الاقتصاد الأميركي... والتدابير الترقيعية

 

 

نمو مرتفع والفقراء أيضا يتزايدون

يبدو الحديث الدائر حالياً حول برنامج النهوض الاقتصادي الذي اقترحه الرئيس ''بوش'' متهافتاً إلى أبعد الحدود، وبالطبع لا أقصد هنا تسفيه المشاكل الاقتصادية لأميركا، ولا التشكيك في الحاجة الملحة للتدخل الحكومي الفعال لمعالجتها، إلا أنه يتعين علينا الاعتراف بحقيقة مزعجة: فلسنوات عديدة كان الاقتصاد، الذي نسعى اليوم لإنعاشه، منفصلا تماماً عن مشاكل وصعوبات المواطنين الأميركيين فعلى سبيل المثال لم ينعكس التوسع الاقتصادي للولايات المتحدة على مدى السنوات الماضية - بكل معدلات نموه المرتفعة التي حققها- على الدخل الفردي للمواطن الأميركي، وظل التباين شاسعاً بين الناتج الإجمالي المحلي وبين الدخل الفردي، وكما كرر الرئيس ''بوش'' مراراً كانت الأعوام الماضية فترة للنمو المرتفع، لكنها بقيت بعيدة عن الشرائح الفقيرة والطبقة الوسطى؛ فحسب دراسة صدرت مؤخراً عن ''معهد السياسة الاقتصادية'' تدنت الرواتب خلال السنة الماضية؛ وفيما يربط الخبراء النمو الاقتصادي بتحسن الأوضاع المعيشية للجمهور، لم يعنِ ذلك في الحالة الأميركية سوى المزيد من التدهور في الوضع الاقتصادي للمواطنين.

وليس معدل النمو الاقتصادي المرتفع هو الوحيد الذي خذل الأميركيين، بل هناك أيضا الارتفاع الكبير في الإنتاجية التي يحسدنا عليها الكثيرون في العالم؛ لكن مرة أخرى لم ينعكس ذلك على أجور معظم الأميركيين ومستوى معيشتهم، وهو ما يخالف طبعا منطق وتحليلات الخبراء الاقتصاديين الذين يتوقعون أن تتدخل قوة خفية لتعديل الأجور وتصحيحها لتلائم أكثر جهد وفعالية العامل الأميركي، وبرغم ميلنا إلى تفسير زيادة القدرة الإنتاجية إلى الاكتشافات التكنولوجية ومستوى التعليم الجيد، إلا أن دراسة لافتة كشفت عام 2001 بأن ارتفاع الإنتاجية إنما هو ناجم عن ''ابتكارات إدارية''، ويعني ذلك أنه حتى الإنتاجية تعتمد على الخطط والألاعيب التي تلجأ إليها الشركات لانتزاع المزيد من العمل مقابل أجور متدنية، بحيث يتم الزيادة في عدد ساعات العمل وتقليص العطل وإثقال كاهل العمال والموظفين بمهام إضافية، وكل ذلك بدون الرفع من الأجـور.

ماذا عن معدل البطالة؟ حسب المبدأ الليبرالي القديم، تقود نسبة التشغيل الكاملة إلى جنة عمالية، بحيث ترتفع الأجور وتتعزز القدرة التفاوضية للعمال، لكننا وصلنا في السنوات الماضية إلى نسبة تشغيل شبة كاملة دون حصول العمال على أي من المكاسب، أو الامتيازات المنتظرة؛ ويبدو أن ما لم يدر في خلد الليبراليين هو الوضعية المتدنية التي وصلتها الأجور في أميركا، وضعف النقابات العمالية، فضلا عن الأساليب الملتوية للشركات لتجميد الرواتب وعدم رفعها، وقد بلغ انفصام الاقتصاد عن المواطنين العاديين في أميركا إلى درجة أن استطلاعا للرأي أجرته محطة ''سي.إن.إن'' أبان على أن 57 بالمائة من الأميركيين يعتقدون أنهم دخلوا مرحلة الركود الاقتصادي منذ شهـر. وقد يفسر الاقتصاديون ذلك بأن الرأي العام جاهل بالمفاهيم الاقتصادية مثل الركود الذي يتطلب حسب الخبراء ستة أشهر متواصلة من النمو السلبي، لا يعني الركود في نظرهم سوى الأوقات العصيبة التي يمرون بها والتي ربما استمرت لعدة سنوات.

في الشهور القليلة المقبلة يمكننا توقع المزيد من التوسع في حالة الركود مع بروز تداعياتها القاسية، مع إعلان شركات كبيرة عن إلغاء وظائف تصل لأكثر 60 ألف وظيفة، وهي تداعيات يتعين معالجتها على أية خطة للنهوض بالاقتصاد ومعالجته، لا سيما في ظل المصاعب الكثيرة التي تمر بها الشرائح الفقيرة والطبقة الوسطى في المجتمع. فهناك أسباب أكثر وجاهة للتحرك من مجرد الشعور بالتعاطف مع الفقراء والطبقة الوسطى مثل عجزهم عن سداد الديون، وتراجع معدلات الاستهلاك، فضلا عن اضطرابات السوق العالمية. وما علينا في هذا السياق، سوى التساؤل عن سبب أزمة الرهن العقاري الحالية التي تعيشها أميركا، فقد كان الغرض من القروض عالية المخاطر مساعدة الفقراء والطبقة الوسطى على امتلاك بيوتهم، وهو ما أكدته الإحصائيات التي أفادت بأن 55 بالمائة من تلك القروض استفاد منها الأميركيون الأفارقة، في حين ذهب الباقي إلى الفقراء من البيض.

لكن لماذا عجز العديد من الأميركيين الفقراء عن سداد ديونهم والتخلص من الرهن العقاري؟ السبب الرئيسي هو ضعف الرواتب وانعدام الأمن الوظيفي، فحسب الإحصاءات تصل نسبة الأجور الضعيفة إلى 30 بالمائة من السكان، وحتى الأجور الكبيرة ذات الستة أرقام يمكنها أن تتبخر في لحظة من الزمن عندما يلجأ رب العمل إلى تقليص أعداد الموظفين ليترك عائلات بدون دخل، أو تغطية صحية. وعندما يضيق الخناق على الطبقات الوسطى والفقيرة التي يكون عليها تسديد الديون والاستمرار في الحياة وتلبية الاحتياجات الأخرى، تبدأ بوادر الركود في الظهور عندما يتراجع الاستهلاك وينحدر النمو. لذا فإنه يجب على التدخل الحكومي أن ينفذ إلى عمق المشكلة من خلال مد يد العون للفقراء والاهتمام بالأميركيين الذين فقدوا وظائفهم، ومهما كانت الإجراءات الحالية لإنعاش الاقتصاد مطلوبة وبإلحاح، يبقى على الدولة أن تلعب دوراً أكبر من مجرد إقرار تدابير ترقيعية، بحيث يتعين الرفع من الأجور وإحداث شبكة قوية من الضمان الاجتماعي والرجوع إلى نظام ضريبي تقدمي، لأن الهدف النهائي ليس فقط دعم أسعار الأسهم، بل أيضا بناء اقتصاد يستفيد من خيراته الجميع ولا يقتصر على البعض فقط.

وكل ذلك بحسب المصدر المذكور نصا ودون تعليق.

المصدر:alitihaad