلكين إلى مراكز التسوق، طالما أن المستهلكين يعلمون بأن المساعدات الحالية ذات طبيعة مؤقتة. وبما أن المشكلات التي يواجهها معظم المستهلكين هي مشكلات مستمرة ودائمة، فالمرجح أن يقرروا ادخار المساعدات المالية التي تقدمها لهم الحكومة بدلاً من إنفاقها.

وربما يسهم تخفيض فيدرالي إضافي لأسعار الفائدة في فك جمود أسواق الائتمان الحالي، بما يفتح أمام المستهلكين فرصاً كبيرة للحصول على قروض أيسر وأقل فائدة. غير أن هذه الإجراءات ليس مرجحاً لها أن تمهد الطريق أمام العودة إلى فترة سهولة الحصول على المال، كما عهدنا خلال السنوات القليلة الماضية. والحقيقة أن ضرراً بالغاً قد حاق بالدائنين والمدينين على حد سواء، بينما تواصل قيمة المنازل وغيرها من الأصول الأخرى، انخفاضها بمعدلات تفوق نسبة خفض أسعار الفائدة وكما سبقت الإشارة، فإن جذور هذه المشكلة ظلت تمتد وتتنامى عبر العقود. ذلك أن متوسط الأجور الأميركية لم يشهد ارتفاعاً يذكر طوال الخمسة والثلاثين عاماً الماضية، وذلك بسبب التضخم الاقتصادي. وبالنتيجة فقد انخفض دخل العامل في سن الثلاثين بنسبة 12% مقارنة بعامل آخر من نفس الفئة العمرية قبل ثلاثة عقود. كما يلاحظ أن معظم مكاسب الشرائح الاجتماعية الأميركية خلال العقود الثلاثة الماضية، ذهبت لصالح الفئة الأكثر غنى في المجتمع، والتي لا تتجاوز نسبتها 5% من مجموع السكان. وتكتمل هذه المقارنة إذا لاحظنا أن تلك الفئة الغنية تسخّر جزءاً يسيراً للغاية من ثروتها، للإنفاق والشراء، قياساً إلى بقية الفئات الاجتماعية الأخرى، بحكم كونها تظل غنية مهما أنفقت، كما أن حجم إنفاقها لن يصل إلى مستوى إنفاق الفئات الاجتماعية الأكثر كثافة من المجتمع الأميركي وبدل أن تغرق هذه الشريحة في الاستهلاك وبالتالي الإسهام في تحريك ماكينة الاقتصاد القومي، فهي أكثر ميلاً لاستثمار أموالها في أي بقعة أخرى من بقاع العالم، طالما أنها تحقق أرباحاً أعلى هناك. وهكذا تواصل التستر على المشكلة طوال السنين الماضية، بابتكار وسائل وخيارات اقتصادية مكنت الشريحتين، الدنيا والوسطى من المجتمع، من التمتع بمستوى حياة يفوق قدرتهما المالية الفعلية. لكن هاهي تلك الخيارات والموارد وقد نضب معينها الآن.

وضمن تلك الوسائل رفع المشاركة النسائية في الانتاج والعمل المأجور. وتعود طفرة انخراط النساء في الوظائف إلى عقد السبعينيات مع نشوء عدد كبير من الوظائف الأدنى تخصصاً ومهنية، وليس بسبب حاجتهن للمشاركة في زيادة دخول أسرهن. ومنذ ذلك الوقت وإلى اليوم، ارتفع عدد أمهات أطفال المدارس العاملات بنسبة 70% تقريباً. غير أن هناك بالطبع حدوداً لقدرة هؤلاء على الاحتفاظ بوظائفهن المأجورة أما الوسيلة الثانية التي أبقت على إمكانية الأميركيين للعيش في مستوى يفوق دخلهم الفعلي، فهي زيادة ساعات العمل. وبالنتيجة فقد ازدادت ساعات عمل الجيل الحالي من العمال الأميركيين، قياساً إلى ساعات العمل قبل ثلاثة عقود، إذا ما علمنا أن غالبيتهم قد أدمنت العمل، وزادت ساعات عملها السنوية عن 350 ساعة مقارنة بمتوسط ساعات عمل نظرائهم في كل من أوروبا واليابان. وبسبب الزيادات الطفيفة التي طرأت على أسعار البيوت في عقد التسعينيات، ثم تسارُع هذه الزيادة بين عامي 2002 و2006، لجأ الكثيرون إلى تحويل بيوتهم إلى شيء أشبه بالبقرة الحلوب، إذ لا يكف أحدهم عن إعادة تمويل الرهن العقاري الخاص به، والحصول على قروض تمويل المنازل. وتلك هي الوسيلة الثالثة التي انهارت بدورها بفعل انهيار القطاع العقاري مؤخراً. والحل الجذري كما أشرت آنفاً هو سد الفجوة الاقتصادية العميقة التي تفصل بين فئات المجتمع الأميركي.

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad