دور الدولة في البناء والتغيير المؤسسي

 

 

فريق من الباحثين

تعد مسألة تحديد رؤية دقيقة لمستقبل الاقتصاد العراقي في ظل التحولات الهائلة التي يشهدها الاقتصاد العالمي في غاية الاهمية وذلك ما يعتمد اساسا على فلسفة الدولة وايديولوجيتها وطبيعة الرؤى التي يعتمدها النظام والفلسفة الاقتصادية التي يؤمن بها.

ان قراءة موضوعية لطبيعة ومشكلات الاقتصاد العراقي يتطلب تبني اقتصاد موجه من قبل الدولة ودورها يتحدد بمدى فاعليتها في الاقتصاد وليس بمدى وحجم سيطرتها على القطاع العام في اطار ضبط آلية السوق (التنافسية) بما يسمح لدور اكبر وفاعل للقطاع الخاص سواء المحلي او الاجنبي من تولي تلك المشاريع الاقتصادية التي تعهد لها من قبل الدولة للتخفيف من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية ولاسيما التنمية المشوهة وغير المتوازية للأقاليم والمدن العراقية.

ان فاعلية الدولة او الحكومة تتحدد من خلال حقيقة الاقتصاد العراقي وما يمتلكه من احتياطي نفطي مؤكد كثاني دولة في العالم على الرغم من المديونية العالية واعباء خدمة الديون. الا ان هذا الاحتياطي يمثل ضمانة حقيقية واكيدة لاستقرار الاقتصاد من التقلبات المستمرة في اسعار الصرف وسوقاً كبيرة تلبي طموحات المستثمرين المحليين والاجانب. مما يعكس ان مفاتيح الاقتصاد وبناءه وبالتالي مسؤولية القرار الاقتصادي واتخاذه ستكون مهمة الدولة والاطراف الرئيسة الاخرى ولاسيما القطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني لخلق حالة التوازن الاقتصادي - الاجتماعي.

حيث لا يتواجد بأي من الدول نظام اقتصادي يستند الى السوق فحسب. فالاقتصاد يشتمل ايضا على ادوار مهمة للحكومة من مثل - توزيع الدخل ولاسيما (التأمين الاجتماعي)، توافر التعليم العام، الصحة، الدفاع، واقامة البنى التحتية، والنقل العام، البنوك والمصارف، وغير ذلك من الادوار المتصلة بتوافر السلع العامة التي لا يتم انتاجها من قبل القطاع الخاص. فضلا عن هذا فالاقتصاد في صورته العامة يشتمل على الوظائف والادوار الاساسية التي تؤديها المؤسسات غير الهادفة للربح مثل اقامة مؤسسات المجتمع المدني ولاسيما الاتحادات المهنية، ونقابات العمال، ومنظمات الاعمال، والتعاونيات، ولاسيما وان معظم الدول الصناعية لحكوماتها دور مهم في الاقتصاد تبين من خلال الملكية العامة للمؤسسات الاقتصادية ولاصول انتاجية فضلا عن انها تضع اللوائح والسياسات التوجيهية بالنسبة لبعض عناصر الاليات السعرية (من خلال النظم الضريبية او الرقابة على الصرف او غير ذلك من الاساليب ذات الطبيعة التوجيهية). وحقيقة الامر، ان كثيرا من الاقتصادات الاوروبية تمارس شكلا من اشكال الادارة المؤسسية، الامر الذي يعني ان جميع الشركات تكون مطالبة بالانضمام الى غرفة تجارة وطنية وجميع العاملين يكونون مطالبين بالانضمام الى النقابات العمالية كما تجري المفاوضات الجماعية بين منظمات الاعمال والنقابات اذ تطبق نتائج تلك المفاوضات على جميع الشركات، وما قوانين العمل الا لحماية العاملين بما يضمن حقوقهم وواجباتهم تجاه ارباب الاعمال.

يضاف الى ما سبق ان صانعي السياسة العامة والقرار الاقتصادي في الحكومة يعدون مطالبين بالتشاور مع منظمات الاعمال والنقابات العمالية، وان يصدروا تشريعاتهم استنادا الى المعلومات التي توافرها تلك الجهات بما يناسب سوق العمل مع سوق الانتاج ووضع البرامج الاستثمارية وحسابات التكاليف وتعزيز القدر التنافسية للاقتصاد انسجاما مع حركة الاقتصاد العالمي. كما تتبنى المانيا وعدد قليل من الدول الاوروبية الاخرى نظام مجلس الادارة وهو الهيكل الذي يتيح تحقيق دور رسمي لنقابات العمال في الشركات. ويستند اقتصاد السوق في شكله المثالي الى القواعد والقوانين وللوائح التي تمكن الافراد من العمل، واتخاذ القرارات لدعم المزايا التنافسية للاقتصاد وتحقيق اهداف المشروع الاقتصادية والاجتماعية وخلق مصادر جديدة مدرة للدخل والعمالة لتعزيز وبناء الاقتصاد. وفي التاريخ الحديث تتمثل اهم عناصر هذه القواعد في (التشريع) والذي يعرف بقانون الشركات، وهو التشريع الذي يحدد قواعد انشاء الشركات ذات المسؤولية المحدودة. فمن خلال السماح للشركات بالتحالف او الاندماج الى بعضها لتكوين شركات اكثر قدرة على المنافسة يتحقق ايجاد اساس الشركات الخاصة ولكن - نتيجة للحقيقة المتمثلة في ان المسؤولية عن اعمال الشركات كانت تاريخا غير محدودة فقد صارت المخاطر المقترنة بالشركات الخاصة كبيرة. فاذا ما كان هناك شخص يمتلك سهما واحدا من اسهم احدى الشركات، تكون جميع أصوله موضع مخاطرة في حالة تعرض الشركة للافلاس او حالة صدور حكم ضدها نتيجة القيام باحدى المخالفات. وبالتالي فان ايجاد مفهوم المشروعات ذات المسؤولية المحدودة يمكن المستثمرين من البدء في ادارة هذه المخاطر عن طريق السماح لهم بحصر مخاطرهم الفردية في نظام الاموال المستثمرة في الشركة. وتعزى الى هذا التطوير ميزة رفع مستوى النمو في الولايات المتحدة ثم اقتصادات اوروبا الغربية واليابان. وتوضح مقالة حديثة كيفية سماح نظم الحكم المؤسسي الشركات بالعمل من خلال نظام السوق. وثمة مهمة اخرى على قدر مساو من الاهمية تتمثل في وضع مجموعة من قوانين التجارة السليمة والقابلة للتطبيق بما في ذلك سياسات مكافحة الاحتكار او سياسات المنافسة، ففي كثير من الاقتصادات الناشئة او تلك التي تمر بمرحلة تحول تتواجد مثل هذه القوانين فضلا عن هذا أن بعض النظم القانونية في عدد قليل من هذه الدول لا يرقى الى المستويات العالمية، فانه يكون من المعتاد شيوع الرشوة والفساد الاداري وقبولها من جانب المجتمع، ومن شأن مثل هذه الممارسات المساس سلبا باداء نظام السوق واضعاف مؤازرة المواطنين للقيادة السياسية ايضا. وكذلك تتفاوت اقتصادات السوق من حيث هياكل اسواقها المالية ولوائحها المحاسبية ففي المانيا غالبا ما تمتلك البنوك نسبا كبيرة من اسهم الشركات الصناعية الكبيرة التي عادة مالا يتم تداولها في البورصات. كما تختلف النظم المحاسبية الالمانية بدرجة كبيرة عن تلك النظم المطبقة في الولايات المتحدة وبريطانيا وان كانت تلك الاختلافات قد صارت عند حدها الادنى اذ تسعى الشركات الالمانية الى الحصول على التمويل من اسواق المال العالمية.

ففي اليابان، من الشائع وجود الملكية المتبادلة بين مجموعات من الشركات وغالبا ما يلعب البنك دورا مهماً في المجموعة، وتوجد في كوريا تجمعات اعمال مماثلة (شيبول). ومن الامور المثيرة للانتباه ان الروس ينظرون الان الى مثل هذه الترتيبات في غمار تكوين تجمعاتهم الصناعية المالية FIGS على الرغم من صعوبة تطبيق احد الانموذجات التي نجحت في آسيا على التجربة الروسية التي تتصف بيئتها باختلافات ثقافية وقانونية. ولكن على الرغم من ذلك، فان كلا من هذه النظم المختلفة الالماني والياباني، والانكلو اميركي.. وهو احد اشكال السوق فان نظام السوق الحديث يستلزم ايضا تجربة تدفق المعلومات بشأن قيمة السلعة او الخدمة. ولكن مع بدء الاقتصادات في النمو والتعقيد، تبدو الحاجة الماسة لنوعيات اخرى من المعلومات، من بينها معدل التضخم المتوقع مستقبلا وسلوك اسواق الاسهم ورؤوس الاموال، وعجز (او فائض) الموازنة، وقيم الواردات او الصادرات وغير ذلك من حرية تدفق المعلومات كي لاتقع السوق تحت رحمة اولئك الذين يتمتعون بميزة امكانية الوصول الى تلك المعلومات وعلى خلفية بناء الاطار المؤسسي لقواعد السوق ينبغي على الدول النامية في طور التحول الى السوق ومنها العراق في ظل المرحلة الراهنة ان تضمن هذا التوجه برفع القيود عن المعاملات الداخلية والخارجية وتعمل على توسيع دور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي الكلي بالاعتماد على آلية اتخاذ القرار الاقتصادي وفق اسلوب الشفافية وتنظيم قواعد اقتصاد السوق من خلال :

1- العمل على اعادة بناء الهيكل المؤسسي والقانوني وارساء قواعد وقوانين جديدة تحكم النشاط الاقتصادي.

2- المحافظة على عدم تشوه بيئة السياسات الاقتصادية.

3- اعادة النظر بالاطار التشريعي من خلال تشجيع آلية المنافسة ومنع الاحتكار وتشجيع الاستثمار من خلال الحواجز والاعفاءات الضريبية لتنشيط دور القطاع الخاص فضلا عن تنظيم العمالة ووضع قواعد لتحديد الاجور الدنيا والضرائب واسواق المال.

4- الافصاح عن مجالات الاستثمار والمشروعات المراد خصخصتها وفق جدول زمني محدد وضمن اعتبارات عدة.

5- توفير قاعدة البيانات والمعلومات الدقيقة لدى الجمهور والمستثمرين تتعلق بطبيعة عمل القطاع الخاص وصميم نشاطه والاستثمارات التي ينبغي الاضطلاع بها على وفق مسار النشاط الالماني وتحقيقا للهدف العام للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

6- وضع وصياغة قوانين الفساد الاداري لمنع التواطؤ في المناقصات العامة بخصوص المشروعات المراد بيعها وتأجيرها للقطاع الخاص، او في حالة تعاقد الجهات الحكومية مع شركات القطاع الخاص لتوفير سلعة او خدمة معينة. مما يستدعي اصلاح نظام المناقصات ككل ومكافحة الفساد وتزويد دعاة الاصلاح بنظرة ثاقبة ومعلومات تمكنهم من تحقيق الاهداف وتحسين الكفاءة والشفافية والنزاهة.

ومن المبادئ والشروط الاخرى التي ينبغي توافرها لكي يتمكن القطاع الخاص من العمل في ظل التوجهات الرأسمالية للدولة هي :

1- ضرورة اتاحة المعلومات الكافية عن المشاريع العامة المراد بيعها، والافصاح عن جميع مراحل البيع وهل يتم البيع بصورة نقدية او بمبادلة ديون الشركة جزئيا او كليا مع امكانية البيع للعاملين بالتقسيط على ان لا تنقل ملكية الاسهم الا بعد سداد كامل لقيمتها.

2- تشجيع المنافسة ومنع الاحتكار وكذلك المزايا الخاصة او اي نوع من الامتيازات من شأنه التمييز بين المستثمرين للوحدات الاقتصادية المملوكة لقطاع الاعمال العام.

3- منح الحرية للقطاع الخاص في الادارة وفقا لما تحدده القوانين من الحقوق والواجبات مع الحرية في تحديد حجم العمالة الذي يحقق كفاءة الاداء.

4- اتباع الاجراءات الخاصة بطرح الاصول او الاسهم التي يمتلكها قطاع الاعمال العام سواء في شركات تابعة او مشتركة، وذلك باعداد نشرة توضح الممتلكات ووضع اسس المفاضلة بين المشترين المتقدمين بما يكفل المنافسة والعدالة.

5- وضع العديد من التشريعات التي تضمن حقوق الملكية بحيث لايجوز حرمان اي شخص من الحياة او الحرية او الملكية الا بالطرق القانونية ولا يجوز نزع الملكية الفردية او الاستيلاء عليها للاستخدام العام من دون تعويض عادل نظرا لاهمية حقوق الملكية لذا يعد الفهم الاساسي لانواعها مسألة ضرورية وبالذات في اطار التوجه نحو اقتصاد السوق من اجل تجنب تعريض عملية الخصخصة لمخاطر او انتكاسات كبيرة وذلك في مجال :

أ- الملكية العقارية او الاموال الثابتة :

من الضروري ان تضع الدولة قواعد واضحة المعالم لا تتوقف عند عمليات بيع وشراء وتعمير الاراضي فقط بل تشتمل ايضا الايجار والتأجير وهذه القواعد ينبغي ان تتسم بالوضوح او الشفافية، حيث تسمح الحكومة للافراد والشركات بتأجير الاراضي طبقا لقانون ملك الشعب اما في حالة كون الملكية كأداة ضمان في ظل اقتصاد السوق فهي تلعب دورا رئيسا في مساعدة الافراد او المؤسسات بالحصول على التمويل. ويمكن ضمان القروض العامة بقيمة اصولها يقبلها المقرض كالسيارات والمجوهرات، او بدلا من شراء حقوق الملكية يقدم المستثمرون قروضا للحكومة بضمان اسهم في رأس مال الشركات التي تمت خصخصتها ويصبح من حق المقترضين الاستيلاء على اسهم رأس مال الشركات اذا لم تتمكن الحكومة من تسديد ديونها.

ب- وضع قوانين لحماية حقوق الملكية الفكرية التي تشمل حقوق الاختراع والتأليف والعلامة التجارية وتراخيص التصنيع. فمن الضروري توافر الحماية الفعالة لحقوق الملكية الفكرية وينبغي ان يكون هنالك ترابط منطقي بين قانون الملكية الفكرية وبين نطاق واسع من القوانين المدنية والجنائية.

6- اصلاح الاطار المؤسسي المتعلق بالنظام الضريبي. والعمل على وضع أطر وقوانين ومعايير حسابية حديثة وجداول بالضرائب الجديدة وبيان حقوق دافعي الضرائب وواجباتهم وضوابط اخرى ترتبط بمكننة النظام الضريبي وتدريب الملاك الضريبي على التعامل مع المتغيرات السريعة في بيئة اقتصاد السوق الجديدة، فضلا عن اصلاح الادارة الضريبية وتحديد المعدلات الضريبية والهيكل المالي لتحسين فرص التنبؤ بالقرارات الاقتصادية. وتحقيق التوازن بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة من اجل تقليص ظاهرة التهرب الضريبي وتقليل التشوهات في قرارات الاستثمار والانتاج والتوظيف وجعل الية تحصيل الضرائب الكمركية اكثر شفافية مع التركيز على تطبيق قانون ضريبة الشركات.

7- اصلاح سياسة الانفاق والقطاع المالي: وذلك ما يشمل التغيرات الواسعة في المهام الحكومية وفصل ماليتها عن ميزانيات المشروعات والمصارف والفصل بين الوظائف النقدية والمالية وترسيم جديد للحدود بين القطاع العام والقطاع الخاص، وهذا يعني في حقيقة الامر اختزالا واضحا للعمليات الحكومية الظاهرة والضمنية المباشرة وغير المباشرة. ويعكس ذلك التغيرات في مستوى وتركيبة واتجاه الانفاق العام ليكون اكثر شفافية وكفاءة وتحفيزاً للبيئة الجديدة المتمثلة باقتصاد السوق كما ان عملية ادارة الانفاق لاتنتهي باعداد الموازنة وانما  تنفيذها طبقا لجدول زمني محدد مع اجراء التعديلات الضرورية عليها بصورة شفافة لمواكبة التطورات البارزة اثناء التنفيذ.

فضلا عما ورد اعلاه نجد ضرورة التوجه نحو بناء قطاع مالي قادر على احتواء تركة التخطيط المركزي واستبدال مؤسساته وآلياته واهدافه باخرى جديدة مهمتها الوساطة والتنسيق بين الانشطة الاقتصادية لاتخضع للتوجيهات الحكومية المباشرة وتنفذ قراراتها بصورة لامركزية، وتقليص دور العوامل غير الاقتصادية في تخصيص الموارد وتعمل على تعبئة الموارد المحلية والاجنبية ونقلها الى الاستخدامات الاكثر انتاجية وتحمي نظام المدفوعات. فضلا عن تحديد مهام جديدة للحكومة في ظل التوجهات الحالية من خلال تنظيم جديد للبنك المركزي واعادة هيكلة ورسملة المصارف الحكومية وتكييف نظام المدفوعات لكي يخدم عناصر السوق، واقامة اسواق مالية ونقدية تعزز عمليات السوق واطار مؤسسي وقانوني يحمي الملكية الفردية ويضمن العقود ويقلل من حالات التقلب والتعرض للمخاطرة وهذا يوفر قواعد اساسية لضمان التخصيص الكفوء للموارد المالية. وهذه الكفاءة تنتقل مباشرة الى تحسين كفاءة الانتاج في المشروعات وتنمي التجارة ومن ثم النشاط الاقتصادي الكلي، ولتحقيق ذلك ينبغي ان تكون اغلب الاصول والثروات مملوكة من لدن الافراد والمشروعات الخاصة والاسعار والاجور والفائدة واسعار الصرف متحررة، وكذلك ازالة القيود التنظيمية والتشريعية عن حرية الافراد في اختيار النشاط الاقتصادي وتداول الاصول واستثمارها في المجالات المختلفة.

د. ثائر محمود رشيد العاني، محمد رضا عبدالعظيم، د. هناء عبدالحسين، اسيا كاظم..كلية الادارة والاقتصاد / جامعة بغداد

و كل ذلك بحسب رأي الكتاب في المصدر المذكور.

المصدر : جريدة الصباح-8-5-2006