إيران بين الصين واليابان

 

د. محمد بن هويدن

 

 

في فبراير من عام 2004 وقعت شركة إنبيكس اليابانية اتفاقا أوليا مع إيران من أجل تطوير حقل أزاديجان الذي يعتبر واحدا من أكبر حقول النفط في العالم؛ وفي أكتوبر من ذات العام وقعت شركة ساينوبيك الصينية مذكرة تفاهم مع شركة النفط الوطنية الإيرانية من أجل تطوير حقل يادافاران النفطي في إيران. المتوقع أن يصل إنتاج حقل أزاديجان إلى 260 ألف برميل في اليوم عندما يتم تطوير الحقل بشكل كامل؛ أما حقل يادافاران فإن من المتوقع أن يضيف 300 ألف برميل يومياً للإنتاج الإيراني بعد الانتهاء من تطويره.

الجائزة كبيرة لكل من اليابان والصين في تطوير هذين الحقلين الإيرانيين. اليابان تستورد 14 في المائة من حاجتها النفطية من إيران وإنتاج حقل أزاديجان بسعته رفع تلك النسبة إلى 21 في المائة من حاجة اليابان النفطية. أما عن الصين فإن إنتاج حقل يادافاران يمكن أن يرفع نسبة ما تستورده الصين من إيران بنسبة 50 في المائة. وهذه المعادلة مهمة لبلدين يعتمدان على الخارج بشكل كبير من أجل سد احتياجاتهما النفطية. لكن الجائزة أيضاً كبيرة بالنسبة لإيران ذاتها، فكل من اليابان والصين هما أهم الأسواق المستوردة للنفط الخام الإيراني وبالتالي فإن تطوير إنتاجية حقلي أزاديجان ويادافاران سيكون له بالغ الأثر في تأكيد تلك العلاقة. كما أن الاستثمار الياباني والصيني في هذين الحقلين من شأنه تطوير القدرات الإنتاجية الإيرانية التي تعاني من تدهور في نوعية التقنية المتوافرة في حقولها النفطية القديمة، فإدخال تكنولوجيا الإنتاج على هذين الحقلين سيخدم إنعاش قطاع النفط المتراجع في إيران وهذا في حد ذاته مصلحة إيرانية، حيث إن ما كان محددا أن يصرف على تطوير حقل أزاديجان يصل إلى نحو ملياري دولار أمريكي، أما عن حقل يادافاران فإن الصين كانت ستدفع 100 مليار دولار من أجل الشراكة في الحقل الإيراني.

رغم ذلك كله بقيت تلك الاتفاقيات عالقة لمدة تزيد على السنتين حيث لم يتم إنجاز شيء ما يذكر في هذا المجال حتى أعلنت اليابان تراجعها عن الاتفاقية في أكتوبر عام 2006. تراجع اليابان جاء بناء على رغبتها في عدم الإساءة إلى تحالفها القائم مع الولايات المتحدة فرغم أهمية الاتفاق حول تطوير الحقل الإيراني بالنسبة لليابان إلا أن اليابان لم تشأ أن ينظر إليها على أنها تقف معيقة أمام الخطط الأمريكية لعزل إيران اقتصادياً وسياسياً ولاسيما مع المساعي الأمريكية لفرض عقوبات على الشركات التي تتعامل مع إيران.

أما عن الاتفاق مع الصين فلقد ظل لفترة طويلة حبيس الأدراج حيث إن حالة التوتر في المنطقة والهاجس الأمريكي لفرض عقوبات اقتصادية متزايدة على إيران فرض على الحكومة الصينية عدم الاستعجال في الالتزام الفعلي مع إيران حول حقل يادافاران. الصين تدرك حجم الاستثمارات التي ستقدمها في مجال تطوير هذا الحقل وتدرك خطورة الوضع في حالة اندلاع حرب في المنطقة، حيث إن حالة العراق ليست ببعيدة عندما فقدت الصين استثمارات كبيرة لها هناك، كما أنها كانت تتخوف من فرض الولايات المتحدة عقوبات على شركاتها وبنوكها المشاركة في الاستثمار في هكذا مشروع. الصين التي هي بحاجة إلى نفط إيران أدركت أن هذه الحاجة يمكن سدها من جهات أخرى عن طريق الاستثمار الأكبر في مناطق أخرى كإفريقيا وآسيا الوسطى لذلك لم تتحمس إلى تنفيذ الاتفاق بالشكل الفعلي.

فالعامل الأساسي الذي وقف عقبة أمام كل من اليابان والصين لتحقيق مكاسب اقتصادية لهما في إيران هو الولايات المتحدة بالدرجة الأولى وسياستها حول إيران. لكن أخيراً وقعت الصين على اتفاق آخر مع إيران بشأن تطوير حقل يادافاران الإيراني رغم استمرار سياسة الولايات المتحدة المتشددة ضد إيران ومساعيها لفرض عقوبات اقتصادية عليها. هذا الاتفاق الجديد مع الصين يجعل الاستثمارات الصينية تصل إلى ملياري دولار أمريكي وهو أقل بكثير مما كان عليه الاتفاق في مذكرة التفاهم الأولى، كما أنه يعمل على تطوير الحقل لرفع سعته الإنتاجية لتصل إلى 180 ألف برميل يومياً بدلاً من 300 ألف برميل كما كان متفقا عليه في المذكرة. لكن على أي حال، إن توقيع الصين على الاتفاق الأخير مع إيران ظل هادئاً إلى درجة كبيرة حيث لم ترد الصين أن تثير الموضوع بشكل كبير حتى لا تستخدمه الولايات المتحدة ضدها كما هو الحاصل مع استثماراتها في نفط السودان مثلاً. الصين وقعت على هذا الاتفاق بعد أن أدركت أن السياسة الأمريكية المتشددة تجاه إيران قد تراجعت أو قد تتراجع بعد أن تضاءلت فرص المواجهة العسكرية بعد صدور تقرير الاستخبارات الأمريكية الذي أشار إلى أن إيران أوقفت برنامجها العسكري النووي منذ عام 2003. فهذه الظروف ساعدت على ما يبدو الحكومة الصينية على عقد الاتفاق مع إيران.

لكن هذا الاتفاق سيأخذ وقتاً ليجد النور على أرض الواقع، ويمكن أن يستمر الوضع المتردد بين الطرفين إلى فترة أطول إذا ما استمرت الولايات المتحدة في تهديداتها لإيران. إيران من جهتها تود أن توثق علاقتها بدولة كالصين حيث إن الأخيرة مستورد مهم للنفط الإيراني وإنها أكبر مستثمر أجنبي في إيران ولأنها تتمتع بوضع سياسي مهم في مجلس الأمن. الصين من جهتها تدرك خطورة الأوضاع لذلك فهي تتجه نحو اتباع أسلوب التأني في التعاون مع إيران كي لا تتضرر من العقوبات التي يمكن أن تفرضها الولايات المتحدة على شركاتها وبنوكها، لذلك وجدنا في الشهر الماضي كيف أن البنوك الصينية بطئت من تعاملاتها المالية مع البنوك الإيرانية نتيجة للضغوط الأمريكية. فالصين تفضل التوغل في إيران والاستثمار فيها بشكل محدد ولكن بطريقة متأنية وهادئة في حين أن اليابان فضلت الابتعاد عن إيران حرصاً على علاقتها مع الولايات المتحدة .

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:almajalah-21-2-2008