تسييس الحلم الأميركي

 

تم روتن

 

 

يشكو في ''لوس انجلوس'' من زحام الشوارع وحركة المرور، في مآدبهم وجلسات أنسهم؛ غير أن هذه الشكوى لا تمثل سوى مدخل تمهيدي فحسب للحديث عن الهم الأكبر الذي يؤرق السكان: ألا وهو مشكلة البيوت والعقارات وباستثناء شكوى سكان ''لوس أنجلوس'' من زحمة المرور الخانقة في مدينتهم، تكاد تعم الشكوى نفسها من مشكلة البيوت والعقارات هذه الأيام، عدداً من المدن الأميركية الكبرى بالدرجة نفسها تقريباً: ميامي، شارلوتي، أوستن، فينكس، سان دييجو وبورتلاند وقد أسهم هذا الانشغال الأميركي العام بتسارع معدلات التضخم في القطاع العقاري - الذي انخفض بسببه متوسط أسعار البيوت الأميركية العادية، للمرة الأولى منذ فترة الكساد الاقتصادي- في تحديد حزمة الحوافز الاقتصادية للمواطنين، بذات النحو الذي أراده كل من الكونجرس ومجلس النواب.

فإلى جانب سياسات التخفيض الضريبي المصممة خصيصاً لتسريع النمو الاقتصادي عبر زيادة حجم الإنفاق، تقترح السياسات الجديدة، رفع سقف الديون المؤمن عليها من قبل ''إدارة الإسكان الفيدرالية'' من 367 إلى 729,750 ألف دولار. واعتماداً على ما ستتمخض عنه التشريعات في مجلس الشيوخ، فإن هذه الزيادة تعد كبيرة للغاية، خاصة أن ''إدارة الإسكان الفيدرالية'' لم تنشأ أصلاً إلا بهدف توفير خدمات الرهن للمواطنين الراغبين في شراء أول بيت لهم، بمن فيهم بالطبع الذين تنخفض دفعاتهم الأولى حتى نسبة 3 في المائة من ذوي الحسابات المالية غير المنتظمة.

للحقيقة فإن ما يحدث في القطاع العقاري الأميركي حالياً، يتسم بطابع سياسي أكثر منه اقتصادياً، والسبب أنه يصعب جداً تصور حدوث تنازلات ثنائية حزبية في مجلس الشيوخ بشأن هذه السياسات، دع عنك التوصل لاتفاق حولها داخل البيت الأبيض، الذي يصعب وصفه بالثنائية الحزبية، حتى وإن لم يكن هذا العام انتخابياً ويحتد فيه التنافس السياسي بين الحزبين بالضرورة. ووفقاً لجميع استطلاعات الرأي التي أجريت خلال العام الماضي، فقد تصدّر الوضع الاقتصادي اهتمامات الناخبين، وفاق أي اهتمام لهم بقضايا أخرى مثل حربي العراق وأفغانستان. وأشارت نتائج آخر استطلاع للرأي العام أجراه مركز ''بيو'' حول ''الناس والصحافة''، إلى نسبة 42 في المائة من المستطلعة آراؤهم ممن أكدوا متابعتهم اليومية الدقيقة للأخبار الاقتصادية، بينما أكد كل واحد بين خمسة ممن شملهم الاستطلاع، دقة متابعتهم لهذه الأخبار أكثر من أي أخبار أخرى، بما فيها آخر التغطيات الصحفية لأخبار المغنية الشهيرة ''بريتني سبيرس''.

حين سئلوا عن المشكلة الاقتصادية الأهم التي حظيت بمتابعتهم، أشارت غالبيتهم إلى المشكلات التي يواجهها سوق العقارات الأميركي، ووفقاً لما أعلنه مركز ''بيو''، فقد أشار ما يزيد على ثلاثة بين كل 10 أي ما يتجاوز نسبة 31 في المائة، إلى الأزمة التي شهدتها الرهون الثانوية في القطاع العقاري مؤخراً، كما تضمنت الإشارة ازدياد عدد بيوت الأفراد والأسر التي تم الحجز عليها، إضافة إلى انهيار القيمة العقارية للبيوت التي تم شراؤها قبل حدوث الأزمة، وتعادل هذه النسبة ضعف ما أشارت إليه استطلاعات الرأي حول أي مشكلة اقتصادية أخرى، وأكثر من خمسة أمثال إشارة المواطنين لمشكلة الخسارة المالية الكبيرة التي لحقت بأسواق البورصة في ذلك الأسبوع، الذي بلغ فيه حجم تلك الخسارة ما يزيد على 500 نقطة.

وبالنظر إلى هذه النسب، التي تشير في نهاية الأمر إلى معدلات قلق الأميركيين إزاء مساكنهم، فإنه ليس غريباً أن دعت المرشحة الرئاسية الديمقراطية ''هيلاري كلينتون''، إلى تبني إجراءات قانونية لتأجيل تنفيذ الحجز على بيوت المواطنين المعسرين مؤقتاً، إلى حين التمكن من التدخل الشامل لحل هذه المشكلة من قبل البيت الأبيض والكونجرس، وللحقيقة فإن تزايد أعداد الأميركيين المالكين لبيوتهم، هو أمر يجب النظر إليه على أنه أكثر من مجرد ماكينة محركة لاقتصادنا القومي، لكون تلك البيوت جوهرة نظامنا الديمقراطي كله. وقد أدرك ''توماس جيفرسون''، الأب المؤسس لنظامنا الديمقراطي، هذه الحقيقة وعبّر عنها أفضل تعبير بقوله: ''إن أمة من المالكين الأحرار، هي أمة قوامها حمَلَة الأسهم... أي أولئك الذين تندمدج مصالحهم الشخصية في مصلحة الأمة كلها''؛ وبتأويل كلمات ''جيفرسون'' فإن المقصود هو أن أمتنا تتألف من الناخبين ودافعي الضرائب الذين يقلقون أيما قلق، إزاء ما إذا كانت هناك إشارة مرور ضوئية قرب الركن المؤدي مباشرة إلى مدارس أطفالنا الصغار أم لا؟

وكل ذلك بحسب رأي الكاتب في المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad