أين تذهب عوائد النفط الخليجي؟

 

د. شملان يوسف العيسى

 

أساس بقاء الدولة والمجتمع في منطقة الخليج هو النفط، ورغم أهمية هذه السلعة الحيوية لاستمرارية بقاء الدولة الخليجية إلا أن الحديث عن عوائد النفط وكيفية استثماره أو توزيعه أو إدارته بطرق عقلانية تنموية، لا يحتل أهمية كبرى في الأوساط السياسية والاعلامية والشعبية الخليجية! وحسب ما نقرأه في تقارير اقتصادية، محلية واجنبية، فإن العوائد النفطية الخليجية بلغت في عام 2002 نحو 114.5 مليار دولار.

هذه الأرقام تدفعنا للتساؤل:

لماذا تعاني دول الخليج النفطية من البطالة بين شبابها؟ وإلى متى تستمر حالة اعتماد دول الخليج على العمالة الاجنبية الوافدة رغم تزايد عدد الخريجين والعاطلين عن العمل بين مواطني دول المجلس؟ لماذا يعزف القطاع الخاص عن توظيف خريجي الجامعات الخليجية، بينما يقبل خريجي الجامعات الأجنبية؟ لماذا تذهب معظم ميزانيات دول الخليج إلى مجال الدفاع والأمن والتسلح، رغم وجود قوات وقواعد أجنبية للقيام بمهمة الدفاع عن دول الخليج؟ ليست هذه الوفرة المالية الأولى التي تأتي لدول الخليج، فمنذ سبعينيات القرن الماضي، حصلت العديد من الطفرات في أسعار النفط، ومع ذلك لم تستغل دول الخليج عائداتها في قطاعات انتاجية وتنموية مفيدة للمستقبل.

منذ ثلاثين عاما ونحن نقرأ خطط ومشاريع دول المجلس الخاصة بتقليل الاعتماد على مصدر واحد للدخل القومي (النفط)، والوعود بإعادة النظر في التركيبة السكانية، والدعوة لتشجيع القطاع الخاص... وغيرها من الأفكار التنموية التي لم تر النور حتى الآن! التساؤل المطروح: أين تنفق الفوائض النفطية الأخيرة؟ معظم دول الخليج عادت إلى عادتها القديمة بترسيخ مفهوم الدولة الريعية، فزادت من انفاقها على الخدمات التي تقدم للمواطنين بدون مقابل؛ مثل الخدمات الصحية والتعليمية والإسكانية وغيرها... كما عمدت بعض دول الخليج إلى زيادة الرواتب للموظفين العاملين في الدولة وزيادة رواتب المتقاعدين وعلاوة الأطفال وزيادة الكوادر وزيادة الإعانات الاجتماعية.

جاءت تحذيرات البنك الدولي لدول الخليج من خلال أحد مسؤوليه الكبار، حيث قال إنه يتعين على دول الخليج العربية ضخ المزيد من عائداتها النفطية القياسية في الصناعات التصديرية بدلا من مشروعات إنشائية عملاقة... إذ تضخ حكومات المنطقة الأموال في مشروعات عملاقة للبنية التحتية للمساعدة في تنويع اقتصاداتها تدريجيا ويجري حاليا تنفيذ مشروعات في المنطقة تزيد قيمتها عن تريليون دولار. والجدير بالذكر أن مدير قسم تمويل القطاع والبيئة التحتية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في البنك الدولي حسين رضوي أكد على ضرورة الاستفادة من القطاع الخاص وأسواق رأس المال لتمويل مشروعات في البنية التحتية... كما ألقت وزيرة الاقتصاد في دولة الامارات الشيخة لبنى القاسمي اللوم على زيادة تكاليف البناء، مما أدى إلى تفاقم التضخم الذي قدر على المستوى الخليجي بحوالى 6% خلال العام الماضي.

وفي النهاية لا يمكن التعامل مع العوائد النفطية بمعزل عن قضية الإصلاح السياسي في منطقة الخليج، فالعلاقة بينهما عضوية، فتوفر الأموال الطائلة للأنظمة الخليجية، يجعلها تعزز ثقة المواطنين بها لأن هذه الحكومات تستطيع كسب ولاء المواطنين من خلال الإغداق غير المبرر في قنوات غير تنموية، مثل التوسع في القطاع العام، وزيادة الرواتب... مما خلق مواطنين اتكاليين هامشيين، يعتمدون على الدولة في كل شيء... في حين ينبغي أن تستغل الثروة المالية في تصحيح المفاهيم العشائرية القديمة بخلق مواطنين منتجين يساهمون بفعالية في عملية التنمية في بلدانهم.

وكل ذلك بحسب راي د. شملان يوسف العيسى في المصدر المذكور .

المصدر : الاتحاد الإماراتية – 7-5-2006